: آخر تحديث

موسى وشلقم... من أجل خلق «حوار نشط»

 محمد الرميحي

 لديَّ قناعة بأن الموضوع الذي أتحدث فيه اليوم لن يعود إليه أحد. ربما هي جملة استفزازية، فقط من أجل إثارة الرغبة لدى البعض، بأن ينظروا إلى الفكرة التي أريد أن أطرحها، وربما يعودون إليها مساهمة في إغناء التفكير بصوت عالٍ، من أجل خلق «حوار نشط» في فضائنا الثقافي العربي، الهدف هو أن نعيد به تقليداً سارت عليه ثقافات أخرى، وأنتج كثيراً من الإيجابيات، وهو الحوار العلمي الندي فيما يكتب وينشر، من أجل الوصول إلى قناعات مشتركة. 


في هذا الشهر، وفي الأول منه، نشر السيد عمرو موسى في هذه الجريدة، مقالاً كان عنوانه «التلصيم»، وبعد أربعة أيام نشر عبد الرحمن شلقم، في الجريدة نفسها، مقالاً بعنوان «الوضع العربي... مراجعة المفاهيم» ما لفتني أن كلا الاثنين واحد، وإن تناولاه من زوايا مختلفة. إلا أن مناقشة ما يطرح من أفكار في ساحة الفكر العربي، افتقدت كثيراً وطويلاً، المناقشة الجادة، والأخذ والرد فيما يقال، وكأننا جميعا «جزر» (مع استثناءات قليلة) بها أفراد يصيحون في واد مهجور، كل يقول كلمته ويمشي. 


أحاول هنا أن أحيي فكرة كانت موجودة في الأدب العربي في سنوات ما قبل «الثورات»، هي تنشيط الحوار العلني في الشأن العام. وهي ظاهرة صحية ومطلوبة، أن يجري النقاش العام لما يطرح من أفكار، لغربلتها تأكيداً أو نفياً أو إضافة أو تعديلاً، ويتدخل فيه أكثر من حامل للفكر الجاد، من أجل تخصيب الفكر العربي المعاصر، خروجاً مما سماه الاثنان (عمرو وشلقم) الأزمة العربية. 
الكاتبان لا ينطلقان من فراغ، فقد خدما لمدة طويلة في كواليس العمل السياسي؛ الأول في أكبر ثقل بشري عربي ولسنوات، وهي مصر، ومن داخل المطبخ في درجات مختلفة، والثاني عمل في أكثر نظام عربي «مشاغبة وغرائبية»، ومن داخل المطبخ. إذن كلاهما يملك خبرة مباشرة، وأيضاً كلاهما وجد بعد كل تلك المسيرة، أن هناك أخطاء ارتكبت، تصل إلى مكان الخطايا، ووجب نقدها، والبحث عن بدائل. الرجلان يتفقان على «هشاشة الدولة العربية»، خاصة - في رأي شلقم - تلك التي رفعت شعارات الوحدة العربية، وانتهت بتجربة «الربيع العربي». عمرو موسى في «تلصيم»، المفردة التي عنون بها مقاله، وشرحها على المذهب الشعبي المصري، بأنها «يدوبك واقف على حيله»! يقصد أن النظام العربي الحالي «هش» أيضاً، ويحتاج إلى تقويم، وذكر اقتراحاته لتقويم ذلك النظام، الذي عدد نقاطها (وألخصها بسرعة دون الإقلال من النقاط الأخرى): عدم تكرار أخطاء الماضي، والإصلاح الاقتصادي، والمصالح المشتركة، والحرب على الفساد، والاشتباك مع النظام الإقليمي (تركيا، وإيران، وإسرائيل)، وأخيراً تآلف المذاهب (في الدين الإسلامي).


شلقم، قاعدة تفسيره لهذا الوضع العربي الهش، أنه نتيجة «غياب الثقة» بين الأنظمة العربية، ويعالجها بعدد من الاقتراحات (ألخصها دون الإقلال من النقاط الأخرى): ترسيخ حسن الجوار، وانسيابية التجارة، وتجاوز نهج تصدير الآيديولوجيا، والتخلص من الوهم الشعاراتي. ويضيف شلقم أهمية إقامة دولة وطنية مستقلة. يذهب لتفسير رأيه إلى تجربتين في أفريقيا؛ الأولى في السنغال والثانية في تنزانيا، تحت قيادة كل من سنجور ونيريري، وهو وجود «الأب الوطني الذي زرع بذور السلم الاجتماعي». ما زال السيد شلقم في هذه الإشارة، ربما دون قصد ظاهر، يعتقد في «المنقذ الفرد» الذي يمكن أن يأخذ شعبه إلى مكان أفضل. الفكرة من الناحية النظرية ربما صحيحة، ولكن لها شرط مهم وأساسي، أن يأتي ذلك الأب من رحم نضال شعبي طويل ومليء بالتجارب، لا من خلال انقلاب عسكري. تجربة العرب في «المنقذ الفرد» مخيبة للآمال، وهي مخاطرة العودة إليها قد تعيد «التجربة المرة» من جديد. 
السيد عمرو موسى، ربما بسبب عمله الطويل في «النظام العربي» أصبح هاجسه إنقاذ النظام بمكوناته، ربما فاته أن يشرح هيكلية بناء ذلك النظام، فهو تاريخياً بُني «من فوق»، أي من خلال رغبة بريطانية كما يعرف الجميع، وتوافق فوقي من القادة وقتها على أنه درجة من درجات «الزعامة التي يتوق إليها البعض وقتها». طبعاً جرت محاولات كثيرة لإصلاح النظام دون فائدة، وتلقى مقتله في رأيي عند اجتماع القاهرة في قمة 1990، وخاصة عند التصويت على «حرمة احتلال الكويت من النظام العراقي»، ذلك التصويت أنزل الستار عن المجاملات، كما مزق النصوص الوردية، التي كان بعضها يقول بحرمة اعتداء فقط (وليس احتلال) دولة عربية على أخرى! فما بالك بالموافقة على الاحتلال! بالمقارنة، فإن أي نظام إقليمي آخر عادة يبنى على مصالح الشعوب. الفكرة هنا التي تسارع إلى الذهن، الاتحاد الأوروبي، الذي بني على مصالح الناس، ولم يسمح بدخوله لأي دولة إلا «بمسطرة شروط»، على رأسها أن الدولة الوطنية طالبة الانضمام تكون قد اكتمل نضجها المؤسسي. وحتى هذه التجربة الإقليمية تتعرض بعض جدرانها إلى الهدم تحت ضغط الهجرة وصعود الشعبوية، فاختلفت المصالح وهُدد البناء. 


عبد الرحمن شلقم بعد تجربة مرة أخرى، يرى أن واجب بناء الدولة الوطنية العربية المستقلة، أساس من أجل القيام العربي، بجانب الشروط الأخرى. وكنت أرجو أن يكمل الصورة فيقول: «الدولة الوطنية المستقلة العادلة» و«العادلة» هنا أساس الاستقرار. وفي وضعنا العربي، أن تعترف الدولة بالمكونات الشعبية المختلفة، على أساس المواطنة المتساوية، وتحت قبة تجري تحتها المؤسسات الحديثة، التي من دونها لا يمكن أن يسمى تجمع بشري (دولة)، ترعى حقوق الإنسان، وسيادة القانون، النابع من الناس والعقلاني (يمكن أن يكون قانوناً نابعاً من الناس، ولكنه يمثل مصالح فئة واحدة من المجتمع). 
عمرو موسى وفكرة «الاشتباك مع النظام الإقليمي»، وهي فكرة قديمة لديه، تحدث عنها في قمة سرت، عام 2010، وهي قمة «الوداع» التي شهدت منطقتنا إزاحة أربعة من حاضريها! وإن كانت الفكرة (الاشتباك الإقليمي) نظرياً جذابة، فإن العرب ليسوا «جيران سويسرا»، فجيرة العرب لديها من المشكلات في تكوين الدولة وثقل «وهم الشعارات»، على حد تعبير شلقم، ما يمنع التعامل معها على أساس الندية، فبعضها يرغب في تصدير «نمط ثورته»، وآخر «نمط طريقته في الحكم»، والثالث في «استمرار احتلاله». فالاشتباك مع النظام الإقليمي، يفتقد حتى الآن الشروط الموضوعية عند «الآخر» لجعل نتيجته مربحة للأطراف الداخلة فيه. 
كتب شلقم يسأل عن المشروع العربي: هل نحن أمام «أمة عربية واحدة»، أم «مجالس تنسيق» مختلفة، أم أننا أمام «الإسلام هو الحل»، والأخيرة فكرة كونية. تلك التساؤلات التي طرحها شلقم ربما تطرح من كثيرين، المهم محاولة الإجابة عنها. 
وعندي أننا عرب يحكمنا التاريخ والمصالح، فإن صلحت دولتنا الوطنية المستقلة الحديثة العادلة، فإن ذلك سوف يؤدي تلقائياً إلى تقارب وربما اشتباك المصالح، ربما بسبب الرغبة التاريخية من جهة، وأيضاً بسبب الضغوط الخارجية الطامحة فينا من جهة أخرى. أما إذا استمر هذا الشجار غير العقلاني، في فرض نمط متصور وغير تاريخي على الناس، فهذا أيضاً تاريخياً ليس بجديد. ولعل دراسة ما حدث للعرب في الأندلس قد تسعفنا ببعض الأجوبة. 


ما فات عمرو موسى وعبد الرحمن شلقم الإشارة إليه، هو حجر الركن الأكبر فيما يرغبان في حدوثه، وهو دور التعليم، من حيث الكيف، لا الكم. لقد انتشر في فضائنا التعليمي العربي، وخاصة في جمهوريات الخوف، تعليم مسطح، مفاده أن «الإمبراطور لا يمشي عرياناً. أنتم أيها الشعب لا تستطيعون رؤية ملابسه». دون تعليم حديث ذي منهجية نقدية، سوف يستمر الاصطفاف وراء الجهل السياسي، وبعضه مغلف بغلاف ديني! فاقتراحات موسى - شلقم لن ترى حتى أول جسر الانتقال إلى الأفضل المأمول منهما!
آخر الكلام: حواراتنا في الموضوعات العامة أصبحت إما مغلقة بين جماعات «الواتساب»، أو «المتحزبين» ذوي البعد الواحد، يجري الحوار فيما بينهم، أو ينقطع الحوار مع آخرين بسبب التخوين والتكفير. انكمشت عندنا ساحة النقاش الحر العقلاني، ومخاطبة العقل قبل العاطفة!


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد