GMT 0:00 2018 الأحد 13 مايو GMT 5:07 2018 الأحد 13 مايو  :آخر تحديث

درس من المسعودي

الشرق الاوسط اللندنية

خالد القشطيني

قلما مرت المنطقة العربية في منازعات وانشقاقات، كما مرت في السنوات الأخيرة، وحتى هذه الساعة. تعطينا سوريا أسوأ مثال لما أقول. وهي حكاية تذكرني بما رواه المؤرخ الكبير أبو الحسن المسعودي في كتابه الشهير «مروج الذهب»، وذلك عن زيارة الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان للمدينة المنورة، وسعيه لمصالحة أهلها ودعم السلم في المنطقة.

قالوا إن الخليفة قدم للحج، وسعى لإعادة الصفاء بينه وبين المدينيين. كان عبد الملك قد وفد للحج بعد سنوات قليلة من واقعة الحرة التي قمع بها الأمويون ثورة المدينة ببطش شديد في عهد يزيد بن معاوية. وقف يخطب فيهم على هامش ذلك فقال: مثلنا ومثلكم أن أخوين في الجاهلية خرجا مسافرين فنزلا في ظل شجرة. فلما دنى الرواح خرجت إليهما حية تحمل ديناراً فألقته إليهما، فقالا إن هذا لمن كنز ثمين.
فأقاما عليها ثلاثة أيام، كل يوم تخرج إليهما ديناراً. ثم قال أحدهما لصاحبه: إلى متى نبقى ننتظر هذه الحية؟ هيا بنا نقتلها ونحفر هذا الكنز ونأخذه.
نهاه أخوه عن ذلك وقال له ما تدري. لعلك تعطبها فقط ولا تحصل على الكنز. فأبى عليه وأخذ فأساً، ورصد الحية حتى خرجت فضربها ضربة جرحت رأسها ولم تقتلها. فثارت الحية عليه وقتلته ثم رجعت إلى جحرها.
فقام الآخر ودفن أخاه القتيل. وأقام في مكانه حتى خرجت الحية معصوباً رأسها وليس في يدها شيء. فقال لها: يا هذه إني والله ما رضيت ما أصابك. ولقد نهيت أخي عن ذلك. فهل لك أن نجعل الله بيننا ألا تضريني ولا أضرك وترجعين إلى ما كنت عليه؟
فقالت الحية: لا. قال ولم ذلك؟ فقالت إني لأعلم أن نفسك لا تطيب لي أبداً وأنت ترى قبر أخيك، ونفسي لا تطيب لك أبداً وأنا أذكر هذه الشجة في رأسي.
وبعد أن انتهى الخليفة من الحكاية، واصل كلامه فقال للحاضرين «وليكم عثمان كان سهلاً كريما معكم فغدرتم وقتلتموه. وبعثنا عليكم مسلماً يوم الحرة فقتل منكم من قتل... (إلى آخر ما قال).
هذه الحكاية القديمة صدقت بالنسبة لعبد الملك بن مروان. وأراها أكثر صدقاً وموعظة، وأنا أذكر ما جرى وما يجري في سوريا. الموالون للنظام لن ينسوا عزيمة الثوار على الإطاحة بالأسد، وما فعلوه بأعوانه في حلب. والثوار لا يمكن أن ينسوا ما فعلته حكومة الأسد بضرب السكان، نساءً وأطفالاً وشيوخاً بالغازات السامة. ومن هنا هذا الانسداد في الموقف. وهذا الانسداد نرى أمثاله في الكثير من الساحات العربية، والكل يجري وراء حق، ويتصيد الدنانير، وينشد الثأر في ظل ذاكرة لا تنسى.


أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في أخبار