GMT 0:00 2017 الخميس 23 نوفمبر GMT 8:40 2017 الخميس 23 نوفمبر  :آخر تحديث

الديمقراطية.. هل تتراجع عالمياً؟

إيلاف

ميليدا جيمنيز

ما حالة الديمقراطية في جميع أنحاء العالم؟ يوجه العديد من المراقبين إنذاراً بشأن موجة عالمية من الشعبوية التي برزت من خلال أوروبا والأميركتين. ويخشى آخرون من التآكل الأخير للضمانات الديمقراطية في دول بعينها مثل بولندا والمجر وفنزويلا. وتعلن العناوين الرئيسية عن أزمات الفساد والهجرة والصراع والأمن والانتخابات، ولكن هل الديمقراطية حقاً في مراحلها الأخيرة؟

ربما لا، فالبيانات الواردة في المؤشر المعجمي للديمقراطية الانتخابية تظهر أنه في عام 2016، وفيما لا يقل عن 68% من دول العالم – التي تضم 62.2% من سكان الأرض - يتم تحديد السلطة الحكومية من خلال انتخابات متنازع عليها. وهذه في الواقع زيادة عن النسبة المسجلة عام 2006 التي بلغت 62%. والأكثر من هذا أن 56% من الديمقراطيات التي تم تأسيسها بعد عام 1975 لم تشهد انعكاسات ديمقراطية، ولم تعد أي دولة تزيد ديمقراطيتها الانتخابية عن 40 عاماً - باستثناء فنزويلا – إلى الحكم غير الديمقراطي، فلا تزال الديمقراطية هي الشكل الأكثر انتشاراً ومشروعية للحكم.

ولكن كيف يكون أداء الديمقراطية خارج الانتخابات؟ للرد على هذا السؤال، أصدرت المؤسسة الدولية للديمقراطية والمساعدة الانتخابية يوم الأربعاء «مؤشرات حالة الديمقراطية العالمية». وتغطي هذه المجموعات من المؤشرات الجديدة 155 دولة خلال الفترة بين عامي 1975 – 2015، وهدفها هو تقديم صورة دقيقة عن الحالة العالمية للديمقراطية.

ويستند الفهم الواسع للديمقراطية في المؤسسة الدولية للمساعدة الانتخابية على مبدأين: السيطرة الشعبية على صنع القرار وصُنَّاع القرار، والمساواة السياسية بين هؤلاء الذين يمارسون هذه السيطرة، ونحن بدورنا نقسم هذين المبدأين إلى خمس خواص ديمقراطية: الحكومة التمثيلية، والحقوق الأساسية والرقابة على الحكومة والإدارة المحايدة والمشاركة. وتُقاس هذه الصفات باستخدام 98 مؤشراً تجريبياً من 14 مصدراً للبيانات، لكن هل الديمقراطية تنتشر وتصبح أكثر استقراراً؟

لدينا أخبار جيدة، فبالنظر من خلال هذا المنظور المعقد، تشير «مؤشرات حالة الديمقراطية العالمية» إلى أن الديمقراطية قد أحرزت تقدماً كبيراً منذ عام 1975- وما زال العالم يشهد مستوياتٍ مستقرة من الديمقراطية، ويمكننا أن نرى ذلك خاصة في المستويات العالمية من الحكم التمثيلي، حيث نقيس ما إذا كان الجمهور لديه سيطرة على صناع القرار، ولا توجد فقط زيادة في عدد الانتخابات التي تجرى في جميع أنحاء العالم منذ عام 1975، كما تظهر البيانات، بل أيضاً هناك جودة أعلى للانتخابات، مع انخفاض مستويات التزوير والتلاعب والمخالفات.

وبشكل عام، يتم احترام الحقوق الأساسية بشكل أفضل، وإنْ كان هناك تباين كبير بين الأمم.

يبحث مقياسنا للحقوق الأساسية ما إذا كان المواطنون بإمكانهم ممارسة حريات سياسية. وعموماً، فإن مزيداً من المواطنين حول العالم يتمتعون بهذه الحقوق أكثر مما كان عليه الحال في السنوات السابقة. ولكن هناك تحذير كبير: بينما يرى المواطنون في بعض الدول أن حقوقهم يتم احترامها بشكل كبير أكثر من ذي قبل، هناك آخرون يفقدون هذا الاحترام. وعلى سبيل المثال: هناك توسع في الحقوق السياسية الممنوحة للمواطنين في منغوليا والسنغال وأوروجواي وفي الآونة الأخيرة في جامبيا ونيجيريا، بينما تآكلت هذه الحقوق في المجر وبولندا. وضمن هذه الفئة، قمنا بقياس بعض الأمور الخاصة التي شهدت تحسناً مطرداً منذ ثمانينيات القرن الماضي، فهناك المزيد من الناس حول العالم يعيشون في أماكن تحترم فيه حقوقهم التي من أهمها الحصول على العدالة والحريات المدنية والحقوق الاجتماعية والمساواة.

- وهناك زيادة في الضوابط والتوازنات الرقابية على السلطة الحكومية منذ عام 1975 بشكل عام، رأينا مزيداً من الاستقلال القضائي، فضلاً عن المزيد من الحرية الممنوحة لوسائل الإعلام الإخبارية للتدقيق في ممارسة السلطة، ولكن مرة أخرى، فإن الصورة تختلف كثيراً من أمة لأخرى – وأحياناً حتى داخل المنطقة ذاتها. وعلى سبيل المثال، فقد حصلت ميانمار ونيبال وتونس على مزيد من المساءلة الحكومية، وعلى الجانب الآخر تقوم الحكومات ذات النزعات الاستبدادية في بروندي والإكوادور ونيكاراجوا ومقدونيا وتايلاند وتركيا وفنزويلا بالحد أو إلغاء مصادر القوة المتنافسة، مثل الهيئات التشريعية أو القضاة أو وسائل الإعلام المستقلة.

وعن المشاركة العامة تقيس هذه الخاصية التي نطلق عليها «المشاركة التشاركية» مدى استخدام الناس للقنوات السياسية القائمة، مثل المشاركة في منظمات المجتمع المدني والتصويت في الانتخابات الوطنية، ومرة أخرى شهدت بعض الدول تحسينات بينما شهدت دول أخرى تراجعات - وفي المتوسط، هناك حصة أكبر من الناس منخرطة سياسياً أكثر مما كان عليه الحال في 1975.

وفي العديد من الدول الأفريقية والآسيوية، ومن بينها ساحل العاج وليبيريا وميانمار ونيبال وتونس، أصبح المجتمع المدني أكثر نشاطاً، ولكن في دول أخرى، مثل أذربيجان ومصر وروسيا وتركيا، عمدت الحكومات إلى كبح جماح المجتمع المدني وتقليص المشاركة العامة. ومنذ عام 2005، تراجعت نسبة المواطنين الذين يذهبون إلى صناديق الاقتراع في عدة بلدان، منها بنجلاديش وقبرص واليونان وغينيا والولايات المتحدة، بيد أن هذا يقابله زيادات كبيرة في دول أخرى، من بينها أنجولا وميانمار ونيبال، ويرجع ذلك غالباً إلى أن الانتخابات يتم إجراؤها أو إعادتها.

وفي أوروبا، انخفض إقبال الناخبين في عدد قليل من الديمقراطيات الراسخة، بما في ذلك فرنسا وسويسرا والمملكة المتحدة، لكن إقبال الناخبين في جميع أنحاء أوروبا كمنطقة ما زال أعلى من المتوسط العالمي. وأي انخفاضات في دول فردية يقابلها زيادات في آسيا ومنطقة المحيط الهادئ، وفي أميركا اللاتينية والبحر الكاريبي.

وظل المستوى العالمي لما نصفه بـ «الإدارة المحايدة» - الذي يقيس غياب الفساد والإنفاذ المنتظم لسيادة القانون - ثابتاً بشكل عام منذ عام 1975. ومنذ عام 2005، أحرزت بلدان عديدة، من بينها ساحل العاج والجابون وغينيا ولاتفيا وقيرغيزستان ونيجيريا وسري لانكا وتونس، تقدماً كبيراً في مكافحة الفساد وضمان الإنفاذ المنتظم للقانون، ومع ذلك تكافح العديد من الدول من أجل التنفيذ الناجح لسيادة القانون في الإدارة العامة – ومن الممكن قول إن الفساد وعدم فاعلية الإدارة العامة من الممكن أن تغذي الحالة العامة من عدم الرضا عن الأحزاب السياسية والهيئات التشريعية والحكومات.

- إذن، ما الذي يمكننا قوله عن حالة الديمقراطية حول العالم؟ تظهر لنا «مؤشرات حالة الديمقراطية العالمية» أنه منذ عام 1975، تم إحراز تقدم ديمقراطي في بعض الخواص الديمقراطية التي نقيسها. وفي حين أن هناك تبايناً بين الدول، فإنه بوجه عام، لم يشهد العقد الأخير أي تراجع ديمقراطي، بل استقراراً شاملاً، وهكذا فإن الخطاب الكئيب عن الديمقراطية الذي يهيمن اليوم هو خطاب مبالغ فيه.

*مسؤولة وحدة تقييم الديمقراطية والتحليل والمشورة في «المؤسسة الدولية للديمقراطية والمساعدة الانتخابية»

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»


أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في أخبار