عادل يازجي 

ليس للسوري من خيار تجاه أزمة بلاده واستباحة دمه وحدود وطنه عسكرياً وجغرافياً وثقافياً وديموغرافياً سوى الركون إلى المساعي الدولية من جهة، والروسية الإقليمية من جهة أخرى، كل منهما لحل مختلف عن الآخر، سواء في جنيف أو آستانة أو سوتشي، وما من حلٍّ يغيّر هذا الواقع إن لم يُشرعنه.

ملامحه ليست معلنة ولا واضحة ذلك المقبل من موسكو إلى سوتشي، فيما التسريبات والتصريحات توحي بمسودّة مشروع لفتح نفق دستوري يمكن استثماره لفبركة حلٍّ انتقالي، يُفترض بالمسودة أنها سلكت طريقاً ماراتونياً من موسكو إلى أنقرة إلى طهران إلى دمشق فموسكو ومنها إلى سوتشي، لذلك ليس ضرورياً أن يقرأها المؤتمرون، فهم يثقون بنيات واضعيها، وقارئيها، وينتظر من المؤتمر أن يعتمدها خريطة طريق لمرحلة انتقالية ترضي الحلف الثلاثي والمجتمع الدولي، ثم (الشعب السوري) في الداخل والخارج. وسيكون المؤتمر وما يصدر عنه بالون اختبار لمدى جدية ردود الفعل العربية والدولية، لا سيما ما يصدر عن واشنطن حتى لحظة انعقاده، طبعاً إذا عُقد.

لايؤمل من هذه المؤتمرات بصيغها الحالية أن تأتي بحل سياسي، والحلف الثلاثي الروسي التركي الإيراني يعرف ذلك ويتقصَّدُه، ومن السذاجة أن نطمئن إلى رغبة هذا الحلف في إنجاز حل لمصلحة الشعب السوري، فخطر أي طرف منه على هذا الشعب لا يقل ولا يختلف عن الخطر الأميركي الذي يتحالفون ضده.

ويبدو أن هــــذا الحلف رباعي وليس ثلاثياً، فواشنطـــن عضو فيه من دون أن تشــــارك في اجتماعاته وقراراته، وكأنه حلف لضمان مصالح العضو الغائب الحاضر، المترفع عن المشاركة في المفاوضات والمؤتمرات، والحلف ثلاثياً كان أو رباعياً هو في وادٍ والشعب السوري في وادٍ آخر!

روسيا هي الوحيدة في حلفها الثلاثي تسعى بحنكتها السياسية إلى إعطاء مؤتمر سوتشي فاعلية داخل سورية وعلى المستوى الإقليمي، ربما لاستثمار نتائجه في الانتخابات الرئاسية الروسية، فهل يعرقل موقف واشنطن هذا الاستثمار أم يدعمه ردّاً للجميل؟

أمّا ستيفان دي ميستورا المبعوث الدولي الضائع في سراديب الأزمة وامتداداتها الإقليمية والدولية، فقد تحلّى بالليونة تجاه آستانة الثامنة وعدّل اتزانه وفق المعايير الروسية، فحضرها وبارك أهميتها إذا ساهمت في دعم مؤتمر جنيف. حتى مؤتمر سوتشي الذي لايطمئن لأهدافه وهو يقرأ نيات وزير الخارجية الروس سيرغي لافروف، قَبِل به على مضض إذا صبّت نتائجه في سلله التفاوضية التي أنهكته بتوضيب مقتنياتها وجمعها في سلة واحدة في مواجهة الحلف الثلاثي المعارض لها بقيادة ثعلب الديبلوماسية الروسية لافروف.

ويبدو أن اتّزان دي ميستورا حجب امتعاضه من دخول السياسة إلى منصة آستانة، إذ ترأس وفد المعارضة الميدانية فيها معارض سياسي ليس عسكرياً من الجيش الحر ولا من الفصائل المقاتلة، وهذا مؤشر إلى توسّع مريب في اختصاص آستانة باتجاه التفاوض السياسي، وتعدٍّ واضح على حصة مفاوضات جنيف من الأزمة السورية، ثم ماذا يتبقى لجنيف بعد مؤتمر سوتشي السياسي من ألفه إلى يائه؟ أغلب الظن أن دي ميستورا يعمل مع مستشاريه ومراجعه العليا على سد الثغرات التي تتسرب منها السياسة التفاوضية إلى غير المكان المخصص لها دولياً حرصاً على بقائها وبقائه تحت المعطف الأممي، ريثما تستقر واشنطن على موقف ثابت تلتقي فيه أو عليه الثنائية القطبية صاحبة القرار بمآل الأمور أولاً وأخيراً.

حالـياً تسعى موسكو بحلفها الثلاثي إلى إحالة ملفات التفاوض كلها على ســـــوتشي التي فتحت أبوابها لكل راغب في خـــوض غمار السياسة في المرحلة الانتقالية بلا شروط مسبقة ولو أدّى به ذلك إلى أحضان النظام الذي يتّسع صدره لكل معارضة ترغب في التعاون معه، ومن لايرغب ويقاطع فهذا شأنه، والأحضان كثيرة أينما حل أو ارتحل!

بين آستانة التاسعة وسوتشي سيملأ دي ميستورا الفراغ عبر إجراء جولة مفاوضات تاسعة في جنيف لتأكيــــد استمرارها، وربما توصّل سراً الى إقناع وفد الحكومة لا إرغامه على المــواجهة التفاوضية مع معارضيه حول طاولة جنيف، كي يخفف من شدة إبهار سوتشي، ويحقق ما عجز عنه في الجولة الثامنة وهو التفاوض المباشر، لا سيما أن مخرجات آستانة الأخيرة قفزت مباشرة إلى الحلف الثلاثي للتنفيذ من دون أن تعرّج كسابقاتها على جنيف.

الوقائع تؤكد أن التفاوض الجدّي لم يكن ولن يكون في المنصات والمؤتمرات، بل خارجها بين الأطراف الإقليمية والدولية، ونتائجه لا تدشَّن ولا يُقصّ شريط حريرِها إلا عندما ترحل الغيوم الداكنة من سماء العلاقة بين واشنطن وموسكو، لأن الأفق السياسي الملبّد بها لايسمح بأيّ تغيّر يطرأ على حالة اللاحرب واللاحل السائدة حالياً. ولافروف أكّد اكثر من مرة أن مؤتمر سوتشي سيساعد في إجراء تفاوض مباشر بين النظام السوري ومعارضيه في جنيف، والمعارضة تشكك في صدقيته وتؤكد مقاطعتها سوتشي الذي فتح أبوابه لجحافل الموالين والمعارضين على اختلاف درجاتهم في ممارسة «النضال» السياسي. أمّا الهيئة العليا للمفاوضات فتبدو «بمحض إرادتها» مستعدة لجنيف فقط، ولاترغب في سوتشي، والرغبات بطبيعتها تتبدل وتتغيّر وفق المغريات أو الضغوط، وكلاهما جائز وشرعي في السياسة وفي فن التفاوض من وراء الستار.

سوتشي قد يُعقد وقد يُؤجل، ولن يُلغى لرغبة أي طرف سوري أو غير سوري، فهو آت عاجلاً أم آجلاً، وحلوله ينام السوري ملء جفونه عن شواردها، لا فرق عنده بين استبداد يُستورد من موسكو أو طهران أو أنقرة او واشنطن، فالكل يستعد لتسريب ديموقراطيته الفريدة إلى الحياة السياسية السورية.