GMT 0:05 2017 السبت 18 مارس GMT 3:55 2017 الأحد 19 مارس  :آخر تحديث

الاختلاف على الطريدة قبل صيدها!

الشرق الاوسط اللندنية

محمد الرميحي

محزن ما يحدث في مسلسل المفاوضات حول سوريا، واضح من سير الأحداث أن النظام السوري وحلفاءه الروس والإيرانيين يريدون أن يُجر الشعب السوري غصباً عنه إلى بيت الطاعة من خلال ممثلين له يعترف بهم العالم، وهو أمر جلي لا يحتاج إلى كثير ذكاء لاكتشافه في سياق الأحداث الجارية،

إنما الأكثر حزناً هو الجناح المعارض، الذي قسم نفسه إلى منصات، وقبل الممثلون للشعب أن ينازعهم في التمثيل منصتان؛ سميت إحداهما منصة القاهرة والثانية منصة موسكو. المنصة الأخيرة هي تابعة لدولة تقوم كل يوم، بل وكل ساعة، برجم الشعب السوري بالحمم وتنشر جنودها على أرض سوريا لقتل ما تيسر من السوريين وهدم منازلهم، فكيف يمكن أن تكون تلك المنصة (الروسية) محايدة أو ممثلة حتى لبعض الشعب السوري. الأكثر غرابة أن ممثلي تلك المنصة يظهرون في وسائل الإعلام وكأنهم غائبون عما يحدث من تدمير في وطنهم وتشتيت في مواطنيهم على أركان المعمورة الأربعة، بسبب ضلوعهم في المنصة إياها مع جلادين للشعب. أما منصة القاهرة فهي شيء آخر مختلف وأكثر حزناً، هي منصة لمن ليس له منصة! مع الاحترام للأشخاص، فلديهم أجندة غامضة، لا أجد لمنصتهم مبرراً على الإطلاق، إلا التسابق لتقسيم لحم الطريدة قبل أن تُصاد بالفعل. واضح لمن لهم علاقة بالمنصتين، أن النظام الذي يُظهرون أنهم يعارضونه، يقدمون له في نفس الوقت الذريعة للولوغ في دم مواطنيهم أكثر وأكثر وقتل الأطفال والنساء من المواطنين العزل، وفوق ذلك يقدمون له الأسباب التي تجعل من تقدم الحوار إلى نهاياته التي يرغبها الشعب السوري مستحيلة، لأنه ببساطة يقول إن (المعارضة بمنصاتها غير متفقة مع بعضها)! وعندما تتفق وقتها نتحدث في الموضوعات الأساسية وهي انتقال السلطة! طبعاً لن تتفق المعارضة بمنصاتها، لأن مفتاح الاتفاق لمنصة موسكو في موسكو بالضرورة، ومفتاح الاتفاق مع منصة القاهرة في ضمان عدد الكراسي الموعودة في نظرهم من أجل تقسيم التركة، إن حدث ومات النظام! وتتناسى منصتا موسكو والقاهرة أكثر من نصف مليون سوري مقتول ومفقود ومدناً بكاملها تحولت إلى خرائب! فهل يعقل أن يقرر أي من منصتي موسكو والقاهرة أن مصلحة بلادهم وشعبهم أكبر وأهم من مصالحهم الضيقة، هما لا أكثر من منصتي تصوير وتلميع للبعض وتحقيق أهداف للبعض الآخر. الحقيقة أن المعارضة السورية، ولا أعرف لماذا، قد حققت معجزة حتى الآن، وهي ألا يكون لها منصة في طهران! ذلك هو ما يمكن أن يكمل الملهاة ومعها منصات المعارضة الأخرى، حتى تكتمل دائرة العبث في انتظار غودو، كما تقول مسرحية صمويل بيكيت الساخرة (بانتظار شخص يغير حياتهم ولكنه لا يأتي)، ولن يصل، بسبب هذه الفرقة المرضية، رغم معرفة اللاعبين بالظروف التي تحيط بهم! في تاريخ الشعوب التي ناضلت ضد الاستعمار القديم والجديد معادلة أصبحت تدرس اليوم على نطاق واسع، وتقول تلك المعادلة، إن كانت جهتان تقودان النضال ضد المستعمر، فإن إحداهما إما خائنة أو عميلة، وهي قاعدة تنم إذا كان العدو واحداً، فالأولى أن يكون النضال موحداً!! الدرس واضح، ويمكن أن ينطبق على الوضع السوري، في الوقت الذي يقف فيه النظام وحلفاؤه في جبهة واحدة، تتعدد جبهات المعارضة، تحت شعارات مزيفة، هي لأي عاقل في تعددها تفتح الباب واسعاً لانتصار الجبهة الأخرى التي تعامل الشعب السوري لتحويله من الأنسنة إلى (الحيونة)، أي تعامله بأكثر صلفاً من التعامل مع الحيوانات الضارية! وإخراجه عن صيغته الحضارية والتاريخية إلى جماعات (إرهابية)! حتى قطعت عنه الخدمات الطبية والمياه واستخدمتها كسلاح لمذلته!! العمل الذي لم تقم به حتى النازية مع أعدائها!!
على مقلب آخر فإن المتحدثين باسم المعارضة التي يمكن أن تمثل الشعب السوري والمعترف بها رسمياً ودولياً، بعضهم ليسوا مؤهلين تماماً للحديث مع الرأي العام العالمي، فبعد محادثات جنيف الأخيرة، والعالم ينتظر ما سوف تقوله المعارضة، وجدت شخصياً، وأرجو ألا يؤخذ هذا الكلام على أساس شخصي، وجدت أن المتحدث لم يكن على سوية الحدث نفسه، من حيث استخدام العبارات أو إجادة لغة مكملة للغته، التي بالضرورة يحتاجها الشخص الذي يمثل المعارضة السورية في مسرح أحداث عالمي، ويقدم الأفكار وخريطة الطريق لسوريا القادمة، هذه الشخصية في تقديري يجب أن يختار لها حصيف مفوه، ليقدم للعالم الفارق النوعي عن صلف وتهافت الشخصيات الرسمية التي تمثل النظام، ويكون قادراً بأوضح العبارات أن يشرح للمتلقي العالمي طموحات المعارضة في قيام سوريا الجديدة بمواصفاتها المقبولة عالمياً، أي يعمل كرافعة وطنية للمشروع الوطني الحضاري المرجو. ما يربك أن من بين أعضاء المعارضة رجالاً ونساء لهم باع طويل في معرفة العلاقات الدولية واللغات الحية والفهم الحديث للدول وقادرين أن يغدوا تلك الرافعة. ما يعوق ذلك كله، أي وصول وتقديم أولئك الرجال أو النساء الأكفاء إلى الصدارة، هو في تقديري، ولا أجزم، أن هناك تبادل مصالح أو تكتيكات شخصانية وحلولاً وسطى في داخل صفوف المعارضة المعترف بها، تنتج عن تزاحم ما أو تطييب خواطر، أو حتى ديمقراطية شكلية، عطلت قدرة المعارضة الوطنية على فرز تلك القيادات التي يناط بها حمل عبء المرور في النفق الضيق والمليء بالعقبات، وفي النهاية يصل إلى قمة الهرم أشخاص هم حصيلة قوة وليسوا قوة، وشخوص متبدلة، لا يستطيع حتى المتابع أن يشكل صورة مستقرة لتلك القيادات، وبالتالي يفقد الشعب السوري أن تكون له قيادة معارضة واعية ومستقرة وعلى معرفة بالبيئة الدولية وتستخدم مفردات حديثة تصل إلى إقناع الرأي العام الدولي بمشروع الدولة القادمة وأهداف تلك الدولة، وهو يرغب في أن يرى شيئاً مختلفاً في الأداء وعبارات سياسية يفهمها وتمنيات لبناء دولة حديثة لها قواعد قانونية وتنموية، تعددية ومدنية، بعد كل ذلك التخريب الذي أحدثته تلك العصبة المتمترسة خلف شعارات فارغة ومصالح شخصية وعبث بأرواح الناس ومستقبلهم، القابعة اليوم في حكم دمشق.
أعتقد أن أجندة المعارضة السورية الوطنية (لا أقصد منصتي القاهرة وموسكو)، فهاتان خارج الحسابات الربح والخسارة، تملك القدرة على لم شتات بعضها، وتقدم مشروعاً وطنياً واضحاً، دون الانجرار وراء سراب المفاوضات التي تبعدها شيئاً فشيئاً عن الأهداف الأساسية التي يرغب الشعب السوري في تحقيقها، بعد كل هذا الخراب، ويجب ألا يرضخ من يمثل الأغلبية إلى فسح المجال لتعددية المنصات الشكلية أو اختيار المتحدثين والقيادات لترضية تلك المجموعة أو الأخرى. على النواة الصلبة للمعارضة أن تحدد شروطها الواضحة في إقامة دولة مدنية حديثة وديمقراطية للشعب السوري، وله فقط حق انتخابها، مع إصرار لا لبس فيه على مغادرة الأراضي السورية كل تلك الميليشيات والعسكر القادمين من خارج الحدود، على أن تتقدم شخصية وطنية جامعة يكون من أهم أخلاقياتها السياسية أنها شخصية تقود إلى التحرير ثم تترك مكانها لقرار الشعب السوري الحر.
آخر الكلام:
كل المتضررين من النظام السوري الحالي هم شركاء في مشروع الدولة السورية الجديدة، وهم سواد الشعب السوري، وواجب من يتصدى للقيادة التوافق على أسس الدولة المرجوة، لا التناحر قبل قيامها!. . . .


أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في أخبار