خالد الطراح 

لا شك في أن من يجلس في صفوف كراسي الحكومة يجذب انتباهاً اعلامياً أكثر ممن يمارس تخصصه الاكاديمي والمهني بعيداً عن بيئة عمل الحكومة، وهي ظاهرة أخذت في التوسع والانتشار كثيراً في السنوات الماضية.
فعلى سبيل المثال، نجد ان هناك اكاديميين بمرتبة مدرس او استاذ مساعد في جامعة الكويت او هيئة التعليم التطبيقي، يتحفز البعض للعمل مع الجهات الوزارية والجلوس على كرسي المنصب الحكومي وتحمل ما يأتيه من صفعات موجعة مقابل البقاء على كرسي الحكومة، فالعمل ضمن الفريق الحكومي له بريق ساحر بسبب الهالة الوظيفية والتقرب من دوائر كبار المسؤولين وربما وقوع الاختيار عليهم في ما بعد حتى يصبحوا وزراء او وكلاء وزارات، بينما الحوافز المادية وبيئة العمل الاكاديمي، وان كانت تحدياتها مختلفة، تظل افضل بكثير من الجلوس على كرسي الحكومة.


هناك شخصيات اكاديمية انتدبت للعمل ورضيت بالتنازل مقابل المساهمة بالإصلاح في مجال تخصصها، لكن سرعان ما حسمت امرها وعادت الى مقاعدها الاصلية والجلوس بين الطلبة حين وجدت نفسها كمن يحفر بالصخر، فيما استمر البعض الآخر بالتنازل عن قناعاته مقابل بريق كرسي الحكومة ومغرياته والمراهنة على الفوز يوما بتبني ذوي النفوذ لهم حتى تتفتح لهم دروب مقفلة لا تتوافر في اوساط اخرى!
هناك طبعا من سعى ويسعى الى كرسي الحكومة، وهناك من استهدفتهم شباك الحكومة، خصوصا حين يكون البعض من الاكاديميين من جذب انتباها اعلاميا وسياسيا في طرحه السياسي وفي تحليل الشأن المحلي، فالحكومة حينها تبحث عن وسيلة في اخماد الحريق السياسي من خلال عروض سخية ومغرية!
في مطلع السبعينات كان عدد حملة الدكتوراه تحديدا قليلا جدا بالمقارنة مع اليوم، وكان ربما اغلبهم ان لم يكن معظمهم من جاء حاملا فكرا مستنيرا وإصلاحيا كان له صدى سياسي مؤثر في دوائر القرار الى درجة تحوله الى صداع سياسي نتيجة غليان الساحة السياسية اقليميا ومحليا بملفات مختلفة من قضايا قومية عربية وتحديات محلية، كالصدام السياسي بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، وهي مرحلة شبيهة الى حد كبير مع ما شهدته مرحلة الستينات بعد استقلال الكويت وأثناء المجلس التأسيسي في 1962 وبعده ايضا.
خلال حقبة السبعينات هناك شخصيات اكاديمية كان لها دور مؤرق في الساحة السياسية حتى باتت مصدرا لانزعاج الحكومة، مما حفز البعض آنذاك إلى التفكير في كيفية نصب فخاخ، ان جاز التعبير، لبعض المناضلين من وجهة نظر الحكومة طبعا، وفعلا تمكنت وقتها الحكومة من اصطياد البعض، فيما صمد آخرون والى اليوم ولم تتغير مبادئهم ورؤاهم.
اتذكر، من دون تسمية، بعض هذه الشخصيات من كانت لهم قاعدة طلابية وجماهيرية وكانوا ممن يترددون على ابواب مجلة الطليعة التي كانت تمثل تيارا وطنيا صلبا ونافذة سياسية لآراء ومواقف مؤرقة للحكومة، لكن وقع البعض منهم في غفلة من الزمن في الفخ الحكومي من بوابة الثقافة والإعلام وارتموا بإرادتهم في احضان حنونة حتى تغيرت المواقف وتحولوا من معارضة الى موالين، بل مدافعين عن قرارات وسياسات الحكومة!
هدفي من هذا العرض الموجز تسليط الضوء على عدم الاستغراب مما نشهد اليوم من مزايدات ومقايضة على حساب الوطن، فذاكرة التاريخ والشعب حاضرة ولا ترحم، حتى لو كانت رياح النسيان عاتية!