GMT 11:00 2016 الأربعاء 14 ديسمبر GMT 10:11 2016 السبت 17 ديسمبر  :آخر تحديث

روسـيا الفاشـية

فـؤاد النمري

1                                      

ثمة مبدأ قويم في علم السياسة استقام عبر منعرجات القرن العشرين مفاده أن قوى الإنتاج المتطورة عندما يمتنع عليها التطور الطبيعي لأسباب معاكسة طارئة أم خارجية فالقوى الحية في المجتمع بدل أن تتراجع وتموت تلجأ إلى إنتاج ما لا يشكل فائض إنتاج يستوجب التصدير او المبادلة حلياً بالنقود وهو هنا السلاح تحديداً فتلك هي الفاشية بعينها .

كانت إيطاليا على وشك العبور إلى الاشتراكية في العام 1922وحال منعها من الإنتقال إلى الإشتراكية بتخطيط من المخابرات الانجليزية واحتلال روما من قبل كتائب الفاشيينبقيادة بنيتو موسوليني وتعاون ملك ايطاليا عمانؤيل المتعاون مع المخابرات الإنجليزية لم يكن أمام القوى الحية من مفر سوىالتحول إلى الفاشية . ولما منعت الامبريالية الأنجلو فرنسية ألمانيا من التطور على الطريق الرأسمالية بموجب شروط معاهدة فرساي 1919 وبتعاون من الحزب الاشتراكي الألماني موئل الخيانة انحرفت ألمانيا إلى النازية في العام 1933 . وقد نضيف هنا أن تجريد اسبانيا والبرتغال من مستعمراتهما إنعكس ذلك في فاشية فرانكو في اسبانيا وسالازار في البرتغال بعكس هولندا وبلجيكا اللتين احتفظتا بسياستهما الاملريالية حتى فيما بعد الحرب العالمية الثانية ولذلك ظلتا على عهدهما بالديموقراطية البورجوازية بعيداً عن الفاشية. 

في روسيا الاشتراكية، وهي هنا موضوع بحثنا، كان الحزب الشيوعي السوفياتي في مؤتمره العام التاسع عشر في نوفمبر 1952 قد أقر خطة خماسية طموحة كان من شأنها أن تضاعف قوى الإنتاج في العام 1956 ، غير أن جنرالات الجيش وقد انتقل إليهم دست الحكم بعد رحيل ستالين أملوا على الحزب الشيوعي في سبتمبر 1953 إلغاء الخطة الخمسية وتحويل الأموال المخصصة لها لإنتاج الأسلحة وامتنع بذلك تطور قوى الإنتاج على طريق الاشتراكية، وكان ذلك البذرة الأولى للفاشية في روسيا السوفياتية، وما زالت روسيا حتى اليوم تنفق معظم عوائد إنتاجها على صناعة الأسلحة وتطويرها لا لشيء إلا للحؤول دون تنمبة وتطور قوى الإنتاج في الاتحاد السوفياتيوليس كما كان يشيع الجنرالات الروس الفاشيون من أنهم في غمرة سباق التسلح مع الولايات المتحدة فمهما قيل من عيوب الرأسمالية إلا أن حمى التسلح ليس من عيوبها حيث أن السلاح ليس من البضاعة .

ثمة من يقول أن روسيا تحولت إلى الرأسمالية وهو قول ينم عن جهل في موضوع الصراع الطبقي الذي جوهره مبادلة المنتوجات حيث تبادل طبقة العمال منتوجها وهو قوى العمل مع الرأسماليين وتبادل طبقة البورجوازية الوضيعة منتوجها وهو الخدمات مع الرأسماليين أساساُ ومع العمال من بعد . ولذلك يجري الصراع بين هذه الطبقات الثلاث لتقرير نصيب كل طبقة من الكعكة الوطنية .

في حال غلبة الطبقة الرأسمالية على الطبقتين الأخريين تتم المبادلة على الطريق الرأسمالية ؛ وفي حال غلبة البروليتاريا فالمبادلة بين العمال والبورجوازية الوضيعة تتم على الطريق الاشتراكية أما في حال غلبة البورجوازية الوضيعة على الطبقتين الأخريين وهو استثناء لم يحدث في التاريخ إلا في النصف الثاني من القرن العشرين ولأسباب خاصة جداً يضيق المكان لشرحها، البورجوازية الوضيعة التي لا تنتج من أسباب العيش سبباً واحداً فلن يكون أمامها من خيار آخر غير تبني سياسة الفاشية التي جوهرها نهب الشعوب الأخرى بقوة السلاح وغياب أي قاعدة لمبادلة المنتوجات حيث لا تنتج البورجوازية الوضيعة شيئاً ذا قيمة تبادلية .

بذور الفاشية الروسية بدأت بالنمو في العام 1953 عندما أملى العسكر، وهم الشريحة المتقدمة من طبقة البورجوازية الوضيعة السوفياتية العريضة، أملوا على الحزب الشيوعي السوفياتي إلغاء خطته التنموية الخماسية من أجل تحويل الأموال الهائلة المخصصة أصلاً لانتاج أسباب رفاه الشعوب السوفياتية إلى الصناعات العسكرية التي لم يكن الاتحاد السوفياتي بحاجة إليها ومن المعروف أن أسّ الفاشية هو إنتاج الأسلحة .

بدأت الأوليغاركيا الروسية لاستنفاذ مخزونات النظام الاشتراكي الهائلة ووصل الأمر بها إلى أن تطلق 240 قمراً في الفضاء بينما هناك في المدن السوفياتية 240 طابوراً طويلاً للمواطنينلشراء حبات من البطاطا أو قطعة من اللحم . في الستينيات تنبأ خروشتشوف بأن سروال الاتحاد السوفياتي سيسقطقريباً وينكشف عيبه . إنكشف عيبه حتى قبل وصول غورباتشوف للسلطة فاضطر رجال الجيش في الحزب إلى الكشف عن وجوههم الفاشية بقيادة بوريس يلتسن الذي أعلن الاتحاد السوفياتي بلداً مفتوحاً للنهب فحام كل شذاذ الآفاق في العالم حول نهب ثروات الاتحاد السوفياتي الهائلة . ووصل الأمر بأولغاركية البورجوازية الوضيعة أن تأخذ مساعدات من الولايات المتحدة لقاء تدمير الأسلحة المكومة في مخازن وزارة الدفاع ولم تستعمل على الإطلاق والتي كلفت الشعوب السوفياتية ترليونات الدولارات وكانت البديل لرفاهها .

 

لسوء حظ البورجوازية الوضيعة السوفياتية أن الأوضاع الدولية اليوم لا تشبة تلك التي كانت سائدة في ثلاثينيات القرن الماضي قبل أن يسحق الاتحاد السيوفياتي النازية والفاشية في القارة الأوروبية وقبل ثورة التحرر الوطني العالمية وقد نجحت في تحرير جميع المستعمرات والبلدان التابعة وفك روابطها بمراكز الرأسمالية العالمية . كانت النازية الهتلرية والفاشية الموسلينية تنهب شعوب العالم بقوة السلاح لإطعام شعوبها وليس لمراكمة الأموال , تلك كانت اشتراكية هتلر الذي كان يفاخر بمعارضته للنظام الرأسمالي .  

السلطات في الجمهوريات السوفياتية الأربعة عشر الأخرىالتي كانت تقبل الإنضواء لدولة دكتاتورية البروليتاريا أو إلى دولة تتشبه بها، لم تكن لتقبل بسيادة روسية فاشية فكان انفصالها وإعلانها الاستقلال ضمن ما سمي باتحاد الجمهوريات المستقلة (Common Wealth) . روسيا الاشتراكية كونها الأكثر تطوراً كانت تمد الجمهوريات السوفياتية الأخرى بالمساعدات لكن روسيا الفاشية وبعد أن تراجع إنتاجها المدني لدرجة خطيرة ولما لم تعد تكفِي عوائد تصدير المواد الخام كالنفط والغاز والفولاذ - وهو الدلالة على نفي النظام الرأسمالي ويكذب الإدعاء حول روسيا الرأسمالية أو الإمبريالية - أخذت الفاشية تكشف عن وجهها البشع عبر اقتطاع أبخازيا من جيورجيا وشبة جزيرة القرم من أوكرانيا وشرق أوكرانيا نفسها .

لئن كان مقبولاً على قدماء البلاشفة استعادة شيئاً من جورجيا وأوكرانيا حيث أن ذينك البلدين لم يتواجدا كدولتين مستقلتين منذ ظهور الدولة القومية الحديثة قبل ثلاثة قرون حيث كانا جزءاً من الإمبراطورية القيصرية الروسية ولينين فقط هو من منحهما الحق بالاستقلال، خاصة وأن شبه جزيرة القرم هي أصلاً من روسيا ولم تكن جزءاً من أوكرانيا إلا منذ رئاسة الأوكراني خروشتشوف، أما وجه الفاشية الروسية القبيح في سوريا لا مثيل له لا في النازية الهتلرية أو الفاشية في اليابان وإيطاليا . الفاشيون الروس بيبدون المدنيين السوريين يالجملة بالطائرات والصواريخ لبث الرعب في الشعب السوري وفي المقاتلين من أجل الحرية وهو الأمر الذي يستحضر دون إذن الطيارين السوفييت في الحوب العالمية يشاركون الحلفاء في تدمير مدينة درسدن حبث تتم صناعة معظم أسلحة ألمانيا النازية ومعهم أوامر صارمة من ستالين شخصياً تحذرهم من قصف أبة أهداف مدنية تحت طائلة المسؤولية رغ كل الجرائم الفظيعة التي قارفها النازيون في روسيا . لقد عبر ذلك عن القيم العليا الرفيعة للروس السوفياتيين وهو ما مكن ستالين في مؤتمر بوتسدام في يوليو 1945 أن ينهر تشيرتشل بالقول .. "أنا أعرف بأنك لم تأتِ إلى هنا إلا لتأخذ نصيبك من غنائم الحرب أما أنا فما أتيت إلا لأدافع عن حقوق شعب ألمانيا الديموقراطية" . إلى تلك الحدود العليا وصل شرف روسيا مقابل الدرك الأسفل من العار الذي تستجلبه الأوليغاركيا الروسية الفاشية إلى شعوب روسيا بقيامها بتدمير سوريا شعباً وعمراناً . كل العالم أدان حرائم الأوليغاركيا الروسية الفاشية ووصمها كجرائم حرب دون أن يردعها ذلك قيد شعرة . كنت أعلم جيداً لدى بداية إنتفاضة الشعب السوري في مارس 2011 أن روسيا لن تسمح بسقوط الأسد وهي التي كانت على مسافة عدة دقائق فقط من دخول حرب عالمية ثالثة قد تكون نووية في أكتوبر 1973 دفاعاً عن نظام الأسد حين وصل جيش اسرائيل إلى حواف دمشق حيث كانت مخابراتها الفاشية (الكي جي بي) بقيادة يوري أندروبوف جاءت ببومدين في الجزائر في العام 1965 وبحافظ الأسد في سوريا في العام 1970 بهدف الحؤول دون تقدم البلدين نحو الاشتراكية كما كانا قد أعلنا ؛ كنت أعلم عن ذلك وكنت أكدت هذا الأمر لجلسائي حتى في العام 2011، لكنني لم أكن أعلم أن حمّى الفاشية قد أعمت بصائر الأوليغاركيا الروسية إلى هذا الحد الذي يجعلهم يبيدون الحجر والشجر والبشر في سوريا دون أن برف لهم جفن . عرفنا من أعدى أعداء الشيوعية الجنرال دوغلاس مكارثر والسناتور جوزف مكارثي ووزير الخارجية جون فوستر دالاس والرئيس لندون جونسون لكننا لم نعرف عنهم جرائم وحشية مثل التي يقترفها الفاشيون الروس في سوريا . مذبحة واحدة اقترفها الجنود الأميركان في قرية (مايلي) الفيتنامية كالتي يقترفها الفاشيون الروس كل يوم في سوريا استجرت صيحات التنديد والإدانة في الولايات المتحدة نفسها واقتضت محاكمات لها أول وليس لها آخر . 

الأوليغاركيا الفاشية الروسية استجلبت العار للشعب الروسي الذي كان لينين قد وصفه بأنه أكثر الشعوب ثورية وإخلاصاً لتقدم البشرية وقد أثبت ذلك من خلال قيادته للثورة الاشتراكية العالمية التي ما زالت جذورها حية عميقاً في الأرض . اليوم لدهشتنا جميعاً لم يعارض الشعب الروسي السياسات الفاشية التي تقترفها الأوليغاركيا الروسية في سوريا بل إن اليسار المزعوم أشد تأييداً لها من اليمين، والعلة في ذلك هي الإدعاء الكاذب في أن الأوليغاركيا الروسية إنما تناهض المخططات الأميركية في سوريا والمعارضة السورية غير الراشدة تساعدها للأسف في ذلك خاصة وأن الشعب الروسي يكن كراهية شديدة للولايات المتحدة ظناً منه أنها كانت وراء انهيار الاتحاد السوفياتي وهو الدولة الأعظم التي امتلكها الروس .

 

الشعب السوري لن بعود لما كان عليه الحال قبل إنتفاضة مارس آذار 2011 مهما توحشت الفاشية الروسية والإيرانية وفاشية القبائل الشيعية في الهلال الشيعي .

 

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                     

أية اعادة نشر من دون ذكر المصدر ايلاف تسبب ملاحقه قانونيه

أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في أخبار