GMT 5:13 2017 الخميس 10 أغسطس GMT 22:54 2017 الجمعة 11 أغسطس  :آخر تحديث

تقسيم العراق نهاية حتمية

عمر الخطيب

نحن كعرب لدينا حساسية من اي تقسيم او اضعاف لأي دولة عربية ذلك اننا رضعنا نظرية المؤامرة منذ نعومة اظفارنا، والحقيقة التي يجب ان تُقال هي ان الاستعمار البريطاني والفرنسي سعى في بداية القرن الماضي للسيطرة على التركة التي خلفتها الدولة العثمانية من خلال تقسيم الاراضي العربية التي كانت محتلة من قبل الاتراك كي يسهل على بريطانيا وفرنسا السيطرة على تلك المناطق.
اما كيف تم تشكيل تلك الدول فهو قصة بحد ذاته، وخاصة العراق، اذ عمدوا الى جمع ثلاث مكونات كبيرة في دولة واحدة واسموها العراق، واصبح العراق يتكون ديموغرافيا من ثلاث مكونات تفتخر بنفسها وتعتز بأرثها العرقي والديني وترفض ان يسيطر عليها من هم ليسوا من نفس الارث الثقافي والديني والعرقي.

في العلوم السياسية يعكف الباحثون على دراسة عوامل النجاح في دول العالم المختلفة ويحاولون دراسة التجارب الناجحة ومقارنتها مع التجارب الفاشلة محاولين فهم لماذا هناك دول ناجحة واخرى فاشلة، وتمت كتابة ونشر مقالات علمية سياسية عديدة عن اهمية التنبه ان التجانس الديموغرافي هو احد عوامل الاستقرار والنجاح للدول، ليس في العالم الثالث وحسب بل وحتى في العالم المتحضر. والدروس المستقاة من تقسيم يوغوسلافيا لاتزال ماثلة امامنا اذ لم تستطع المكونات الثلاث من تحمّل الاخر المختلف احيانا بالدين واحيانا اخرى بالعرق، وكأنك ترى قصة العراق لكن ليس في اسيا بل في اوربا، وراح ضحية تلك الحرب الاف المسلمين والقليل من الكروات والصرب، بالرغم من تحالف الكروات المسيحيين مع البوسنيين المسلمين، ولم يستطع ان يحل تلك المشكلة الا ماما امريكا بالطبع!

بالنسبة للعراق فأن الانكليز عندما صنعوا دولة العراق جعلوها ملكية دستورية ونصّبوا عليها ملكا من ال البيت وفي نفس الوقت من اهل السُنة، وعمدوا الى المساعدة في انشاء احزاب سياسية وحاولوا تعليم العراقيين الية العمل الديمقراطي الا ان الانكليز لم يكونوا واضحين جدا في نقل قاطرة العراق الجديد على سكة الديمقراطية بل اكتفوا بالتفرج على مختلف الاحزاب السياسية التي تم تكوينها انذاك، وكانت نوعا ما واعدة في خططها وطموحاتها واهم شيء فيها انها كانت علمانية بمجلمها، والا لما كان للعراق الملكي ان يستمر لسنين من 1921 ولغاية 1958 عندما اقدم الضباط الاحرار على قتل الملك وعائلته بطريقة بربرية تُذكّر بالطريقة التي قُتل بها جدنا الحسين بن علي رحمه الله في موقعة كربلاء، ولا الوم العراقيين بل الوم الملك الذي كان ساذجاً لدرجة كبيرة ولم يتحسس الخطر قبل وقوعه.

ثم تواترت حكومات علمانية على العراق الجمهوري ولم تكن تساند طرف من مكونات العراق ضد الاخر بل كان الميزان هو الولاء للدولة، الا انه علينا ان نفهم ان البعثيين كانوا قوة جبارة في العراق وكان حزب البعث يتكون من مختلف مكونات الشعب العراقي اثنيا ودينيا ومذهبيا الا ان الصدفة وحدها جاءت بأناس من اهل السُنة ليكونوا على رأس الهرم في حزب البعث العراقي، كما جاءت بشيعة علويين في سوريا، ولم يكن هناك طموحات طائفية لدى الشيعة البعثيين واعرف الكثير منهم وهم من خيرة ابناء الشعب العراقي وكان ولائهم للدولة العراقية مئة بالمئة.

عندما قرر بوش الابن غزو العراق وتدمير اهم دعامة للأستقرار في الشرق الاوسط والتي كانت تقف بوجه الاطماع الايرانية، احس فيما بعد انه ارتكب فعلا فاحشا في حق شعوب الشرق الاوسط العربية من خلال كسر الباب الذي كان موصدا بوجه النفوذ الفارسي لقرون عدة. احس اهل السُنة وقتها بأنهم جزء لايتجزأ من الشعب العراقي وان عليهم ان يكونوا جزءأ من العملية السياسية الا انهم فوجئوا انهم يعاقبون على كل الارث السياسي السابق واتبعت ذلك الحرب الاهلية التي اعقبت تفجير المرقد العسكري في سامراء، والذي قال الجنرال الامريكي المسؤول عن العراق ان بصمات طهران واضحة فيه، وخسرت انا شخصيا في تلك الايام العسيرة المظلمة، اثنين من ابناء خالي وكانا بعُمر الزهور ولانعرف الى الان اين دفنوا ثم اعقبهم اثنان من ابناء عمومتي وهكذا ولاتزال الامور في العراق خارج السيطرة، لا اقول تحت مرئى ومسمع الدولة بل اقول ان الدولة غير قادرة على ضبط الاوضاع وهذا ماقاله النائب الشيعي فائق الشيخ علي عندما علق للصحفيين وقال "لايوجد قانون في العراق".

لن ادخل في التفاصيل ولكن سأقول بتجرد ان اهل السُنة لم يعودوا يشعرون انهم مرحب بهم في بلدهم العراق لذلك هناك رغبة حقيقية لدى الطائفة السنية في العراق من الانفصال وبناء دولة مدنية حديثة بعيدا عن الحشد الشعبي او عصائب اهل الحق ولايخفى على احد ان في العراق يوجد مايقرب من مئة فصيل "اسلامي على الطريقة الايرانية" واغلبها خارج سيطرة الدول.

هنا اود ان اسأل العالم سؤالا واحدا وهو بالله عليكم، عن اي عراق واحد تتحدثون، ادخلوا الى مواقع التواصل الاجتماعي واسمعوا الاتهامات بين مكونات الشعب العراقي "الواحد"، لقد وصل الوضع الى حالة لاتطاق وبلغ السيل الزبى، وحقيقة ارى انه من الافضل للجميع ان يتقسم العراق الى ثلاث اقسام كردي وسُني وشيعي وانتهى الامر، والاهم هنا هو ان يتولى الامور في مناطق السُنة شخص مثقف ومن عائلة معروفة وله بعد عشائري يُبعد عنه اولاد الحرام من القتلة والمجرمين فلا يستطيع احد ان يقتله كما قُتل ابو ريشة من قبل. بالاضافة الى انه بهذه الطريقة سيأمن الشيعة على مناطقهم ولايقولوا اننا ان اعطينا السُنة دولة فأنهم سيعودون ويسيطرون على مناطقنا من جديد، لاننا "اي العرب" ان استثمرنا في القيادة السُنية الجديدة المثقفة فأننا نحمي جميع مكونات العراق من مستقبل مجهول، الا اذا كانت الخطة هي ان يتغير العراق ديمغرافياً وهذا ماتسعى اليه ايران ومن معها وهذا مالن يحصل حتى لو طحنت ايران نفسها طحناً.

بالنسبة للسياسيين السُنة فهم جزء من منظومة لم تنجح في ادارة دفة الامور نحو مستقبل واعد ومزدهر كما كانت الوعود، وسأذكر امراً في غاية الاهمية. بعد سيطرة داعش على المناطق السُنية التقت شبكة السي ان ان الامريكية ببعض السكان السُنة وسئلوهم عن رأيهم بداعش فقالوا "في البداية اعجبتنا فكرة ان نعيش بعيدا عن النفوذ الايراني ومليشياته الا ان داعش بدأت بقتل الناس وهنا بدأنا نعرف حجم المصيبة، مع اننا لم نساند داعش للسيطرة على مناطقنا بل طلع علينا الصبح فوجدنا مناطقنا تحت سيطرة داعش، وفر الجيش العراقي الذي اغلب منتسبيه من الجنوب العراقي". هذه الاجوبة تبين بشكل واضح ان اهل السنة في العراق مع الانفصال الكامل وفك الارتباط بأيران ومليشياتها ولما كان العراق لايزال دولة متخلفة في جميع المجالات بسبب سياسة الانغلاق السياسي والاقتصادي التي بدأها صدام ولازالت قائمة ذلك ان نظرية الحكم الحالية لاتختلف كثيرا عن افكار البعث الصدامي لان النظام الايراني بدائي في فهمه للاقتصاد وللسياسة العالمية ويتضح ذلك من العنتريات التي لايحيد عنها وتسببت بتجويع الشعب الايراني، ويدفع الشعب العراقي فاتورة كبيرة من فواتير ايران بأعتباره تحت الوصاية الايرانية بفعل المليشيات التي تدعمها ايران في العراق.

هناك تخوفات بالتأكيد من ان المناطق السُنية ليس فيها مايكفي من الموارد كي تدفع رواتب لموظفي الدولة هناك ولكن الذي لم يفهمه هؤلاء ان الانبار لوحدها فيها من الغاز والفوسفات والموارد الاخرى مامن شأنه ان يجعل مملكة الانبار من اغنى الدول العربية التي على الاقل ستكون ملجأً يستطيع العراقيين المنتشرين في الدول العربية بدون اي حماية من رعاية صحية او ضمان تقاعد بالاضافة الى الاقامات التي تتجدد كل عام ولايعلم هؤلاء العراقيين ان كانت اقاماتهم ستتجدد في العالم المقبل ام لا، فأرى انه حان الوقت ان نسعى الى اعطاء اهل السنة حقهم في الانفصال وحق باقي ابناء الشعب العراقي من العودة لهذا الجزء من العراق لانه ببساطة سيكون تحت سلطة القانون ولن يكون فيه لا ميليشيات ولا قلة خدمات وكذب ودجل وتسويف ووعود لن تتحقق حتى تقوم الساعة.

أية اعادة نشر من دون ذكر المصدر ايلاف تسبب ملاحقه قانونيه

أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في أخبار