GMT 13:41 2017 الخميس 23 مارس GMT 3:14 2017 السبت 25 مارس  :آخر تحديث

هندسة الإصلاحات في الصين و خرافات التنمية بالعالم العربي

طارق ليساوي

في ديسمبر 1978، أصدر المؤتمر الوطني بيانا توجيهيا ترددت أصداؤه في جميع أنحاء الاقتصاد الصيني. البيان دعا إلى حل الاختلالات الاقتصادية ووضع حد ل"الفوضى في الإنتاج ، والبناء ، والتداول ، والتوزيع.." كما أعرب عن الرغبة في الحد من صلاحيات الإدارة المركزية في الشأنالاقتصادي، وإصلاح نظام البلديات ورفع مستويات المعيشة .

إن هذا البيان شكل بحق ثورة سياسية و اقتصادية واجتماعية في الصين لأنه فتح البلاد على تحولات عميقة،جعلت الصين تنتقل من التخلف إلى التقدم، و من الهامش إلى المركز ...و اختيارنا لهذا البيان و للتجربة الصينية جاء في سياق عام محلي و دولي يهتم بالمارد الصيني لا سيما من الناحية الاقتصادية ...

و الغرض من هذا المقال تنوير الرأي العام العربي، وتوجيه بوصلة اهتمام الإصلاحيين و طالبي التغيير، إلى نماذج دولية استطاعت الخروج من رحم التخلف و التهميش لتجد لبلدانها مكانا تحت شمس الحضارة والمدنية و التقدم ...و لسنا في حاجة إلى التأكيد على رفضنا لمبدأ "الأصينة"، على اعتبار أن العالم العربي و معه الإسلامي يتوفر على منظومة ثقافية وفكرية يمكن أن تشكل قاطرة للتغيير و الإصلاح ..

لكن التجارب المقارنة تفيد صناع التغيير في أخد الدروس، و تجنب المثالب التي سقط فيها الغير. و حينماندرس تجربة الصين الشعبية لابد أن نضع في الاعتبار أننا أمام معجزة تنموية صنعها شعب بأكمله...

فهذه التجربة التنموية الصاعدة أبطلت مفعول مجموعة من الخرافات التنموية، التي شكلت و لازالت تشكل في البلاد العربية عائقا أما تحقيق التنمية بمفهومها الشامل، و هذه الخرافات يمكن إجمالها في العناصر التالية:

أولا – خرافة الانفجار الديموغرافي: عندما نسمع في البلاد العربية أن معظم هده البلاد تعاني من انفجار سكاني و أن مستوى العرض من السلع و الخدمات العمومية يظل أقل من الطلب ، وبدلا من إرجاع الفشل في إشباع الطلب على هذه السلع العمومية كالصحةوالتعليم و النقل ...إلى سوء الإدارة و التدبير يتم في الغالب إرجاع هذا القصور إلى النمو الديموغرافي، و الواقع أن مجموع ساكنة العالم العربي بأسره، لا تمثل ثلث ساكنة الصين، و التي تقدر بحوالي 1.4 مليار نسمة، ومع ذلك فهذه البلاد استطاعت أن تحقق تقدما جد ملموس في مجال تقديم السلع العمومية بجودة و كفاءة عالية...

ثانيا – خرافة "التنمية بالتقسيط": عملية التنمية عملية مركبة فمن غير المعقول الاهتمام بالصحة مثلا دون التركيز على نشر التعليم، أو التركيز على التنمية الاقتصادية و إهمال التنمية البشرية، و التجربة الصينية تعطينا في هذا المضمار درسا بليغا في مجال هندسة عملية التنمية و الإصلاحات الاقتصادية والإدارية المتتالية، صحيح أن البلاد تبنت مبدأ التدرج في تنزيل العديد من الإصلاحات، لكن العملية ككل خدعة لهندسة دقيقة من حيث الجدولة و الامتداد الأفقي و العمودي للإصلاحات ...

ثالثا- خرافة تحقيق الإصلاح بنظام سياسي و بيروقراطي فاشل: من المسلم به أن الإصلاح يقتضي حدا أدنى من الإدارة الفعالة و الإرادة الصلبة ، وهذا ما ينطبق على النظام السياسي و الحزب الشيوعي الصيني، فقيادات الحزب بعد وفاة "ماوتسي تونغ" امتلكت الجرأة و الإرادة على القيام بعملية نقد ذاتي لمسار التجربة الماوية، و تحقيق انتقال أبيض للسلطة داخل الحزب و الدولة وصعود قيادات عرفت بتوجهها الإصلاحي طيلة الحقبة الماوية، ولعل و جود قيادي ذو قدر من النزاهة و المشروعية لدى فئات واسعة من الحزب و الشعب الصيني سهل عملية الإصلاحات اللاحقة...لذلك فإن النظام السياسي الفاسد و الفاقد للإرادة و الشرعية يصعب أن ينفذ إصلاحات بنجاح...

و لعل هذه الخرافات الثلاث هي الداء الذي يستوطن الجسد العربي منذ زمن ليس بالقصير، فشعارات الإصلاح و التغيير، رفعت منذ نهايات القرن 19 و مطلع القرن 20 ، و توجت بإقامة أنظمة و إسقاط أخرى، لكن ظلت دار لقمان على حالها، فالمنطقة العربية لا تعاني من الاستبداد السياسي و الحكم الفردي فحسب، بل إنالأمر أعمق من ذلك فبجانب الاستبداد هناك الجهل و التجهيل و إسناد الأمر لغير أهله، فآفة العالم العربي أن الحاكم يحتكر السلطة والتجارة إنه الحاكم بأمر الله وسلطته على البلاد و العباد لا حدود لها و لا راد لقضائها، على خلاف النموذج الصيني، فالحكم هناك بيد الحزب الشيوعي الصيني، نعم هناك ديكتاتورية الحزب الواحد، لكن القيادات الحزبية والسياسية يتمانتخابها من قبل أعضاء الحزب، لذلك فان المتصدرين للمشهد العام هم من خير أبناء الصين ...لكن إذا رجعنا لبلداننا وجدنا أن معظم صناع القرار لا يملكون الكفاءة والأهلية لإدارة متجر فكيف بإدارة مصير شعب.

فالخلل ببلداننا ليس في قلة الفرص و الموارد و لكن في فساد الرؤوس المدبرة و عجزها عن إنتاج حلول وبدائل من خارج الصندوق، و لن أجد أفضل من قول النبي محمد عليه الصلاة والسلام لمن سأله عن الساعة منذ قبل 1400 سنة فقال : «إذا وُسِّدَ الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة» (رواه البخاري [59])، و ها نحن نرى بأعيننا صدق نبوءة النبي علبه السلام وخراب بلداننا وسيرها بعزم نحو الهاوية ...و الله غالب على أمره...

*إعلامي مغربي و أكاديمي متخصص في الاقتصاد الصيني و الشرق آسيوي .

أية اعادة نشر من دون ذكر المصدر ايلاف تسبب ملاحقه قانونيه

أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في أخبار