: آخر تحديث

لعنة (البرازنة)

حينما فتح الآثاري البريطاني هوارد كارتر في العام 1922 مقبرة الفرعون المصري توت عنخ آمون، فوجئ بما مكتوب على مدخل المقبرة " سيضرب الموت بجناحيه الساميين كل من يعكر صفو الملك ". منذاك انبثقت اسطورة لعنة الفراعنة في فضاء القرن العشرين وانجبت ادبا خياليا عبرت عنه السينما في افلام كثيرة ضخمت سحرية التاريخ الفرعوني لمصر وجعلته معاصرا لنا.
قبل ذلك بسنوات وفي خضم الحرب العالمية الأولى اشعل العم، الأقطاعي الشيخ عبد السلام البارازني شرارة تمرده على الدولة العثمانية من مدينة عقرة الكردية. لم تمهله امبراطورية الرجل المريض، رغم احتضارها، غير بعض شهور فأسرته. حوكم الشيخ عبد السلام في الموصل وشنق بعد ايام من صدور الحكم.تولى القيادة بعده شقيقه الشيخ احمد البرزاني الذي تعاون مع المحتلين البريطانيين ثم تمرد عليهم حتى هزموه بطائراتهم التي قتلت المئات من اتباعه واضطر للهروب حتى الحدود التركية. بعد ذلك، عفوا عنه، لكنه تمرد من جديد حتى جاء الأنقلابي بكر صدقي في العام 1932 ليضعه في اقامة اجبارية في السليمانية ليموت هناك، اسيرا لوحدته وعزلته عن شعبه الكردي. 
لكن كما في لعبة شطرنج، بياذقها الشعب الكردي، لا تنتهي الا بـ " كش ملك " فقد اخذ زمام التمرد – الثورة الشقيق الآخر الملا مصطفى البرزاني الذي اندفع في نضاله، كما في رواية اسطورية، متنقلا من جبل الى جبل بين ايران والعراق في ملحمة لم تنته حتى بعد ان وضعت الحرب العالمية الثانية اوزارها بمحرقة هيروشيما. فمن ولاية شهرزور حتى دولة مهاباد في ايران، حيث كان وزير دفاعها، والناجي الوحيد من قادتها بعد سقوطها المأساوي وتعليق قادتها على مشانق شاه ايران. بحركة التفاف عارف بتضاريس الجبال، خاض الملا مصطفى البرزاني و رفاقه مسيرة طويلة على اقدامهم، بين الجبال وممراتها، عابرين الجداول والأنهار حتى وصلوا الأراضي السوفيتية ليبقى الملا هناك، لاجئا، لسبعة عشر عاما في دولة ستالين الذي منحه لقب جنرال و وساما سوفيتيا. 
لم يبق من البرزاني في العراق غير صيته، وقصصا خرافية عن بأسه وقدراته الخارقة كوريث للسلالة النقشبندية. وفي كردستان كان يخيم الحزن و رائحة الهزيمة رغم المصايف الفارهة التي بنتها الحكومة الملكية على منحدرات سرسنك وشقلاوة وحاج عمران وغيرها كأماكن استجمام للعراقيين. 
أذكر حديثا مع مسن شارك، كجندي، في قتال البرزانيين في الأربعينات من القرن المنصرم، كان يعتقد، كغيره من الجنود، ان الملا مصطفى لا يموت لأنه يحمل " حرز " النقشبندية الصوفية. كان الرصاص يتساقط على جسده كحبات المطر ولا ينفذ الى اللحم. هكذا قال لي المسن الذي تناول لحم الخيول النافقة لأسبوع كامل حينما حاصر ربوته مقاتلو الكرد.
لكن الملا مصطفى، الذي صار جنرالا بأمر من ستالين، عاد الى العراق بعد الأنقلاب – الثورة في 14 تموز 1958، وعزز وكرم من قبل " الزعيم الأوحد "عبد الكريم قاسم، بعد ان صار الأكراد شركاء في الوطن دستوريا وخطابيا وسياسيا، لم يهدأ له بال. كأنه صار محترف ثورات وتمردات وراثية، اطلق شرارة ثورة جديدة في ايلول 1961 ضد الحكم الجمهوري وساند من انقلبوا عليه في 8 شباط الدموي ثم انقلب عليهم وانقلبوا عليه. لسنوات طويلة لم تخمد النيران في كردستان ولم يعم السلام الا شهور قليلة من التوتر الذي يحمل في ذبذباته حربا جديدة؟ تلك السنوات، المريرة لشمال العراق وجنوبه في حرب الأخوة، كانت الجبال للأكراد والمدن للجيش الحكومي في النهار. 
كان الملا – الجنرال قد صار حاكما مطلقا، لا هو من اليسار ولا من اليمين في ايام كان اليسار واليمين هما بوصلة الشعوب والحكومات والثورات. حتى رفاق ثورته لم يفهموا تحالفاته التي تتغير بفصول السنة على انغام الفصول الأربعة؟ بل وحتى البعض من ابنائه الذين فروا من الجبل الأشم الى سهل بغداد وعذب دجلة؟ أما الملا فقد صار كلَّ يوم في شأن؟ من شركات النفط البريطانية الى الشاه الى اسرائيل الى موسكو الى واشنطن الى بغداد البزاز وبغداد حزب البعث بل والقاهرة في ردح من الزمن. على حصانه كان يتجول، احيانا، بين المقاتلين، من البيشمركة، كنبي او حكيم، ليوقد فيهم نار الحماس ومن مغارات كلالة، مملكته السرية، كانت تنطلق الأوامر لمسيرات الحرب او السلام. اسطورة حية تقود شعبا معذبا توهمه بالمستحيل. ولعله، ككل اسطورة كان مؤمنا بما في احلامه، لكن، ككل الخيوط التي تنسجها الأساطير، فأنها تبقى هينة، هشة. هكذا في ساعات انهارت الأسطورة بعد اتفاقية الجزائر، بين الشاه وصدام حسين. تقطعت الخيوط التي كانت تحمل الثورة و رمزها وسقط الهيكل كله على رؤوس من كانوا يحملونه كأعمدة: الشعب الكردي وحقه في العيش الكريم بسلام.
لم يكن هناك بحر ليعبره كما عبر موسى والعبرانيون الى ارض ميعاد او صحراء تيه مشترك. بل ممرات جبلية قاسية بين ايران والعراق، عبرها الملا مصطفى، بالسيارات، مع ثلة قليلة من رجاله، تاركا شعبه حاسرا من السلاح والأمل، مكررا تفاصيل هزيمة قديمة، لكن هذه المرة ليست الى موسكو ستالين بل الى واشنطن. 
توفي الملا بعد اربع سنوات بعد انفجار مرارة الهزيمة في جسده في صورة سرطان قاتل. مات منفيا في حاضرة العالم الجديد الذي ليس فيه رائحة كردي واحد بل بقايا هنود حمر. مات وحيدا، مخذولا، لا سلطة له، وككل منفي يقضي الوقت في ذكرياته عن الوطن الأم. توفي البرزاني وطعم الهزيمة المر على لسانه لسنوات اربع عجاف.
رحل البرزاني الى عالم الغيب لكن القضية الكردية بقيت في عالم الشهادة كنار تحت الرماد. ثم اشتعلت من جديد تحت راية أخرى ليست برزانية. عاد الأمل الملطخ بالدم لذرى كردستان بعيدا عن مملكة كلالة وقوانينها الأقطاعية. شئ من حداثة القرن وافكاره هذه المرة دخلت في صلب المناضلين. لكن هذا لم يدم طويلا اذ سرعان ما استقيظت السلالة البرزانية على لعلعة الرصاص الذي اطلقه خصومهم التاريخيين من جديد: الجلاليون، نسبة لجلال الطالباني. عاد ابناء البرزاني الى مملكة الأب، كأن ذلك نكاية بخصوم الأب القدامى، فلم يتركوا غيرهم لقيادة الثورة التي اصبحت ملكا يرثه الأبناء عن الآباء، ومعهم عادت القبائل الكردية، وعادت خيوط العنكبوت لتنسج بيوتا واهنة بين دمشق وطهران وواشنطن ولندن وباريس وبغداد. كأن قضية الأكراد محكوم عليها بسلالة واحدة، ابد الدهر. سلالة قدت من معدن القيادة للشعب الكردي لكنها تخطئ كل مرة لأنها تعتقد السراب ماءا؟ 
لكن كم هزيمة سيمنى بها الأكراد ليدركوا انهم متساوون جميعا في جمهورية معاصرة، عادلة، بلا طبقات قبلية ولا سلالات كأن القدر او قلة الحكمة وضعف البصيرة كتب عليها ان تعيش لعنة تشبه لعنة الفراعنة؟
 

أية اعادة نشر من دون ذكر المصدر ايلاف تسبب ملاحقه قانونيه


عدد التعليقات 17
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
1. بانهزام البرزاني ماتت
فكرة امبراطورية كردستان - GMT الثلاثاء 17 أكتوبر 2017 17:44
الموت لامبراطورية كردستان الفاشستية الداعشية عدوة ارمينيا واشور بانهزام البرزاني ماتت فكرة امبراطورية كردستان في ارمينيا واشور المحتلتين في شرق وجنوب تركيا وشمال العراق ارمينيا العظمى قادمة عاشت جمهورية ارمينيا الحرة المستقلة المتحدة باجزائها ارمينيا الشرقية والغربية والصغرى والجزيرة الارمنية والخليج الارمني والموت لمجرمي الابادة الارمنية والمسيحية من اتراك وعملائهم المرتزقة الاكراد بندقية الايجار
2. العلة في دولة العراق
برجس شويش - GMT الثلاثاء 17 أكتوبر 2017 20:24
العلة هي في دولة العراق ومن بيدهم السلطة, العلة والكارثة في العقلية السائدة لدى الاغلبية التي تتحكم بالعراق ان كانت قومية عروبية او طائفية شيعية, قيادتنا لا تتمرد لا تطالب اكثر من الحقوق التي سلبتها الاكثرية العربية في دولة لا تحترم ابسط حقوق فيها , انقلابات وحروب و غزوات و صراعات دموية وطائفية وعرقية لم يقم بها احد غير من هم تحت مظلة الثقافة والعقلانية البائسة السائدة , لا تلوموا شعب كوردستان اكثر من لوم انفسكم , بنيتم دولة فاشلة وشاذة ومتخلفة الى هذه اللحظة وبكل تاكيد الكل سيكون ضدها ومن حقهم. في اذار 1975 هزم العراق شر يمة وانتصر شعب كوردستان و دليلي الدامغ : العراق منذ ذلك الحين والى هذه اللحظات عاش الكوارث, غزو ايران لثمان سنوات وغزو كويت و الحصار ومن ثم الغزو الامريكي بتحرير كوردستان والعراق من النظام البائد, العراق قدم ملاين الضحاية منذ ذلك الحين وخسائر مادية فلكية ولازال يدفع بسبب هزيمتها في اتفاقية اذار المخزية , انتقام الهي , يا سيد الكاتب, رغم اني علماني, بينما بالمقابل , شعب كوردستان انتصر ودليل الدامغ بعد ذلك الحين صعدنا من نضالنا وساهمنا في اسقاط العهد البائد المجرم ومن ثم انتصر شعب كوردستان بحقوقه وان هي غير مكتملة فالدرالية هي اكبر انتصار لنضال بارزاني الاب و الابن وكل من سبقوهم, وبكل تاكيد سننتصر من اجل استقلال كوردستان, ما حصل في 16 من هذا الشهر في كركوك هي هزيمة كبرى لدولة العراق وانتصار اخر سيسجله التاريخ لشعب كوردستان رغم ان الكثيرن من العراقين يعبرون عن فرحتهم بالنصر, ولكن اي نصر؟ النصر الذي سيدفعه العراق باهظا فيما بعد كما دفعه بعد انتكاسة ثورة شعب كوردستان في 1975.
3. سيبقى الطرزاني
OMAR OMAR - GMT الثلاثاء 17 أكتوبر 2017 20:28
سيبقى الطرزاني طريدا في ادغال وجحور كردلاند المزعومه
4. يذكرني التعليق
OMAR OMAR - GMT الثلاثاء 17 أكتوبر 2017 20:45
يذكرني التعليق بخطابات وعنتريات صدام المشنوق منتصر دائما حتى ولو كان في البالوعه ..
5. الكيان السرطاني الخبيث عا
Rizgar - GMT الثلاثاء 17 أكتوبر 2017 21:47
الكيان السرطاني الخبيث عاجلا او اجلان في مزبلة التاريخ. تحقيق الرغبات العرقية العربية من اغتصاب المدن الكوردستانية وانفال وتعريب المدن ا وقتل الاطفال الكورد وسرقة منازل الكورد في خورماتو وكركوك وحرق المنازل .......الخ من الجرائم المنحطة اخلا قيا سوف يعجل بانهيار الكيان الحقير قريبا.
6. ما هي المعايير الطائفية ف
卡哇伊 - GMT الثلاثاء 17 أكتوبر 2017 21:50
استقلال كوردستان.. ؟ .. اذا ما علمنا الشعب الكوردي بعمومه سنيا.. بالمقابل تركيا التي يحكمها الاخوان المسلمين السنة بزعامة اردوغان.. ومصر وازهرها السني.. والجامعة العربية بعضوية 20 دولة عربية سنية، كلها تمثل محاور سنية ايضا.. رفضت استقلال الكورد. وايران تعارض استقلال كوردستان لدوافع قومية اساسا، والدليل ايران تقمع الشيعة الاحوازيين على اساس عرقي لانهم عرب، رغم انهم شيعة،
7. يتهمون الكورد بان امريكا
ⴰⵎⴰⵣⵉⵖ - GMT الثلاثاء 17 أكتوبر 2017 21:50
يتهمون الكورد بان امريكا وراءهم لتاسيس دولة كوردية، والمضحك ان الشيعة بمنطقة العراق لولا امريكا ودباباتها لما سقط ليس فقط حكم صدام والبعث الذي كانت ايران تقيم علاقات معهم، بل لما سقط موروث 1400 سنة من حكم السنة على رقاب الشيعة عام 2003، بعد ان كان الشيعة لقرون يصرخون اظهر يا المهدي وصفيه وشوف الشيعة شصاير بيه.. ولم يظهر المهدي عج.. بل ظهر بوش وانقذهم.. ليعضون اليد الامريكي التي مدت لهم مع الاسف، (علما المهدي عج يظهر بعد ان يعم الظلم العالم اجمع، وليس بقعة دون
8. دعاة وحدة العراق قلوبهم
♥ ♥ ♥ ♥ ♥ ♥ ♥ ♥ - GMT الثلاثاء 17 أكتوبر 2017 21:51
دعاة وحدة العراق قلوبهم ناعمة وعيونهم ناعسة خائفين على الاكراد ؟ فسحقا لدموع التماسيح
9. مليشة الحشد الشعبي
♠♠♠♠♠♠♠♠ - GMT الثلاثاء 17 أكتوبر 2017 21:53
مليشة الحشد الشعبي، التي تجيد (توزيع التهم) لتمهيد الاجواء وغسل الادمغة لاعداد مقاتليها للقتل بدم بارد للمكونات المستهدفة بعملياتها العسكرية، فهذا (المكون ارهابي)، وذاك (المكون انفصالي).. وهم يطلقون على انفسهم (ولائيين) اي (اتباع ولاية فقيه ايران خامنئي).. ليتبين بان منطقة العراق ليس فيه (شيعة وكورد وسنة).. بل (ولائيين، وانفصاليين، وارهابيين).. فهنيأ لقيس الخزعلي وبقية شلة مليشة الحشد بما يحكمون..
10. فالعراق كمشروع دولة فاشلة
شنگالی - GMT الثلاثاء 17 أكتوبر 2017 21:55
فالعراق كمشروع دولة فاشلة بالطبع تجعل الكوردي يميل للاستقلال، والسني يميل للعنف البالغة القسوة.. ليسترد الحكم او يحكم نفسه بنفسه بمنطقة اكثريته، والشيعي العربي مغبون مغيب، تحتله ايران مستغلة فقدان الشيعة العرب لكيان سياسي له بمنطقة اكثريته، وعدم تصدي بغداد للهيمنة الايرانية ومليشياتها وسماحها لسليماني الايراني باخذ منصب (والي العراق العسكري المنصب من الزعيم الايراني خامنئي)..


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في رأي