GMT 0:05 2017 الجمعة 11 أغسطس GMT 4:53 2017 الجمعة 11 أغسطس  :آخر تحديث

إرهابيون ديمقراطيون على الجزيرة

العرب اللندنية

ما ضخته الجزيرة من الأفلام والأخبار والتقارير والبرامج المبشرة بالعنف والمنحازة إلى منفـذيه هـو الأكبر مـن نوعه في تاريخ الإعلام المعاصر.

فاروق يوسف

ما الذي كانت قناة الجزيرة القطرية ترمي إليه من خلال بثها لخطابات أسامة بن لادن ومن بعده خلفه أيمن الظواهري؟ ألا يعني ذلك الفعل ترويجا للفكر المتطرف الذي تم تجسيده واقعيا من خلال الإرهاب؟

ازداد نجم الجزيرة سطوعا يومها بسبب ما اُعتبر سبقا إعلاميا. لقد لعبت القناة القطرية على سوء الفهم والالتباس واختلاف وجهات النظر، وجرَّتْ مشاهديها إلى موقع البلاهة الطوعية، الذي استطاعت من خلاله أن تمرر الكثير من الحقائق الزائفة. هي ذات الحقائق التي استند إليها منظرو ظاهرة “الإسلام السياسي” في سعيهم لتطبيع القسوة باعتبارها حلا منقذا للشعوب من ضلالتها، مستلهما من عقيدتها.

لم تجد الجزيرة وهي موقع إعلامي إخواني ما يمنعها من تبني خطاب القسوة طالما كان ذلك الخطاب يستلهم أدبيات جماعة الإخوان ومنطلقاتها النظرية التي عرفت بتحريضها على العنف.

لم تكن خطابات أسامة بن لادن تعبر عن وجهة نظر فكرية لتدخل في سياق الرأي والرأي الآخر، وهو الشعار المضلل الذي حملته الجزيرة لافتة لتواري انحيازها لنهج عملي يتم من خلاله تطويع المقولات الدينية قسرا في سياق حرب ظلامية كان المسلمون ضحيتها الوحيدة.

ولأن علاقة المشاهد بما يبث في القنوات الفضائية تتميز بالسلبية ذلك لأنها تستند على معادلة غير متكافئة، طرف فيها يُرسل وطرف آخر يستقبل، فقد صار الإرهابيون ضيوفا في بيوت بشر أبرياء لم يكن ذنبهم سوى الاستسلام السلبي، مثلما حدث في اللقاء الشهير الذي أجرته الجزيرة مع أبومحمد الجولاني، قائد جبهة النصرة.

لا أعتقد أن شخصا بغيضا يدعو إلى القتل ويمارسه، مثل الجولاني، يمكن أن يحظى بالتكريم إلا من قبل الجزيرة التي سعت بطريقة مخادعة مبرمجة إلى تحويله إلى بطل شعبي.

ما ضخته الجزيرة من الأفلام والأخبار والتقارير والبرامج المبشرة بالعنف والمنحازة إلى منفـذيه هـو الأكبر مـن نوعه في تاريخ الإعلام المعاصر. لقـد دست الجزيرة مفهوم العنف باعتباره الحل الوحيد الممكن لإصـلاح المجتمعات العربية بين المفاهيم التي تبنتها لإثبات طليعيتها وريادتها.


كان الربيع العربي بالنسبة للجزيرة مناسبة لبث أكبر كمية من السموم.

لقد خُيل للقناة الفضائية أن في إمكانها أن تشارك في صناعة الوقائع في عالم تسوده الفوضى. ذلك الوهم لم يكن بعيدا عن رغبة القناة المعلنة في صناعة الخبر. بمعنى اختلاقه وتلفيقه والعمل على إحلاله محل الخبر الواقعي.

ما فعلته الجزيرة أنها أحلت الوهم محل الحقيقة. صار ميدان رابعة أكبر من مصر، أما إنهاء حكم الإخوان فقد كان انقلابا على قيم الديمقراطية.

وإذا ما عرفنا أن ديمقراطيي الجزيرة هم إخوانيون، فإن كل ما كانت تبثه القناة من أخبار وحوارات وأفلام مصورة كان يصب في خدمة المسألة الإخوانية التي اعتبرتها قطر واحدة من أهم مرتكزات وجودها.

وإذا ما عرفنا أيضا أن رهان الجزيرة الإخواني هو رهان قطر في محاولتها فرض نفسها على المنطقة، من منطلق كونها المهيمنة على التنظيمات السرية التي انتقلت إلى مرحلة الكفاح المسلح، فإن قطر قد وظفت قناتها من أجل التبشير بتفوقها. كان المخطط أن تكون قطر فوق الجميع.

كانت الجزيرة صريحة في إخوانيتها حين خصصت برنامجا مفتوحا للإخواني المصري يوسف القرضاوي. القرضاوي، بفتاويه التي تدعو إلى تبني العنف وسيلة للحوار، لم يكن أفضل من أبومحمد الجولاني.

كانت اللعبة الدعائية محبكة، من خلالها يسلمنا القرضاوي إلى الجولاني. لا مجال للمقارنة بين الرجلين إلا من جهة من هو الأسوأ. ما فعلته الجزيرة أنها انتقلت بنا إلى مناطق الدعاية السيئة.

لقد صنعت تلك الدعاية أبطالا سيئين صاروا رموز عصرنا العربي بتأثير تلك الدعاية وضغوطها المباشرة وغير المباشرة. لم يكن هناك في حقيبة الجزيرة ما يُسر. وكان ذلك سر فشلها.

حفلة التعذيب التي بدأت بها قناة الجزيرة من خلال فتاوى القرضاوي، تحولت مع الوقت إلى حفلة للقتل على أيدي أتباع الجولاني.

لم يكن صعبا أن يكتشف الكثيرون أن رموز الديمقراطية هم في الوقت نفسه رموز الإرهاب. وهو ما كانت الجزيرة ترمي إليه.

كاتب عراقي


أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في أخبار