GMT 7:47 2017 الجمعة 13 يناير GMT 17:17 2017 الجمعة 13 يناير  :آخر تحديث
قراءة في ملامح المرحلة المقبلة

ترامب بين ميراث أوباما وإختبار الوفاء بالوعود

مروة كريدية

ثقيلة هي الملفات التي خلّفتها فترة الرئيس الأميركي المنتهية ولايته باراك أوباما، ومع إنتهاء يوم العشرين من يناير تُسدل الستارة عن حقبة يمكن وصفها بالأضعف في تاريخ دولة لها الدور الأبرزعلى مستوى العالم . 

وفيما تتوجه أنظار محللي وسياسيي الشرق الأوسط نحو مشاريع ووعود دونالد ترامب تجاه منطقة الشرق الأوسط والإستراتيجية التي سينتهجها والقرارات التي سيتخذها، فإن الداخل الأميركي لا يبدو مهتمًا بسياسية بلاده الخارجية بقدر إهتمامه بالأزمات الداخلية والرؤى المتعلقة برفاهية العيش كجودة التعليم والتأمين الصحي والضمان الاجتماعي، كما انه لا يرغب في خوض مزيد من الحروب يرسل "أبنائه" إليها، وهو مشغول قبل كل شيئ بهمومه الاقتصادية التي وعد الرئيس المنتخب بإنهائها على طريقته وذلك عبرحرب تجارية ضد كل منافسي أميركا، وضدالاتفاقيات التجارية الدولية، ومن خلال الاستثمارات الهائلةفي مشاريع تجديد البنية التحتية. 

وعند متابعة تصريحات ترامب التي أعقبت فوزه الانتخابيوخلال الفترة التي تسبق مراسم التنصيب، نجد انه تراجع عن حدّة خطاباته وبعضا من وعوده "المبالغ فيها " ؛ فقد خفف من هجومه على المؤسسة الأميركية، معلنا اسماءشخصيات قيادية في إدارته ممن ينتمون إلى مؤسسةالحكم التقليدية؛ كما تراجع عن ترحيل احدى عشر مليون مهاجر غير شرعي، وبدأ يتحدث عن أولئك الذين يوجد لهمسجل إجرامي فقط ؛ اضافة الى انه أعلن عن رغبته فيالعمل من أجل وضع نهاية لما أسماه "الصراع المجنون" في سوريا ، و لمّح الى ضرورة بلورة تسوية للمسألة الفلسطينية .

إذن فقد بدأت تتبلور الحدود المفروضة على موقع رئيسالولايات المتحدة؛ إذ لا يمكن تنفيذ كل الوعود والتهديدات التي أطلقها الرئيس خلال حملته الانتخابية ، وباختصار فليس كل ما وعد بفعله يمكن أن يتحول إلى تشريعات،وليس كل ما أدانه يمكن منعه فعليا . كما انه لن يستطيع تغيير بنية النظام السياسي داخليا  او تحييد دور الولايات المتحدة عبر العزلة خارجياً.

ويمكن القول عند الاطلاع على توجهات الشخصيات التيسماها ترامب لادارته  انهم ليسوا من "المحافظين الجدد " الذين شكلوا ادارة جورج بوش الإبن في السابق ، فهمليسوا من الدعاة الأيديولوجيين لنشر القوة العسكريةالأميركية حول العالم؛ بل هم "محافظون تقليديون "؛ ومنالجلي أن أغلب الأساسيين منهم بمن فيهم مايكل بنسنائب الرئيس المنتخب ينتمون إلى المؤسسة السياسيةالأميركية، التي وعد ترامب الناخبين بأنه سيحرِّر إدارته منسيطرتها، وسيفرض بالتالي عليها وعلى واشنطن طريقةعمل غير معهودة .

وعلى الرغم من ضبابية المشهد فإنه يمكن استشراف بعض ملامح المرحلة القادمة لا سيما ان معظم توجهات  شخصيات  هذه الادارة محافظة ومتشددة في مجاليالأمن والدفاع. ولأن مفهوم "المحافظة" في السياقالأميركي يحمل مدلولات معينة تختلف عن مدلولاتها فيالسياق السياسي الأوروبي، فإنه يمكن قراءة بعض هذه الملامح على الشكل الآتي :  

من الناحية الاقتصادية فإن تلك الادارة ستركز على زيادةالإنفاق الحكومي على البنية التحتية، حتى لو أدَّى ذلك إلىتصاعد معدلات التضخم او الاقتراض أو اللجوء إلىالتحفيز الكَمِّي عبر طباعة مزيد من العملة الورقية . 

من الناحية الثقافية والاجتماعية فمن المتوقع ضبط الهجرة الى الولايات المتحدة ولو أدى ذلك الى ترحيل أعداد منالمهاجرين غير الشرعيين، كما انه من المتوقع ان تقف تلك الادارة بتحفظ تجاه الليبرالية الثقافية وربما نشهد انحسارا اكبر للتسامح تجاه الأديان او العرقيات الاخرى او مثليو الجنس وغيرهم من الشرائح المجتمعية .

أما المحور الأهم والأكثر ترقبا وجدلا فهو ماهية الاستراتيجية التي ستتبعها الولايات المتحدة في سياستهاالخارجية، والامر يبدوا غامضا وان كان ترامب قد أشار الى انه سيضغط على حلفاء أميركا حول العالم، وعلىالدول الأعضاء في الناتو، من أجل تحمل أعباء أكبر فيالدفاع عن أنفسهم. وانه على استعداد لعقد صفقات معالأطراف المختلفة في مناطق النزاعات والتوتر.

وهنا نجد ان التوجه الخارجي سيكون براغماتيا بحتا غير أخلاقي ربما، ولا يمكن لأحد ان يتكهن مداه، بل يحمل عميق التساؤلات حول الحد التي ستدعم به دوائر الأمنوالدفاع والسياسة الخارجية الأميركية صفقات مع روسيا،مثلًا، مع ما يشكله ذلك من تهديد لاستقرار دول أوروبيةحليفة للولايات. كما انه وفي حال قررت إدارة ترامب مواجهةالتوسع الإيراني في المنطقة العربية، فإن ذلك سيكون عبر تقديم دعم لدول الخليج "بمقابل " مادي واضح . أما فيما يتعلق بالملف النووي الايراني فإنه بعد انجاز الاتفاق رسميا فلن يكون في وسع ترامب التحلل منه ولكن يمكنه التضييق عليها عبر تمديد  قانون العقوبات.

اما بالنسبة للعلاقة مع تركيا فستكون مبنية على صفقاتومصالح واضحة، كون ترامب يرغب في الحلفاء الأقوياء وسط الفوضى الاقليمية العارمة مع ما يحمله هذا التقارب -ان حصل- من ملفات شائكة لجهة اختلاف وجهات النظر حول الازمة السورية ووضع حزب العمال الكردستاني، اضافة الى استضافة الولايات المتحدة لفتح الله غولن المتهم بتدبير الانقلاب الفاشل في تركيا اواسط العام الماضي . 

من جهة ثانية ومن منطلق براغماتي فإن هذه الادارة لن تبدي تعاطفا مع الأزمات الانسانية كما لن تقف مع دعاة التغيير والتحول الديمقراطي في الشرق الأوسط ، اما فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية فهي ستغض الطرف عن التوسع الاسرائيلي في المستوطنات لا سيما في القدس، كما سنعود لسيناريو المراوغة المعهودة  للمفاوضات . 

أخيرا فإن مواقف ترامب المعلنة حتى الآن لا توحي برؤية واضحة حول أزمات منطقة الشرق الأوسط او اعادة الاستقرار اليها ، فيما تجد شعوب المنطقة نفسها في صميم  الفوضى وانقطاع الأمل ... وان كان التدخل الاميركي المباشر مشكلة فإن عدم التدخل الاميركي مشكلة ايضا ... وهنا تكمن المفارقة.

كاتبة واعلامية 

أية اعادة نشر من دون ذكر المصدر ايلاف تسبب ملاحقه قانونيه

أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في أخبار