GMT 0:05 2017 الجمعة 24 نوفمبر GMT 2:12 2017 الجمعة 24 نوفمبر  :آخر تحديث

كحل الأسبرين

الشرق الاوسط اللندنية

سمير عطا الله

المبالغة في الرمز هي لتشديد الوقع، مثلها مثل وظيفة «إن» كبادئة في النصوص. وكان الدكتور علي الوردي يستهل كل فقرة من أبحاثه بـ«إن»، حتى يمكن القول إنه غاب وفي نفسه شيء من «إن». وكان المفكر منح الصلح يكثر من استخدامها أيضاً، وفي ظني أنه كان يفعل ذلك لأنه كان يملي. والإملاء يغري باللهجة الخطابية.

ألجأ أحياناً إلى المبالغة الواضحة باعتبارها رمزاً أو تأكيداً. وقد كتبت غير مرة أن «الأسبرين» هو أعظم الاختراعات، لأن حبة صغيرة منه تخفف الألم في لحظات. ولا يعني ذلك إطلاقاً أنه أهم من الطائرة، أو السيارة، أو أنابيب المياه. وتعليقاً على ما كتبته عن الأسبرين، تفضل أستاذ العلوم الطبيعية في الجامعة اللبنانية الدكتور نويل كلاس شمالي وأرسل إليّ بحثاً نشره في «الهلال» الدكتور فوزي حماد عام 1997 عن كتاب «الأقراباذين» للعالم نجيب الدين محمد علي بن عمر السمرقندي.

حقق الكتاب (1994) ونشره الدكتور جورج طعمة وأصدره بالعربية والفرنسية والإنجليزية. وكان الدكتور طعمة قد حصل على نسخة نادرة من «السمرقندي» من والده الصيدلي يوسف سليم طعمة، هدية له لدى تخرجه دكتوراً في العلوم الطبيعية، أصبح بعده رئيساً لمجلس البحوث الوطني، ثم رئيساً للجامعة اللبنانية.

ووفق طعمة، فإن كلمة «أسبرين» عربية وردت للمرة الأولى عند السمرقندي في كتابه «الأقراباذين على ترتيب الأسباب»، الذي وضعه قبل مقتله على يد الغزاة التتار عام 1222م في أفغانستان. وقد اخترع السمرقندي «كحل الأسبرين» دواء للعين لمنع تكوين البثور. وقد قسم طعمة الكتاب إلى عشرين جزءاً؛ تبدأ بأدوية شلل الرأس، ثم تنحدر إلى أدوية العين، فالأنف، فالأذن، فالفم واللسان والحلق، نزولاً إلى أسفل الأعضاء. وفي الكتاب 190 دواء للزينة، وأدوية لعرق النساء والمفاصل والقروح. وإضافة إلى 870 وصفة طبية، يضم الكتاب فصولاً في علم النبات والأعشاب وفوائد السنبل والمر والزنجبيل.

كان كل ذلك في القرن الثالث عشر، أي تلك القرون الغابرة التي ازدهرت خلالها العلوم العربية والإسلامية، فيما كان الغرب يغط فيما سمي «القرون الوسطى». وفجأة، انقطعت علاقتنا بالعلوم، واختفت المختبرات في الوقت الذي أصبح فيه الوصول إليها في سهولة الوصول إلى المتجر.

يقول الدكتور جورج طعمة إن المخطوطة الأولى من كتاب السمرقندي محفوظة بالمكتبة الوطنية في باريس، بعدما تركها لها أحد وزراء لويس الرابع عشر. ومعظم آثارنا في عناية المكتبات والجامعات والمتاحف الغربية. و«إن» العرب لم يتركوا العلوم فقط؛ بل لا يأبهون لحفظها.


أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في أخبار