بول شاوول


في مقالاتنا السابقة عن الأحزاب، ومآلاتها، ومآزقها، وطرقها الوعرة، تناولنا بعض الظواهر التي أدت الى ذلك: خيانة النخب السياسية لمبادئها، يميناً ويساراً، وفوقيّتها الأرستقراطية الأوليغارشية على الناس، وإهمالها همومهم ومطالبهم ومصالحهم، وانخراطها في العولمة المتوحشة، ما أدى الى خلخلة في هياكلها، وفي علاقتها بالشعب، الذي كان اختياره الأسهل لمعاقبة هؤلاء، انحيازه الى الأحزاب الشعبوية، بقياداتها ومسؤوليها.

وكنا، وبطريقة عابرة أشرنا الى أن بعض هؤلاء النخب، لم يخونوا فقط أدوارهم (اليسارية والعلمائية واليمينية والما بين بين) بل تاريخهم، تاريخ الثورة الفرنسية، وانتفاضة 1845، وصولاً الى القانون الذي أقرّ عام 1905 بفصل الدين عن الدولة (في فرنسا) تحت شعار رائج «الدين لله والوطن للجميع»، ليصبح العكس اليوم الدين للوطن والجميع لله! مسيحياً، إسلامياً، يهودياً، (أروثوذكسياً، كاثوليكياً، بروتستانتياً وحتى هندوسياً). عودة الدين. عناوين تصدّرت الأبحاث والكتب والمجلات الأجنبية، فبعد مقولة نيتشه «موت الله»، ها هو الله، يُستعاد في زمن ما بعد سقوط جدار برلين، و«موت التاريخ» و«صراع الحضارات»، و«صراع الأديان»؟..

أفلست الأحزاب والدول والبرلمانات والحكومات والزعامات والنخب، الفلسفية والفكرية وحتى الأدبية... فلم يعد للناس (ولهؤلاء النخب) سوى الاستنجاد بالدين! الدين محلّ الأحزاب؟ محل الأيديولوجيات؟ محل السياسات؟ الإيمان محل الفعل؟ كل هذه الأسئلة باتت تُطرح بجدّية، لأن العامل الديني كأنّه دخل في كل المعادلات: من الهند (صراع الهندوس والمسلمين)، الى روسيا (استنهاض بوتين للأرثوذكسية كسند ومستند له)، وإيران شهرت الطائفية «إيديولوجياً» وألغت كلّ ما عداها، الى البروتستانتية عبر «الانجيليين»، و«حزب الشاي» في أميركا... وصولاً الى الكاثوليكية التي بدأت أعراضها تُطل في فرنسا، من دون أن ننسى الحركات الهامشية الكبيرة التي تسود الأجواء والساحات (القاعدة، داعش، النصرة...)، لا يمين ولا يسار، ولا وسط، ولا ليبرالية، ولا علمانية، ولا تعدديات، ولا مضامين: فهذه الأخيرة جاهزة لمن يقبلها في الكتب الدينية (المقدسة): فمن الشعب «كمقدس»، الى الكتل الدينية الديني كمقدس: راحت مقولة ماركس «الدين أفيون الشعوب»، «أدراج الرياح» لتحل محلها «النهضة التنويوية العقلانية أفيون الشعوب»؟!

وإذا كان القرن العشرون عصر الأحزاب والإيديولوجيات المادية التاريخية أو القومية، فالقرن الحادي والعشرون هو عصر «التجمعات»، والمجاميع، والتكتلات الطائفية والقبلية والمذهبية والعرقية، وما يستتبعها من سحر وخرافات، وخوارق وغيوب، ومعجزات، ونواهٍ، فحلّت القوانين السماوية محل القوانين الوضعية الأرضية، وحلّ الشيخ والمرشد والداعية محل المثقف العضوي؛ وحلّ التكفير محل التخوين، واللعنة محل التسامح؛ وحلّت الكُتل المغلقة حاملة الحقائق «الأبدية»، محل الأحزاب والتنظيمات. وحلّت المجتمعات المغلقة محل المجتمعات المفتوحة.

أولم تكن ممارسات بعض الجهات الشعبوية (لوبان، ميلانشون، فيون)، ساهمت في جعل «الآخر» (الفرنسي) عدواً بدلاً من أن يكون خصماً، وفي اعتبار المسلمين أشراراً وإرهابيين، واعتبار «النازحين» ظاهرة غزو للمجتمعات الغربية (فرنسا، المجر، أميركا، انكلترا)... أوليس هذا السلوك، القاطع، الفاصل، الجازم، المتقوقع سلوكاً يعود الى الحروب الدينية في الماضي: بين المسلمين (الشيعة - السنة)، بين البروتستانت والكاثوليك، بين الكاثوليك والأرثوذكس، وبين التوتسيين والهوتيين في رواندا؟ ها هو يُستعاد اليوم بطرق مختلفة إشاراتها، لكن مؤتلفة نتائجها: إعدام الآخر، والعقل، حتى القتل المعنوي والمادي. 

والمريب أنّ هذه الظواهر التي بدأت تترسّخ كطرق للعيش، وللسياسة، والتصادم، قد دخلت في دهاليز المفكرين والفلاسفة، والسياسيين، والمجاميع، والعمال، في الأرياف كما في المدن.

صدر في باريس قبل أسابيع عدة كتاب لافت في توقيته، «مُرحبٌ» به في توجهه للكاتب والباحث جان - لوك ماريون بعنوان «مديح قصير للكاثوليكية»، (عن دار غراسيه)، وكأنّه دعوة الى استنهاض الكاثوليكية في أوروبا وسواها باعتبارها «الحل» لكل الأزمات والارتباكات الفكرية والسياسية على غرار «الإسلام هو الحل» أو «اليهودية هي الحل»، أو «الأرثوذكسية هي الحل» (روسيا بوتين). ظواهر «جينية» أو الأحرى طائفية (أو مذهبية، أو قبليّة أو جغرافية)، مبهمة، غامضة، تحل محل إرث الثورات الفكرية والإيديولوجية بأحزابها ومنظماتها في القرون الماضية. هل طلعت هذه الظواهر من تلقائها، أم أنها ثمرة نهاية «العقل»، والمجتمعات المدنية، والسياسية؟

إنها الكاثوليكية أخيراً؛ كأنما تتوّج مسارات مهّدت لها الحروب العنصرية والإثنية في القرن العشرين؛ النازية الهتلرية، يهودية إسرائيل، شيعية إيران، مذابح التوتسي والهوتو (800 ألف قتيل في 3 أشهر)، البروتستانتية عبر «الانجيلية» و«حزب الشاي».

مديح الكاثوليكية

يقول مؤلف «مديح قصير للكاثوليكية»، «من قال إن فرنسا بلاد تخلّت عن مسيحيتها؟»، ثمّ مسجلاً «عودة الكاثوليك» الى المسرح العمومي للمسيحيين، وهم المهيّأون، بل أكثر المهيّئين لإصلاح مجتمع (فرنسي) يعاني حالة «انحطاط جامدة». ويتساءل «أين وفي أي بلد نجد حقاً إقامة الفصل بين الدين والدولة، وفي أي منطقة يحق من جهة تغيير الدين، أو اختيار ما نريد».

ويجيب «الفصل بين الدين والدولة لم يتم سوى في البلدان التي اعتنقت المسيحية بطريقة أو أخرى، أو التي اعتنقت المسيحية - اليهودية (نسي مقولة»شعب الله المختار«) (...) وفي هذه البلدان بالذات يمكن تحديد «اللاإيمان» موقفاً مقبولاً، ومتسامحاً».

ويطمئننا الكاتب «وإذا نسينا ذلك فالإسلام اليوم يُذكرنا (يعني قانون الردة عند الإسلام وعقابه القتل). ويوضح «فبالنسبة الى القرآن فالفصل بين السلطات الدينية والسياسية موضع شك وارتياب (وتكفير)؛ وهو مناهض لمؤمن أصيل وجدّي للحق الإلهي». إذاً، يعيّن الكاتب هنا الإسلام كعدو، وقيم مفاضلة بين الكاثوليكية وبين الإسلام.

كل هذه المقدمات (التي تتناسى محاكم التفتيش الكاثوليكية في القرون الوسطى، والمذابح التي وقعت بين الكاثوليك والبروتستانت في القرن السادس عشر)، المطمئنة يحدد كما يريد لا يجب الكلام على الكاثوليك وكأنهم يشكلون طبقة اجتماعية أو طائفة متجانسة، كأنما لا يحدّدون أنفسهم (الهويّة) سوى بهذا الالتزام الحصري، كأن يكونوا رهباناً، أو جنوداً متجانسين (أحادياً)، ومنمذجين، أو ثوريين محترفين، كما في الماضي، أو جهاديين متعصّبين كما اليوم!..... 

ويتوّج كلامه «الرعوي» و«الجهادي»، والنضالي: ولهذا تبدو اليوم احتمالية «اللحظة الكاثوليكية بامتياز». و«ندخل اللحظة الكاثوليكية»، لأننا نعيش لحظة صعبة، لحظة تظهر في المجتمع الفرنسي الذي نرى أنّه قابل للفناء (!) وأنه يمكن أن يتلاشى، ولا يمتلك وعود «الأبدية». ويتوسع الكاتب: «فالمسألة لا تتعلق بالهوية، لأن البحث المجنون عنها يدل على أننا نخشى فقدانها أو قد فقدناها.. أما بالنسبة الى الأمة (الفرنسية) فهي مسألة وحدة (أو ذوبان)؟ وهنا ينعى الجميع «من يستطيع في فرنسا اليوم أن يحقق هذه الوحدة؟، مَنْ بين الموجودين يتمتع بالخبرة والممارسة، لنفسه، أو للآخرين، لتحقيق هذه المعادلة؟» والجواب: «الكاثوليكية هي الحل»، «فعلينا أن نأمل في أنّ الكاثوليكيين هم الذين (دون سواهم!)، يتمتّعون بهذه التجربة»! ويضيف مبشراً «إنها مسؤولية قائد الكاثوليكية» (بابا روما)!

هذا الكتاب بمثابة بيان تمهيدي. لكن ما هو لافت فيه أنّه يسحب براهينه كذلك من الواقع السياسي نفسه فيقول: «تجمّعَ الكاثوليك حول المرشّح فيون، واستنجد ماكرون ولوبان بالكاثوليكية، وقام كلّ منهما بزيارة كاتدرائية!» هذا بيت القصيد! انخراط الكاثوليكية في الحياة السياسية الفرنسية نجدة لأبنائها الكاثوليك - المؤمنين (فيون فاسد، ولوبان فاسدة وشعبويّة). بمعنى آخر أنّ الكاثوليكية هي في النهاية تلبي متطلبات «المؤمنين» والفرنسيين، بعدما أفلست الأحزاب عن تحقيق هذه المهمة! وكأنما نسي أنّ ماكرون قصد الجزائر أيضاً لكسب تأييد المسلمين، وأنّ حتى لوبان غازلتهم. ونسي أنّ لوبان زارت روسيا مستنجدة بفساد بوتين (ملك الأرثوذكسية).

ريجيس دوبريه مؤمركاً

لكن إذا كان هذا المتديّن قد وضع كتاباً هزيلاً، فإن كتابه يوحي كواليسَ ومحاولات وتأهب لاختراق المذهبي وجود الأحزاب نفسها التي لم تعد قادرة على تلبية أحلام الفرنسيين الحالية، وارتباطاتهم التاريخية بالماضي، وبأصولهم، وبمسيحيّتهم. لكن ما هو جدير بالاهتمام أنّ هذه الظاهرة لم تعد وقفاً على «الملتزمين» أو «المؤمنين» بل الى عمق المفكرين البارزين، المعروفين بيساريّتهم السابقة، أو بعلمانيّتهم الراهنة، أو «الملحدين»: صفحات جديدة تؤرّخ عودتهم ليس الى الدين (الكاثوليكية) بل الى استعادة النعرات المذهبية، انطلاقاً من مواقعهم، بين الكاثوليك والبروتستانت، أو بين هؤلاء والمسلمين...

«المفكر»، و«الجهادي» «الغيفاري» و«الكاستروي» السابق ريجيس دوبريه «الثائر بلا حدود»، يصدر حديثاً كتاباً بعنوان «حضارة، كيف صرنا أميركيين؟» ويعرض فيه بشكل أبعد من السجالي، بل نضالي من رواسب انتماءاته الشبابية الشيوعية السوفياتية العداء الإيديولوجي للإمبريالية الأميركية (الموت لأميركا)، باعتبارها قَوَلبتْ فرنسا والعالم على صورتها (منزهاً النخبة الفرنسية وأحزابها عن مسؤولياتهم عما آلت إليه أوضاع فرنسا)؛ لكنه، في تعرضه «للعولمة» المؤمركة، والليبرالية المتوحشة، لا يوفر نقده الحضاري الشامل عن دور البروتستانتية، فها هو يهاجم الفيلسوف الفرنسي الكبير بول ريكور (اشتغل معه الرئيس ماكرون) باعتبار أنه نجح في أميركا وفقاً للشرط البروتستانتي «ليكتسب الإشعاع العالمي»، معتبراً «أنّ العامل البروتستانتي وهو الشرط الضروري» (وهنا يغمز من قناة ماكرون ليتّهمه بالركوع أمام روما (أي أميركا). ويمضي عميقاً في تحليله المذهبي عندما يقول «ولدت الحداثة في البلدان البروتستانتية ونحن نشهد حالياً انتصارها العالمي (!). فالولايات المتحدة بروتستانتية بتركيبتها، وقد اخترعت الإنجيلية، فهي نيو-بروتستانتية»، ليتوصل في تاريخيّته الى أن البروتستانتية الإنجيلية هي «ديانة رحّالة، وجوّالة من المهاجرين، وكانت بلجيكا محطتها... حاملة الدين في سيور أحذيتها... وتكفي التوراة لهؤلاء الرحالة، فلا حاجة الى الكاتدرائيات، أو الكهنة، أو الأحزاب، أو القوانين، فالإيمان وحده يُحسب، ويجب إزالة كل ما يشوّش علاقة الفرد بالله وحواره المباشر معه، أي إزالة كل الكيانات الوسيطة» كالكنيسة، واللاهوت، ورجال الدين... ويتوّج آراءَه «المذهبية» بالقول: «كلنا صرنا بروتستانت»!

هذه المقاربات لمفكر مثل دوبريه، ما كانت لتأخذ دلالات مذهبية لو لم يصرّح مراراً في أحاديثه الصحافية، بأن الخطأ الأكبر الذي ارتكب هو ضرب الحزب الشيوعي والكاثوليكية في فرنسا! إذاً ككاثوليكي يتكلم، وفي نبرته مشروع صراع ديني، يوحي بنبش الماضي... والمجازر... وكأنه، يلتقي مؤلف الكتاب في قولته «إنها لحظة الكاثوليكية كبديل»! وإذا أضفنا متابعات صحافية «عمقها كاثوليكي» (فيغارو)، ولعبة الهوية... فيعني العودة الى فرنسا «كاثوليكية»، بهويّة سياسية وإيديولوجية ومذهبيّة: أوليس هذا يعني «كثلكة» الحياة السياسية، بأحزابها، في مواجهة الإسلام، والبروتستانتينية!... فالأحزاب العلمانية، من جمهورية ويسارية، فشلت كلها بمحاربة الإسلام بالكاثوليكية، والبروتستانتيّة بالكاثوليكية، فلِمَ لا تكون الجمهورية السادسة كاثوليكية، باعتبار أن دوبريه اعتبر أنّ «الجمهورية الفرنسية الخامسة كلها لم تكن سوى جمهورية بروتستانتية»!...