: آخر تحديث

الحرب وأزمة الحرية بعد سقوط النظام الاشتراكي

ثلاثة أعمال روائية متميزة من الأدب التشيكي صدرت حديثاً دفعة واحدة، وترجمها إلى العربية الدكتور خالد البلتاجي الذي يعد واحداً من أكثر مترجمي الأدب التشيكي على الساحة المصرية نشاطاً.

الرواية الأولى للأديب التشيكي المعروف إميل هاكل وهي «حدث بالفعل» عن دار «الكتب خان» بالقاهرة. وكانت قد صدرت بلغتها الأصلية عام 2013، واعتُبرت واحدة من أفضل الأعمال الروائية التي تناولت الحياة المعاصرة في بلده.

يسعى أبطال الرواية، حسب البلتاجي الذي يعمل أستاذاً للغة التشيكية بجامعة عين شمس، إلى «القبض على ناصية حياتهم ومصائرهم بأنفسهم. لكنهم بدلاً من القيام بأعمال حقيقية جادة يصبغون ذقونهم، ويرفضون تحمل أي مسؤوليات». يفكك هاكل، المولود في مارس (آذار) 1958 في العاصمة التشيكية براغ، حالة المجتمع التشيكي في الوقت الراهن. ويقوم بتشريح عالم الرجال، محاولاً كشف كل ما هو كامن خلف «صور النجاح والكلمات الجوفاء»، مستخدماً لغتهم السوقية، التي تكشف مستوى تفكيرهم العادي، وتضييعهم حيواتهم هباءً في ممارسة ألعاب حاسوبية غبية.

تدور رواية «حدث بالفعل»، التي حصلت عام 2014 على جائزة «مانجنيزيا ليتيرا»، وهي أكبر جائزة أدبية في جمهورية التشيك، حول ثلاث شخصيات، الأول أديب يتقدم به العمر ويرفض أن يمارس أي عمل يتحمل فيه بعض المسؤولية. والرجل الثاني يصبغ ذقنه كل يوم بلون مختلف، ليس في محاولة ليتميز عن غيره في شيء ما، بل لمجرد أن يثبت للناس أن «أفكاره ما زالت شابّة». أما الثالث فشاب غاضب دائماً، يشغله الخوف من الموت نتيجة تعاطيه المخدرات. وينتمي الثلاثة إلى جيل لم يتأثر كثيراً بالنظام الشمولي الذي انتهى وهم في مرحلة المراهقة. إنهم يرفضون أي التزام تجاه العالم والآخرين، صاحب العمل أو الزوجة أو الحبيبة أو الأبوين أو تجاه أنفسهم. القضية المحورية في الرواية هي أزمة الحرية وتأثيرها على الإنسان العادي، وتحديد القاعدة الأخلاقية التي تحكمه.

ويستخدم الراوي في «حدث بالفعل» تقنيات سردية مختلفة منها الكلام المباشر والمخاطبات البريدية، والحوار وكذلك المونولوج الداخلي، ضفّرها جميعاً بحكايات ومقتطفات من عدة كتب، وتصريحات وآراء لشخصيات يراها الأديب قريبة الصلة بالوضع في التشيك. وقد حاول من خلالها أن يستحث القارئ على ألا يجلس ويسبّ ويلعن الأوضاع، بل ينتفض ويفعل شيئاً من أجل تغيير الأوضاع.

أما الرواية الثانية «السوط الحي» الصادرة عن دار «صفصافة»، فهي لميلو أوربان (1904 - 1982)، وهي أكثر رواياته شهرة، فهي شهادة عن الحرب وأهوالها رغم أنها «لا تصفها بصورة مباشرة».

يقول عنها المترجم البلتاجي إن «كثيرين كتبوا عن الحروب، وبخاصة الحربين العالميتين. منهم على سبيل المثال إريك ماريا ريمارك في روايته (كل شيء هادئ على الجبهة الغربية)، أو هيمنغواي في واحد من أهم أعمال (وداعاً أيها السلاح)، وهما تعالجان موضوع الحرب من زوايا مختلفة، وكذلك يفعل أوربان في (السوط الحي). فرغم أن الرواية غارقة في الحرب وأهوالها وآثارها فإنها لا تعد رواية حربية بالمعنى التقليدي. وهذا يبدو من تركيزها الكبير على البعد الاجتماعي للحرب الذي غالباً ما يتجاهله الأدب».

تبدأ الرواية بعودة الجندي أوندري كورين إلى بلدته قادماً من جبهة القتال فاقداً إحدى ذراعيه، أخرس غير قادر على الكلام، وهنا تنعكس الحرب أمام أعيننا بكل أهوالها: مصائر تعسة لأناس رفضوا الحرب، ورفضوا أن تراق دماؤهم «من أجل أمور لا دخل لهم بها ولا تخصهم أسبابها».

وتتكون الرواية من جزأين؛ الأول بعنوان «الأيادي المفقودة»، والثاني «آدم هلافاي»، على اسم أحد أبطال الرواية الرئيسيين. في الجزء الأول نجد الشعب الفقير الخانع لسلطة الأقوياء. أما في الجزء الثاني من الرواية فنشهد ثورة هذا الشعب بفضل بطل الرواية آدم هلافاي العائد من الجبهة هرباً من مواصلة القتل والقتال. وقد ظل الروائي ميلو أوربان، رغم صعوبة موضوع الحرب وفياً لأسلوبه الشاعري في السرد. إنه يصف أهوال الحرب بلغة تعبيرية قوية تنمّ عن رفض وغضب وكراهية، مقدماً مجموعة مختلفة من الشخصيات التي مكّنته من خلق عمل إبداعي متميز.

وتأتي الرواية الثالثة بعنوان «عام اللؤلؤ» تأليف الكاتبة سوزانا برابتسوفا (1959 – 2015). وهي من مواليد براغ أيضاً، في أسرة تشتغل بالأدب، فالأب ناقد أدبي معروف والأم مترجمة ومحررة. مُنعت من الدراسة في الجامعة لأسباب سياسية إبان الحقبة الشيوعية، فعملت أمينة مكتبة، فلاحقها النظام ولم تستطع مواصلة عملها، حتى اضطرت إلى أن تقبل وظيفة عاملة نظافة في أحد المستشفيات. وقد نشرت برابتسوفا أعمالها، قبل الثورة عام 1989 التي أنهت النظام الشيوعي، في دور نشر سرية. ثم صدرت أولى رواياتها «بعيداً عن الشجرة – 1987» وكانت أول من حصل على جائزة «يرشي أورتل» الأدبية بها. واشتغلت بعد الثورة في وزارة الخارجية، ثم عملت في مجال النشر. حصلت روايتها التالية «بلد اللصوص – 1995» على اهتمام كبير من النقاد الأدبيين لكنها لم تلقَ قبولاً لدى القراء. وقد صدرت بلغتها الأصلية «عام اللؤلؤ – 2000»، وتعد من الروايات الأكثر مبيعاً في الجمهورية التشيكية في وقتها. بعدها توقفت برابتسوفا عن الكتابة إلى أن نشرت عام 2012 روايتها الثالثة «الأسقف» والتي صدرت نسختها العربية تحت عنوان «ديتوكس».

تعد رواية «عام اللؤلؤ»، التي نشرت ترجمتها دار «الكتب خان»، واحدة من أبرز الأعمال الأدبية التشيكية في الألفية الثالثة. إنها عبارة عن حكايات متعددة لشخصيات بائسة قادتهم أقدارهم إلى مصحة للأمراض النفسية، ومن بينهم بطلة الرواية «لوتسيا» التي نتعرف عليها منذ الصفحات الأولى، وهي تتعافى من علاقة مثلية استمرت لمدة عام سرعان ما تحولت إلى حالة مرضية تجاوزت حد المعقول. وبلغت حداً استعصى على لوتسيا نفسها فهمه.

ومن خلال ذلك، تطرح الرواية قضية البحث عن الهوية. ولم تعبر الكاتبة عن هذه الموضوع فقط من خلال الرؤية المشتتة والمشاهد الضبابية المتداخلة، وهو أمر شائع في الأدب التشيكي المعاصر، لكن أيضاً من خلال النظرة الخارجية إلى ما تشعر به لوتسيا، وبالمشاهد التي تتعرض لها ابنتها. تظهر في الرواية بعض المقاطع التي تختفي فيها لوتسيا كراوية بضمير المتحدث، ويكون الحكي فيها بضمير الغائب، كما يتناوب السرد أكثر من راوٍ في بعض الأجزاء. وبذلك، إلى أن تتناول الحدث من وجهة نظر أصوات مختلفة، تركت الحكم للقارئ.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد