GMT 20:00 2017 الجمعة 24 فبراير GMT 16:23 2017 الإثنين 27 فبراير  :آخر تحديث
من مفكرة سفير عربي في اليابان

عقول أطفالنا ما بعد "الربيع الفارسي" (1)

د خليل حسن

خلال زيارتي لمملكة البحرين خلال شهر فبراير الجاري، أصبت بالدهشة حينما لاحظت التباين بين القتل والدمار في كثير من دولنا العربية، وخاصة في سوريا والعراق واليمن وليبيا، وبين التطورات السريعة في منطقة خليجنا العربي، بالرغم من التباطؤ الاقتصادي. فها هي دولة الامارات المتحدة تطور نظام للمواصلات تعتمد على طيران محلي بدون طيار، في أول تجربة في تاريخ العالم، بل وتعمل على خلق مدينة بشرية على سطح كوكب المريخ. بينما وجدت بلدي، مملكة البحرين الحبيبة، تحتفل بعيد ميثاقها الوطني، وفي فرحة مما حققه هذا الميثاق، من عصرنة نظام دستوري متطور، ضمن مملكة دستورية، تتطور فيها السلطات الثلاث التنفيذية والقضائية والتشريعية تدريجيا. وقد لفت نظري ظواهر العصرنة التي لاحظتها في هذه المؤسسات، والتي ستتطور مواردها البشرية مع الوقت، وخاصة المجلس النيابي، فقد انقلبت الصورة من بيئة القرون الوسطى إلى بيئة البرلمانات العصرية، فلم ألاحظ هذه المرة من زيارتي، اللحى الطويلة، ولا العمائم السوداء، بل كان من أكثر المواقع التي زرتها تحضرا. فحينما طلبت موعدا مع الرئيس، تم الرد بسرعة خاطفة من خلال نظم التواصل الاجتماعي، ومن خلال مدراء مكاتب، من كفاءات المرأة البحرينية العصرية.

كما لاحظت العمران الشامل، والبنايات الشاهقة، في كل رقعة من وطني الحبيب، مع نظم مرور إلكترونية، لمراقبة الطرق والشوارع. فمثلا، لو ارتفعت سرعة المركبة عن الحدود المسموحة بها، يصل السائق مباشرة، عبر التلفون النقال، رسالة تلفت نظره بتجاوز السرعة المسموح بها، ولو سجلت عليه مخالفة، يمكنه أن يدفعها من خلال تلفونه النقال. ومن عجب العجائب ان تتحول مملكة البحرين اليوم من مملكة بها ثلاثة وثلاثين جزيرة، إلى مملكة بها ثمانمائة جزيرة، معظمها جزر اصطناعية، وبشواطئها الجميلة، وجميعها مهولة بالسكان، وفي كل رقعة منها مباني حديثة شاهقة، بل ولتتحول القرى الصغيرة القديمة، إلى مدن حديثة متطورة.

وضمن هذه الأجواء العصرية الحديثة، نجد حتى الآن بعض مظاهر ما بقي من تطرف، ما سماه البعض بالربيع "الفارسي"، وبذيوله الثيوقراطية الطائفية. ففي اليوم الرابع عشر من شهر فبراير الجاري، لاحظ سائق سيارتي دخان كثيف، قرب احدى الشوارع الرئيسية في مدينة المنامة، وقد لفت نظري هذا السائق، وهو قلق، بأن هناك حرق إطارات في وسط الشارع، وحينما اقترب أكثر من مكان الحادث، شك بأن هناك بيت يحترق. وقد شعرت بالقلق، بسبب اختصاصي في جراحة الأطفال، بأن يكون بداخل هذا البيت أطفال، تعرضوا ربما لضيق النفس من الدخان الأسود الكثيف المنطلق من الحريق، أو قد يكون هناك في تلك اللحظة طفل يحترق، أو طفل تعرض للموت بسبب الاختناق. وزاد قلقي حينما وجدت بأن هناك ازدحام مروري، وحينها خفت الا تستطيع سيارة الإسعاف الوصول إلى مكان الحادث. وحينما قربت السيارة من مكان الحريق، وجدنا بأن حقيقة سبب هذا الدخان الكثيف الأسود، هو حرق كومة من الأعشاب الصحراوية، بقرب شارع رئيسي، كما لاحظنا أطفال مراهقين بلباس اسود، يلقون الحجارة على رجال الأمن من مسافة بعيدة. وحينما قربنا من هذه المنطقة، وجدنا بأن جميع جدران البيوت حول هذا الحادث مشوهة بكتاباتسوداء، ومشطوب عليها بخطوط سوداء غليظة.

وقد ذكرني ذلك الحادث، بحادث آخر، شاهدته قبل عدة أيام، حيث وضع مجموعة من الأطفال المراهقين، قطع كبيرة من الطوب، في وسط الشارع، بينما كانوا يلقون بقنابل "المنتوف" على رجال الأمن، في الوقت الذي توقف السير في شارع رئيسي. ولتتعطل أعمال الكثير من البشر، بين رجل ذاهب للعمل، إلى أم حاملة طفلها المريض وذاهبة إلى المستشفى، أو تعطل سائح متوجه لرحلة تاريخية حول آثار حضارة ديلمون.والجدير بالذكر بأن هناك ثلاثة عشرة مليون سائح سنويا لمملكة البحرين، في الوقت الذي مجموع سكانها مليون وثلاثمائة ألف.

وانا أشاهد هذه المناظر المحزنة، سألت نفسي من المسؤول عن هذه التصرفات المتطرفة؟ هل هؤلاء الأطفال المراهقين مسؤولون عن هذا العنف المتطرف؟ أم هناك أحد يحرضهم؟ لماذا يقوم طفل في سن المراهقة بهذا السلوك العنيف؟ هل الحرق أسلوب لتحقيق أهداف مجتمعية؟ هل التعدي على جدران بيوت المواطنين، وتشويهها باللون الأسود، هو أسلوب لتحقيق مجتمع المواطنة الصالحة، مجتمع العدالة، مجتمع التناغم والمسؤولية المجتمعية؟ هل هذا العنف سيحقق التنمية المستدامة؟ هل هذا العنف سينمي الاقتصاد، ويوفر الوظائف، ويحقق الرعاية الصحية والتعليمية والاسكانية للشباب؟ أم هذا العنف سيهرب المستثمرين، ويبطئ التنمية المستدامة، ويزيد من نسب البطالة؟ ومن يقود هؤلاء الأطفال المراهقين؟ هل هم جزء من عصابة خارجية ام داخلية؟ هل الأحزاب السياسية لها دور؟ وهل هي أحزاب المعارضة؟ وهل هي أحزاب المعارضة الليبرالية، أم هي أحزاب المعارضة الدينية؟ هل هم عناصر من الداخل أم من الخارج؟ ومن هي الدول التي يمكن ان تتهم في هذا الموضوع؟ هل هي الدول المنشغلة خلال العقود الأربعة الماضية بتصدير ثورتها المتخلفة لدول المنطقة؟ هل هي دول تقودها رجال سياسة، أم هي ثيوقراطيات طائفية؟ وما الذي حققه زعماء الدين المسيسين في هذه الأنظمة المتطرفة؟ فهل هم خلقوا دولة المواطنة الصالحة والدستور والقانون؟ هل هم خلقوا دولة التناغم والتلاحم والتراحم والعدالة والمساواة؟ أم هم خلقوا دولة الاقتصاد القوي، بعملة منافسة في سوق العولمة، وصناعة منافسة، وبضاعة متميزة؟ هل لهؤلاء الزعماء سمعة جيدة في بلدانهم، ام تعتبرهم شعوبهم زمرة من الحرامية الفاسدين، فهم يسرقون شعوبهم، ويستغلون المنابر الدينية، لتغطية فضائحهم؟ وما الذي يدعون له على هذه المنابر؟ هل ينادون لسلوك روحاني سوي، أم ينادون لخرافات وخلافات وصراعات طائفية مدمرة؟ هل ينورون عقول أطفالنا بخطبهم النارية، ام يدمرون هذه العقول؟ وما الذي حققوه خلال العقود الأربعة الماضية، غير نشر الطائفية، وتجويع شعوبهم، وتعليق أعناق المعارضين على المشانق الإلكترونية، والتوغل في العراق وسوريا ولبنان واليمن وليبيا، لتدمير هذه الدول، وتهجير وقتل شعوبها، وخلق اثني عشر مليون لاجئ جديد، وبشعار القضاء على إسرائيل وتحرير فلسطين؟

يعاني عزيزي القارئ الطفل الشرق اوسطي من ارهاصات سياسية واجتماعية واقتصادية معقدة، فهو يعيش مجتمعات متناقضة، تنادي بالفضيلة والبساطة والتواضع والتراحم، وتمارس العكس. كما يتعرض الطفل لموجات من العنف، على شاشة التلفزيون، وفِي السينما، وربما في البيت والمجتمع، كما يتابع من خلالشبكات التواصل الاجتماعي ما يجري من دمار وتفجيرات، وقتل وحرق وذبح، من إفغانستان وباكستان، وحتى اليمن والعراق وسوريا. ويسمع من خطباء بعض المنابر عن فضائل الدين، بينما يلاحظ يوميا فضائحهم المالية والعسكرية، في العراق ولبنان وسوريا وليبيا واليمن. تولده أمه الشرق أوسطية، وتربيه خادمته الآسيوية، ليعيش الطفل، في مجتمعات الشرق الأوسط، واقع متناقض معقد.

وهنا ليسمح القارئ العزيز أن اذكره بمقولة يكررها رئيس وزراء الياباني الحالي،سعادة السيد شنزو أبيه، حينما سؤل عن سر نجاح اليابان ليقول: نحن شعب لا يملك عقول خارقة، بل ما نملكه معادلة، تجمع بين احترام الوقت، وتقديس العمل، وأخلاقيات السلوك، مع الإيمان بأهمية العلوم المعاصرة، ومن خلال تربية مجتمعية متناغمة، تجمع بين الام، والعائلة، والمدرسة، والمجتمع، وثقافة بيئة العمل، بتدريبها المستمر. فالتعليم والتدريب المستمر عنصر أساسي في المجتمع الياباني، كما تتوفر في اليابان ثقافة تلفزيونية عالية، تهيئ أمهات المستقبل لأمومة مسئولة، بقاعدة معلومات عصرية. فتتعلم أم المستقبل أهمية فهم العقل البشري، لتستطيع تطوير عقل طفلها خلال تربيته.

فتعتقد الام اليابانية بان عقل الطفل يحتوي منذ ولادته على تريليون من الخلايا العصبية، وهي الوحدات البيولوجية التي تحدد مدى ذكاء الإنسان، مع مدى تطور احساساته، وحركات عضلاته، بل وتحدد طرق تفكيره، وتحليله ومعالجته للتحدياتالحياتية. ولتشبه الام اليابانية هذه الخلايا العصبية بوحدات الميكروشبس، الموجودةفي الكومبيوترات الفائقة السرعة. فيولد الطفل وفي عقله هذه الميكروشبساتالبيولوجية، وبعددها التريليون، ولكنها تحتاج، لكي تتم وظائفها بدقة متقنة، إلى تواصلها مع بعضها البعض، ومع باقي أعضاء الجسم الحسية والحركية، إلى شبكة من اسلاك التواصل البيولوجية، المسماة بأسلاك الألياف العصبية، توصل بتناغم متناهي دقيق بين بعضها البعض.

وتعتمد تطور شبكات التواصل هذه لتربية عائلية ومجتمعية متميزة، لذلك تبدأ عملية التربية والتعليم والتدريب منذ اليوم الأول من الولادة وحتى سن الدراسة المتوسطة في التعليم الياباني المعاصر. بينما يركز التعليم بعد ذلك على تهيئة الطفل لبيئة عمل مستقبلية ناجحة، في معاهد التعليم والتدريب، بعيدة عن التبجح بالشهادات الأكاديمية، وليستمر هذا التدريب مستمر في الشركات حتى سن التقاعد. وأتذكر هنا زيارة قمت بها في السنة الأولى من وصولي لليابان، حينما رتبت وزارة الخارجية اليابانية للدبلوماسيين، زيارة لمحطة طاقة كهربائية نووية. فقد أصبت بالدهشة حينما تعرفت على التكنولوجية النووية العالية التطور، وعرفت بأن من يدير هذه المحطة طلبة تخرجوا من الثانوية المتوسطة، ودربوا في الشركات التكنولوجية، ليتحملوا مسئولية أدارة تشغيل محطة نووية تنتج الكهرباء لمنطقة يزيد سكانها عن ثلاثة ملايين نسمة.

ولذلك، يولد الطفل بعقل يحتاج تطوره لتربية مدروسة منذ اليوم الأول من ولادته، وخاصة لو تذكرنا بان العقل البشري يتعرض لتغيرات مهمة خلال تطوره، منذ الولادة وحتى الشيخوخة. فيولد الطفل وبعقله تريليونات من الخلايا العصبية، وقد يمكن ان نتصور عقل الطفل كسوبر كمبيوتر به تريليونات من الميكرو شبس الفائقة الدقة.ولكي تعمل هذه الميكروشبسات بدقة متناهية، تحتاج الى دقة تواصلها ببعضها البعض، ومع تواصلها بباقي اجزاء الجسم، لكي تودي وظائفها بشكل دقيق. فحينما يولد الطفل تكون هذه الميكرو شبسات الحيوية، أي الخلايا العصبية، كاملة التكوين،وظيفة وعددا، ولكن تحتاج هذه الأسلاك إلى دقة تواصلها، وذلك من خلال تربية عائليةومجتمعية وتعليمية مدروسة. لذلك تتفرغ الام اليابانية لطفلها الرضيع، وتغذيه من لبنها وحبها وعطفها وتربيتها، ومع بداية الشهر السادس تبدأ في التركيز على تطوير مهارته الحسية والعضلية، في حين يهتم التعليم الياباني بتربية الطفل من السنةالثالثة بعد الولادة، وحتى المدارس المتوسطة، وبعدها يبدأ في تهيئة الطالب للتدربفي سوق العمل من خلال معاهد التدريب التكنولوجية أو الجامعات الأكاديمية.

ومع الأسف يعاني الطفل في مجتمعات الشرق الأوسط من إرث فكري متناقض ومتخلف. ولتوضيح ذلك نرجع لكيف يحاول اعلامنا الشرق اوسطي تهيئة عقل هذا الطفل، ومن خلال مثل لبعض فنون الكارتون. فليسمح لي عزيزي القارئ أن أعرض في الجزء الثاني من هذا المقال، فيلم كرتون عربي وفيلم كارتون غربي، ومن ثم نناقش في الجزء الثالث فكرة فلسفية مستقبلية مهمة، قد تلعب دورا مهما في تقرير مستقبل مصير العقل الشرق الأوسطي لأطفالنا. فقد لاحظت بأن الشاشة الفضية تعرض من خلال فن الكارتون قصص فلسفية بشكل فني جميل على أطفالنا، وذلك لا شك سيلعب دورا مهما في تشكيل عقولهم المستقبلية، فإذا كانت الفكرة سليمة،فستلعب دورا مهما في خلق عقول أطفال الشرق الأوسط المستقبلية السليمة، وإما إذا كانت الفكرة خاطئة فمصيبة أجيالنا القادمة مخيفة. ولنا لقاء.

أية اعادة نشر من دون ذكر المصدر ايلاف تسبب ملاحقه قانونيه

أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في أخبار