GMT 0:05 2017 الجمعة 17 نوفمبر GMT 7:59 2017 السبت 18 نوفمبر  :آخر تحديث

الحريري أدى قسطه فمتى الآخرون؟

الحياة اللندنية

وليد شقير

لم يعد بإمكان رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري أن يقوم بأكثر مما قام به إلى الآن، من أجل إنقاذ لبنان من الأخطار التي تحدق به، وبات على شركائه في الحكم وفي التسوية التي عقدها معهم أن يقوموا بما عليهم لتدارك احتمالات أي تدهور قد يتعرض له البلد في خضم التعقيدات والصراعات الإقليمية، والحديث عن حروب قد يُقحَم لبنان فيها.

فزعيم «تيار المستقبل» كسب الرهان في جعل الفرقاء اللبنانيين يتوافقون على الحد الأدنى من تهدئة الصراع السياسي الداخلي، والذي يشكل امتداداً للتناقضات الإقليمية المتصاعدة بحدة، بعدما اكتشف هؤلاء الفرقاء أن فراغ السنتين ونصف السنة في الرئاسة اللبنانية أوصل الاقتصاد والمؤسسات إلى حافة الانهيار المحتم.

وهو ما أُطلق عليه تارة «ربط النزاع» مع «حزب الله»، وأخرى «التسوية» وثالثة «المخاطرة الكبرى». يكفي تنفيس الاحتقان السني- الشيعي في لبنان للحديث عن نجاحه في ما أقدم عليه. ولربما كان التوقيت الذي اختاره الحريري صيف عام 2016 حين عقد «التسوية»، مناسباً، لأن «حزب الله» وحلفاءه كانوا أخذوا يشعرون ولو متأخرين عن خصومهم، بأن الجميع بلا استثناء تعب، بما فيهم الحزب المثقل بأكلاف الحرب السورية، من إبقاء البلد في حال من انعدام الوزن.

كان الجميع جاهزاً لتلقف مبادرة الحريري التي لم تتوقف عند حدود القبول بالعماد ميشال عون رئيساً للجمهورية، بل بتطوير التفاهم عليه لمعالجة ما خلفته سياسة الحزب وعون نفسه، بعد افتعالهما الفراغ وإضعاف المؤسسات والتسبب باهترائها.

الأزمة الحالية الحادة بعد استقالة الحريري تكشف أن جهوده في تجنب الأخطار الخارجية لم تحقق ما حققته مبادراته على الصعيد الداخلي. وسواء كانت حسابات الحريري خاطئة أو أنه لم يكن يستبعد، في أعماق نفسه، أن يصل إلى ساعة الحقيقة حيال صعوبة، وربما استحالة، فصل أزمة لبنان الداخلية عن الأزمات المتوالدة في المنطقة، فإن حل النزاع أو ربطه، لم يكن بيده بل كان ولا يزال، بيد «حزب الله» الذي تعود المبادرة الآن إليه وإلى حليفه الرئيس عون.

عوّضت استقالة الحريري والأزمة الحادة التي رافقتها ما فقده من شعبية خلال السنة الماضية من عمر التسوية. فالأخيرة تهاوت بفعل ركون الحزب إلى أنه لن ينصرف عن مهماته بالتدخل في اليمن والبحرين والكويت والعراق وسورية بما كان سيرتبه الانهيار الداخلي الذي كان وشيكاً. فالحزب أمعن في الانصياع لموجبات التمدد الإيراني الذي استفاد من تراكمات التأخر العربي في التكيف مع المتغيرات الدولية.

استعاد الحريري في الأيام الماضية ما فقده وأكثر على الصعيد الداخلي، وانكفأ المزايدون عليه من خصومه الجدد الذين أرادوا منه سلوكاً صدامياً مع الحزب من دون تقدير العواقب، في الساحة السنية. أما خصومه القدامى المتحالفون مع الحزب وسورية فلم يستطع أي منهم استقطاب أي شريحة من قاعدته التي تعاطفت معه كضحية لسياسات «حزب الله» وخصومه التقليديين الذين ينسجمون مع الأخير في الانتماء إلى محور «الممانعة»، فهؤلاء تسببوا بتنحي الحريري على رغم التضحيات التي قدمها طوال المرحلة الماضية. وهو بذلك بات الزعيم الأول بلا منازع بعد أن كان يقال عنه أنه أول بين متساوين. وعلى الصعيدين المسيحي والوطني كسب الحريري، لا سيما بعد مقابلته التلفزيونية، صفة رجل الدولة، حين ربط الاستقالة وما رافقها بشعار بسيط هو «النأي بالنفس» عن صراعات المنطقة، واستعاد بذلك بريقاً كان واحداً من عوامل شعبية والده الراحل الرئيسة.

وإذا كان لأداء الحريري وتياره بعد هذه الأزمة، أن يرسما كيفية تثمير شعبيته الكاسحة في صناديق الاقتراع في الانتخابات المقبلة، فإن الأزمة ذات البعد الإقليمي الصرف، التي يتخبط فيها لبنان، تلح على شركائه في التسوية المتهاوية أن يعوضوا على البلد الفرصة التي خسرها خلال السنة الماضية. وإذا صح أن الرئيس عون يريد «معالجة الهواجس» التي سببت الاستقالة، كما قال، فإن هذا يتطلب منه مراجعة عميقة لسياسة الالتصاق الكامل بالسياسة الإيرانية وموجباتها في لبنان الذي بات منصة لكل الحروب التي تخوضها في المنطقة، وصولاً إلى إشراكها «حزب الله» في توليد حروب من أرحام الحروب، كما يحصل في سورية.

وإذا صح أن أقصى ما قدمه «حزب الله» نتيجة وساطة عربية معه (يتردد أنها مصرية) هو قبوله بوقف التصريحات النارية لقادته وأمينه العام ضد المملكة العربية السعودية صبحاً ومساء، فإن القسط الذي عليه تسديده للبلد يفترض ألا يقتصر على «هدية» شكلية من هذا النوع، لتفادي إدخال لبنان في حروب يجري التحضير لها انطلاقاً من سورية، أو غيرها. فالحريري أدى قسطه للعلى.


أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في أخبار