GMT 0:00 2017 الخميس 23 نوفمبر GMT 5:22 2017 الخميس 23 نوفمبر  :آخر تحديث

الديمقراطية والعلمانية بين الجابري وطرابيشي

الشرق الاوسط اللندنية

فهد سليمان الشقيران

بقي مفهوم العلمانية بكل التباسات تبيئته وترجمته إلى العربية مثار نقاشٍ طويل ليس على المستوى الآيديولوجي العقائدي المتعلق بضرورة ربط أي إجراء سياسي بـ«الحكم الإسلامي»، وإنما حتى بين التيارات الفكرية العربية المعاصرة، كان النقاش كبيراً بين عدد من المفكرين حول علاقات العلمانية بمفهوم الديمقراطية، سجال بدأ أواخر الثمانينات بين مفكريْن بارزين هما حسن حنفي ومحمد عابد الجابري على صفحات مجلة «اليوم السابع» امتد لعشرة أسابيع متواصلة في الفترات بين مارس (آذار) ونوفمبر (تشرين الثاني) من عام 1989، وقد طبع في كتابٍ بعنوان: «حوار المشرق والمغرب». يرفض حنفي العلمانية لأننا: «لا نحتاج إليها وهي واردة من الغرب»، بينما الجابري يرفضها لأن «الإسلام ليس فيه كنيسة» حتى ندعو لفصل الدين عن الدولة، بل يقول كما الإخوان المسلمين: «الإسلام دين ودولة».


تم طرح الديمقراطية كبديلٍ للعلمانية، وذلك من قبل الجابري بسلسلة مقالاتٍ أعاد طبعها بكتابه «الدين والدولة وتطبيق الشريعة»، وتحت عنوان: «بدلاً من العلمانية، الديمقراطية والعقلانية» يكتب: «برأيي أنه من الواجب استبعاد شعار العلمانية من قاموس الفكر القومي العربي وتعويضه بشعاري الديمقراطية والعقلانية... فمسألة العلمانية في العالم العربي مسألة مزيفة، بمعنى أنها تعبر عن حاجاتٍ بمضامين غير متطابقة مع تلك الحاجات». ويحيل الجابري العلمانية بوصفها دعاية من «مسيحي الشام» الخاضعين للهيمنة العثمانية، ويدلل بأن العلمانية لم تطرح في بلدان المغرب ولا في بلدان الجزيرة، وبالتالي لا تحتاج الديمقراطية إلى الصيغة العلمانية، هذه الأسطر ستستفز طرابيشي الذي خبر الجابري وألف الرد على أطروحاته.
في الجزء الأول من كتابه «هرطقات - عن الديمقراطية والعلمانية والحداثة والممانعة العربية» يعمل طرابيشي مجرحه الدقيق على طرح الجابري العشوائي حول مفهوم «العلمانية»، وهو نقد طويل جداً، ولكن يمكن الوقوف على صلب النقد وعصب الاعتراض، يقول: «الحال أن الجابري، عندما يعوزه المزيد من الأسلحة المنطقية لتدعيم مقولته عن عدم لزوم العلمانية، يستعين بمنطق الأصوليين، ولكنه لا يأخذ من استدلالهم سوى مقدمته الصغرى، أي تحديداً الضعيفة. هكذا يقول بالحرف الواحد: (أنا مقتنع تماماً بأن الإسلام هو دين ودولة في آن واحد) إن ما يسكت عنه الجابري ـ علماً بأنه من المختصين الرواد في الساحة الفكرية العربية بعلم المسكوت عنه ـ هو أن صاحب هذه المقولة هو مؤسس حركة الإخوان المسلمين حسن البنا».
يعترض طرابيشي على مقدمة الانطلاق عن الجابري: «أما من حيث المقدمة الكبرى، فلنقل بصراحة إنها مبنية على حيلة شكلية: فليس صحيحاً تعريف العلمانية بأنها (فصل الكنيسة عن الدولة). فالكنيسة هي حالة جزئية من حالات ذلك الكلي الذي هو الدين... فالعلمانية قد لا يكون فيها أذى للإسلام كدين، بقدر ما أنها تهيئ له جواً للانعتاق من أسر السلطة السياسية وللتفتّح والتقدّم كدين. وذلك ما حدث أصلاً للمسيحية التي اكتشفت، بعد طول مقاومة، أن العلمانية قد أفادتها في استعادة بعدها الروحي بعدما كانت جرت مصادرته، على مدى قرون عديدة، لحساب البعد الزمني. والعلمانية في نهاية المطاف لا تتطلع إلى تحرير المجتمع من الدين، بل إذ تكف يد الدولة عن المجال المجتمعي وعن المجال الديني معاً، تكفل أكبر قدر من الحرية الدينية للأفراد والجماعات معاً. ففي ظل العلمانية فحسب، يمكن أن تتفتح الحرية الدينية إلى أقصى مداها؛ وفي ظل العلمانية فحسب، يستعيد الدين مجال فاعليته في المجتمع».
لم يكن مفهوم العلمانية مثار احتجاج تقليدي في كهوف المتطرفين، وبعض المجاميع الدينية، بل حدثت اشتباكات كبرى، نتذكر معركة عبد الرحمن بدوي مع فؤاد زكريا، حين أخذ الأول على زكريا التأكيد على حيوية العلمانية في ضبط حركة الواقع، بل ويتخوّف بدوي من طرح زميله بالسوربون محمد أركون.
تأتي ممانعة الجابري ضد المفهوم باعتباره دخيلاً على المجتمع العربي، وهو من بين الآثار المسيحية التي لا يحتاج إليها الإسلام، يستخدم وغيره ذات المنطق التقليدي الحارس للهوية، وحين تقرأ كتاب الجابري آنف الذكر يعيدك إلى منطق عبد الوهاب المسيري في كتبه المناوئة للعلمانية وأساسها «العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة» وفيه ينطلق بعداوته للعلمانية من مفاهيم طرحت في مدرسة فرانكفورت مثل «الاستهلاكية - الشيئية - الأداتية»، و«التشيؤ» المتهمة به العلمانية الاستهلاكية كان قد طرحه من قبل جورج لوكاتش. يكتب المسيري مثلاً في كتابه «الهوية والحركة الإسلامية»: «لا بد أن أشير إلى أن عبارة (إصلاح الخطاب الديني) تستخدم أحياناً لتعني إعادة صياغته بطريقة ترضي الغرب، مما يعني تحويل الدين إلى تجربة ذاتية روحية فيفصل الدين عن السياسة وعن الحياة، وتصبح النزعة الجهادية والرغبة في إقامة العدل في الأرض نزعات ورغبات إرهابية، أي إن الإصلاح هنا يعني إلغاء ما أسميه بالإسلام المقاوم وسيادة رؤية لإسلام براغماتي عملي مسالم مساوم يعجب الأجانب، والذي أسميه ساخراً (الإسلام السياحي)».
باختصار؛ لا يمكن للديمقراطية أن تكون بديلاً عن العلمانية، فلكل مفهوم وظيفته، ومن دون بيئة على مستوى من العلمانية لا يمكن للعملية الديمقراطية أن تكون ذات فعالية مدنية. والديمقراطية أداة وفضاؤها العلمانية. وكل الجلبة التي قادها مفكرون يساريون ومقاتلون راديكاليون وأمشاج من الإسلاميين والمفكرين المتحولين مثل «المسيري وجارودي» كلهم لم يأخذوا بالاعتبار إمكان التعامل مع المفهوم بوصفه «منصفاً لحضور الدين بالواقع» بدلاً من استعماله كمنتجٍ غربي يثير الريبة والهلع.
إن الديمقراطية الأداتية حين تطرح بوصفها البديل عن العلمانية، فإن في هذا تدشين لمرحلة أصولية.


أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في أخبار