GMT 15:00 2017 الأحد 19 فبراير GMT 13:35 2017 الإثنين 20 فبراير  :آخر تحديث

ماهية النظام الدولي الهجين القائم

فـؤاد النمري

ما بات معلوماً تماماً منذ زمن بعيد أن جائرة نوبل تعطى لأعداء الشيوعية وليس للشيوعيين، ولذلك لم أكن أؤمل أن أفوز بجائزة نوبل في الإقتصاد بالرغم من أنني كشفت عن أهم الحقائق في بنية الاقتصاد العالمي القائم منذ انعقاد أول مؤتمر للخمسة الرأسماليين الكبار (G 5) في قلعة رامبوييه/باريس (Rambouillet) في السادس عشر من نوفمبر 1975 – أولئك الخمسة، الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا واليابان، لم يكونوا حقيقة كباراً كما ادّعوا إذ كان خمستهم في طور الإنهيار ولذلك أعلنوا أنفسهم في "إعلان رامبوييه" (Declaration of Rambouillet) أنهم اللصوص الخمسة الأكبر في العالم . وكنت الوحيد الذي كشف عن لصوصية هؤلاء الخمسة الكبار ؛ بالإضافة إلى هذا فقد كشفت عن عدة حقائق كبرى في الاقتصاد العالمي القائم اليوم وهي التالية ..

في العام 1992 كنت أول من كشف عن انهيار النظام الرأسمالي في العالم وكان ذلك بسبب انفصال المحيطات عن مراكز الرأسمالية التي لم يعد بمقدورها التخلص من فائض الإنتاج عن طريق تصديره إلى الأطراف ومبادلته بالمواد الخام، فكان انتقالها الإضطراري إلى الإقتصاد الإستهلاكي (Consumerism) فترتب على ذلك انهيارها .
كتب سائر الاقتصاديين من اليسار ومن اليمين عن العولمة باعتبارها إنبعاث جديد للنظام الرأسمالي بالمزيد من التوحش، لكنني أكدت العكس تماماً وهو أن نزوح شركات الإنتاج من المراكز إلى الأطراف إنما هو انهيار النظام الرأسمالي وليس انبعاثه، إذ لا يقوم النظام الرأسمالي بدون مركز وأطراف، بنيته كبنية الخلية الحية حيث النواة، مركز الخلية، هي المدير والمدبر لسائر الأنشطة الحيوية للخلية .

في رامبوييه قرر الخمسة الأغنياء تضامنهم في الحفاظ على أسعار صرف عملاتهم ثابتة وهو ما يعني فصم العلاقة الطبيعية بين البضاعة والنقود، وكشف عملاتهم من غطاء البضاعة بعد أن اضطروا إلى التوقف عن إنتاجها . لم يكن من وسيلة في أيديهم للحفاظ على أسعار الصرف سوى المضاربة في أسواق المال ؛ وهكذا تحول الرأسماليون الخمسة الكبار من منتجين رأسماليين للبضائع إلى مجرد مضاربين في البورصة، وليسوا رأسماليين منتجين .

المضاربة في أسواق المال يمكنها أن تحافظ على أسعار صرف النقود لكن لا يمكنها أن تحافظ على قيمة النقد . البضائع وحدها ومنها الذهب هي التي تحدد قيمة النقد ولذلك كانت قيمة أونصة الذهب في العام 1970 حوالي 70 دولارا ووصلت في العام 2011 إلى 1900 دولاراً، وعليه فإن المضاربة لم تحم الدولار فدولار 1970 بات يساوي 33 دولارا من دولارات 2011 .
بانهيار النظام الرأسمالي انهارت الدولة الرأسمالية لتؤول الدولة خارج مسار التاريخ إلى طبقة البورجوازية الوضيعة وليس إلى البروليتاريا كما تقضي قوانين التطور بسبب خيانة الحزب الشيوعي السوفياتي للثورة الاشتراكية ؛ البورجوازية الوضيعة أزاحت البروليتاريا إلى الكواليس وعبثت بالسوق وأخذت تذيع أن القيمة الرأسمالية لا تحددها قوى العمل بل المعرفة واستنت للعالم قانون حق الملكية الفكرية . وهكذا أخذت تستبدل الخدمة التي هي الانتاج الوحيد للبورجوازية الوضيعة بأضعاف أضعاف كلفة إنتاجها مع أن المعرفة وهي حجة هذه الطبقة الوضيعة لا تزيد المنتوج أية قيمة حيث هي لا تخسر شيئاً عبر مساعدتها في الإنتاج خليك عن الخدمة بحالها التي لا قيمة تبادلية لها . دعوى الإقتصاد المعرفي هي إحدى دعاوى البورجوازية الوضيعة الكاذبة والأكثر فجوراً.
مبادلة الخدمات بأضعاف أضعاف كلفة إنتاجها عمل مباشرة على التآكل المتزايد لقيمة النقود بعد فصمها عن قيمة البضاعة وهو ما أدى إلى العصف بقانون القيمة الرأسمالية وبتعطيل ميكانزمات السوق المعهودة .

نضبف اليوم حقيقة كبرى تُختزل فيها كل الحقائق السالفة الذكر وهي هجانة (Exotic) النظام الدولي القائم .

كان النظام الدولي فيما سلف تقرره وسائل الإنتاج العاملة والقيمة الرأسمالية التي تنتجها تلك الوسائل . فمثلاً ما كانت بريطانيا لتستولي على مستعمرات حول الكرة الأرضية لا تغيب عنها الشس لولا أنها كانت الدولة الأولى التي استخدمت وسائل إنتاج جديدة تستخدم أدوات إنتاج مختلفة وهي المصانع التي تدار بقوة البخار والوقود والكهرباء وهو ما مكنها من تحشيد ملايين العمال وتحويل قواهم للعمل إلى بضائع ذات قيمة رأسمالية كانت الأعظم في العالم . حذت فرنسا حذو بريطانيا فكانت الدولة الإمبريالية الثانية بعد بريطانيا مع بداية القرن العشرين . أما روسيا القيصرية فقد توسعت جغرافياً في بلدان أواسط آسيا المتخلفة حيث تخلفت في تجديد وسائل إنتاجها وكان هذا أحد العوامل التي بكرت في الثورة الاشتراكية التي انتهجت التصنيع السريع واستخدام كل قوى العمل المتاحة ومكن الاتحاد السوفياتي بالتالي لأن يكون أقوى دولة في الأرض قبل بداية الحرب العالمية الثانية ويمتلك أزّمة العالم ما بعدها . أما ألمانيا وقد هزمت في الحرب العالمية الأولى وحاصرتها الإمبراطوريتان الإمبرياليتان بريطانيا وفرنسا ومنعتاها من تصدير فائض الإنتاج المتحقق فيها إلى أية مستعمرات تابعة لها فكان لقوى الإنتاج الألمانية أن عبرت عن نفسها بإنتاج الأسلحة التي لا يفيض إنتاجها، وأن رعت البورجوازية الوضيعة الألمانية هذا النمط من الإنتاج بانتهاج النازية الكولونيالية . فإذا كانت الإمبريالية تتحقق من خلال مبادلة فائض الإنتاج في المتروبول بالمواد الخام في المستعمرات، فالنازية ليس لديها ما تبادله حيث تنهب كل مقدرات الشعوب بعد إخضاعها بقوة السلاح، وهذا هو ما كانت تفعله الإمبراطوريات القديمة .

تلك كانت الصورة الكلية للعلاقات الدولية قبل النصف الثاني من القرن العشرين . مع بداية النصف الثاني من القرن العشرين وتحديداً في 28 فبراير شباط 1953 وأثناء العشاء في بيت ستالين إرتكب قادة الحزب الشيوعي جريمة تاريخية بحق الإنسانية إذ تواطأ أبرز قادة الاتحاد السوفياتي بيريا ومالنكوف وخروشتشوف على اغتيال ستالين ودسوا له السم في شرابه فكانت الضربة القاضية ليست لحياة ستالين فقط بل وللثورة الإشتراكية من جهة ولحركة التحرر الوطني العالمية من جهة أخرى اللتين كان يقودهما ستالين بنجاح مدهش إعترف به زعماء تاريخيين للعالم منهم فرانكلين روزفلت، وهو أعظم رؤساء أميركا على الإطلاق، وونستون تشيرتشل وهو أعظم زعماء بريطانيا على الإطلاق . كان ستالين يمسك بأزمّة العالم بيديه القويتين . شهد تشيرتشل على أن أحدا من القادة العظام في تاريخ العالم لم يكن بقوة ستالين . الثلاثة من قادة الحزب سمموا ستالين كي يرثوه لكنهم لم يحتسبوا أن قائداً عظيماً عظمة ستالين لا يرثه أقزام مثلهم فورثه الجيش الأصفر وليس الأحمر وكان أقوى جيش في العالم يقوده عشرات المارشالات وآلاف الجنرالات . الجيش ورث كل شيء لكنه لم يرث الإشتراكية ولا الثورة الإشراكية.

من المبادئ الأساسية التي كان يؤكد عليها ستالين هو أن الإشتركية تتنافى مع العسكرية فمن الطبيعي إذاً أن يكون العسكر ضد الإشتراكية . أن يكون العسكر ضد الإشتراكية قد يُعتبر مسألة تخص البلدان الإشتراكية دون سواها لكن الأمر ليس كذلك على الإطلاق، فالمعسكر الإشتراكي شكل فيما بعد الحرب العالمية الثانية المظلة الكبرى الواقية التي جرت تحتها حركة التحرر الوطني العالمية وقد نجحت في تحقيق الإستقلال وفك روابط كافة الدول المستعمرة والتابعة بمراكز الرأسمالية الإمبريالية مما تسبب بانهيارها . كما كان المعسكر الإشتراكي الباب الوحيد الذي من خلالة يمكن للدول المستقلة أن تحقق التنمية الإقتصادية والاجتماعية تعزيزاً لاستقلالها بقيادة البورجوازية الوطنية . انهيار المعسكر الإشتراكي وقد بدا واضحاً في ستينيات القرن المنصرم كان السبب المباشر في انهيار ثورة التحرر الوطني وصولا إلى انهيار عالمي لطبقة البورجوازية الوطنية الدينامية لتخلفها في الحكم والسلطة طبقة البورجوازية الوضيعة التي لا تمتلك أي مشروع تنموي. وخير مثال على ذلك الإنهيار هو ما جرى في العالم العربي فكان بديل عبد الناصر في مصر أنور السادات وبديل عبد الكريم قاسم في العراق صدام حسين وبديل خالد العظم وصلاح جديد في سوريا حافظ الأسد وبديل بنبلا في الجزائر بومدين ؛ أما خارج العالم العربي فكان بديل باتريس لومومبا في الكونجو موبوتو، وبديل احمد سوكارنو في أندونيسيا سوهارتو، وبديل ألليندي في التشيلي بينوشيه .
العسكر في روسيا ضد الاشتراكية، والسادات وصدام والأسد وبومدين وموبوتو وسوهارتو وبينوشيه ليسوا ضد التنمية فقط بل وضد شعوبهم أيضاً .
(يتبع)

أية اعادة نشر من دون ذكر المصدر ايلاف تسبب ملاحقه قانونيه

أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في أخبار