GMT 0:05 2017 الجمعة 11 أغسطس GMT 0:36 2017 الجمعة 11 أغسطس  :آخر تحديث

كيم «العدو المفضل»

الحياة اللندنية

حسام عيتاني

ديكتاتور جديد من العالم الثالث يتقدم ليمد يد العون إلى رئيس أميركي محاصر. بعد العراقي صدام حسين والصربي سلوبودان ميلوسيفيتش والبنمي مانويل نورييغا وكثر غيرهم، يحتل الكوري الشمالي كيم جونغ أون مقعد «العدو المفضل» لواشنطن.

يسهل التصويب على كيم الحفيد، وارث تقاليد أسلافه الخالدين، من العائلة ذاتها أو من عائلات أخرى لا تقل خلوداً و «ثورية» في عزل بلادها وتجويع شعوبها للحفاظ على كرامتها واستقلالها. وتعج منطقتنا العربية بنماذج مماثلة، سابقة وحاضرة لنمط الحكم الآسيوي هذا، المستند إلى عصبية الطائفة والعائلة والمغطى بأيدويولوجيا تقدمية تكون في العادة قد فقدت أي قيمة لها باستثناء تبرير الحكم المطلق الاستبدادي.

تعطي التصريحات النارية، الأميركية والكورية الشمالية، والتهديدات المتبادلة العالية النبرة والسقف، بـ «النار والغضب» من جهة وبقصف القواعد الأميركية في المحيط الهادئ من الجهة المقابلة، الانطباع بأن المشهد ذاته قد مرّ على كل الشاشات مرات لا تحصى: إدارة أميركية تعاني عسراً شديداً في تدبر سياساتها الداخلية ومن فضائح يومية، تكتشف حاكماً يعيش، بدوره، أزمة شرعية وحالاً أشبه بالمجاعة وجنون العظمة في آن. لا هدية أثمن من هذه يمكن أن تتوقعها إدارة دونالد ترامب.

صحيح أن الصحف الأميركية نقلت عن مسؤولين في البيت الأبيض دعوتهم إلى عدم المبالغة في تفسير «نار وغضب» الرئيس وأن مواقف وتحركات أقطاب الإدارة تبدو متناقضة، إلا أن أي سياسي مهما كانت قدراته متواضعة سيلاحظ الفوائد الجمة التي سيجنيها ترامب من أزمة جديدة مع كيم جونغ أون: التعمية على التحقيقات في شأن الاتصالات مع روسيا. التخلص من إحراج الإقالات والاستقالات المتسارعة في المناصب الرئيسة في الإدارة. المشكلة مع مدير مكتب التحقيقات الفيديرالي الخ... وخصوصاً غياب أي استراتيجية للسياسة الخارجية حيال مناطق التوتر وتلك التي تعتبرها واشنطن حيوية لمصالحها.

زيادة على ذلك، تظهر المواجهة الحالية كصراع بين عالمين يختلفان في كل شيء. ليس الأمر من الصنف الذي كانت عليه الحرب الباردة بين الكتلة الاشتراكية والغرب، حيث كان يطمئن الرؤساء الأميركيون أن الزعماء السوفيات يتسمون بقدر من العقلانية والحرص على بلادهم ومواطنيهم ناهيك عن فهم السوفيات لأهمية السلاح الذري كورقة سياسية وليس كأداة دمار، وانتمائهم، بمعنى ما، إلى «الحداثة» ما يحول دون انزلاقهم إلى مغامرات نووية مدمرة.

من جهة ثانية، أظهر خصوم الولايات المتحدة مستويات مختلفة من الحذر ارتبطت أساساً بغريزة البقاء أكثر من الحسابات السياسية والاستراتيجية. بقاء النظام الحاكم وشبكة مصالحه وامتيازاته. هكذا رأينا كيف سلم معمر القذافي برنامجه النووي بعد الاحتلال الأميركي للعراق الذي قاده تهور صدام حسين الشخصي والسياسي إلى اجتياح الكويت لتكتشف فيه إدارة بوش الأب، ثم الابن، صيداً ثميناً وعدواً مفيداً. وهكذا سلّم بشار الأسد سلاحه الكيماوي بعد مجزرته في الغوطة التي تقترب ذكراها الرابعة، لينقذ رأسه ويبقى في الحكم بعدما قايض سلاحه الكيماوي بـ «الحق» في إبادة السوريين بوسائل أخرى.

ليست واضحة معالم الطريق التي ستسير عليها المواجهة الكورية الشمالية- الأميركية الحالية. الديبلوماسية ستسعى إلى تحويلها ربحاً للجانبين. بيد أن الاختلال الهائل في موازين القوى وفي أساليب إدارة القوى (وهذا، في زمن الشبكات والمعلومات، يفوق أهمية الوجود المادي للأسلحة والجنود)، سيعني أن نتيجة الصراع معروفة سلفاً. وقد يربح الممانعون العرب في آخره بطلاً جديداً تحدى الإمبريالية من إقطاعيته البائسة.


أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في أخبار