GMT 5:35 2017 الأربعاء 30 أغسطس GMT 5:37 2017 الأربعاء 30 أغسطس  :آخر تحديث

الجاحظ والبخلاء

إبراهيم أحمد

كلما ضج بي الإحباط والحزن، أراني أقطع مئات ومئات السنين، وآلاف الكيلومترات لألتقي الجاحظ في البصرة، فأهنأ بمجلسه، واستمتع بحديثه الهادئ العميق. رأيته هذه المرة يجول في السوق الكبير، في يده زنبيل صغير من الخوص، تفوح منه رائحة خضر، وفاكهة طازجة. بادرني القول:

ـ أهلا بصديقي القادم من بعيد،أخشى أن ما تلقاه عندنا لا يستحق عناء سفرك!

ـ كيف يا معلمي، وأنت روح البصرة وبلادنا كلها، تجمع لديك ما لديهما من فكر وشعر وجمال!

ضحك بأسى:

ـ ما تركناه أمانة في أعناقكم!

سرنا قليلا وانعطف بي إلى دكانه في سوق الوراقين. تناول زيرا صغير مملوءا بالماء، وراح يرش الأرض المقابلة للباب دافعا حر صيف قائظ شديد الرطوبة هذا العام. جلسنا على دكة من الحجر كحدوة حصان، عليها منادر. بادرته:

ـ ما آخر أخبار بخلاء عصركم؟ هل أضفت إلى ما قرأنا جديدا؟

افتر ثغره ووجهه الأسمر عن ابتسامة عريضة:

ـ ربما ألحقه بجزء آخر إذا سمح لي الموت بذلك.

صمت برهة ثم أدار بصره الذي لا زال حادا رغم كبره :

ـ قبل قليل رأيت بخيلا مقرفا لكنه أضحكني! كنت أعرفه، يكنز الكثير من الذهب والفضة، لكنه يقضي النهار في السوق ينتظره أن يركد ويخلو من المشترين ليساوم الباعة على فاكهة أو خضر تالفة لم تبع، ليأخذها مجانا أو بثمن بخس. حين اقترب من بضاعته الرديئة، وأوشك يأخذها، تقدمت من البائع قائلا:

ـ كلها لي بثمنها الأول!

فأسقط بيد البخيل فقال حانقا:

ـ ويحك لحقتني على التالفة!

قلت له على الفور:

ـ ويحك، لحقت نفسك وأهلك بها قبلي!

ثم عفتها له رحمة بعياله!

فضحكت، قائلا:

ـ يبدو أن حال بخلائنا صار أتعس، فقد لحقهم جشع وطمع!

أنتفض الجاحظ :

ـ أفظع ما يخرب النفوس أن يجتمع لديها البخل والجشع، ونسيان الموت، بذلك تصير الأفعى بعقل بشري!

تذكرت حال بخيل لدينا أعرفه أيضاً، قلت:

ـ هذا ما لمسته من بخلاء زماننا، بخلهم يستعر بقدر ما يغرفون من خيرات زماننا وقد زادت في عالمنا قياسا لعالمكم!

قال الجاحظ وهو ينزل العمامة البيضاء من رأسه وقد سال عرقه، مبتغيا نسمة باردة:

ـ جعلتني في لهفة لمعرفة شيء عنهم!

خطر لي أن أحدثه عن لصوص زماننا؛ فاللصوص بخلاء أيضا.صاروا كجهنم كلما ألقوا في جوفهم يصيحون هل من مزيد. لكنني وجدت حديثهم يطول. تهيبت، كيف أتحدث عن البخلاء وأنا في حضرة سيد العارفين بالبخلاء، نفوسهم، وطباعهم، ونوادرهم! لكنني رحت أحدثه عن بخيل جشع في السويد أضحكني أمره وحيرني في لغزه وإيحائه:

ـ دخل حياتنا ما لم يكن معروفا ولا متوقعا في زمانكم، اجتاحتنا مخترعات ربما لو رآها أهل زمانكم لقالوا أننا سحرة ومشعوذون، فهم صاروا يفتحون صدور المرضى ويضعون داخلها ما يشبه الملائكة الصغيرة من الذهب أو معدن أنفس، تنظم نبض قلوبهم العليلة، وقد ركب السويدون لقلب بخيل منا ملاكا يبلغ ثمنه بعملتكم آلافا من القطع الذهبية، وعلى حسابهم! رغم أنه كما أعرف بثروة طائلة، وما كان ليجود على نفسه بذلك حتى لو مات في لحظته! فهو حفيد ذاك البخيل الذي أدركته أنت اليوم في السوق! وقبل أيام حدثني صديق له أنه بعد أن عرف ثمن الجهاز، سأله:

ـ أتعرف في البلاد العربية مستشفى يستبدل هكذا أجهزة بأخرى من معدن أرخص ثمنا؟

قلت لهذا الصديق:

ـ إنك تتجنى عليه، وتبالغ، ربما كان يمزح!

قال :

ـ البخيل لا يمزح، لقد أكد لي إنه يريد أن يستبدل الجهاز، ليشتري بفرق المبلغ أسهما في شركة نفط يضيفها لأسهمه الأخرى، وقد وعدني بهدية مناسبة؛ لو حققت له ذلك!

ضحك الجاحظ قائلا:

ـ لا تستغرب ذلك، فالبخيل بلا قلب! لم أصل برسائلي عن البخلاء هذا الحد من البلاء! كنت أظن أن البخل سيخف في أجيالكم حين تزداد خيراتكم، وتدركون حقيقة الموت، وكيف يفقد كل شيء ما نتصوره عن قيمته، لكنه بلغ عندكم العجب أيضا!

قبلته من جبينه الأسمر الداكن كلوح الشوكلاتة، قائلا:

ـ لا تقلق يا أبا عثمان، لدينا كرماء كثر أيضا!

عدت من رحلتي الطويلة، وبي رغبة أن أتصل بصديقي لأسأله هل رافق الرجل في رحلة لاستبدال جهاز القلب؟ وهل أعطاه هديته إذا ظل على قيد الحياة؟

أية اعادة نشر من دون ذكر المصدر ايلاف تسبب ملاحقه قانونيه

أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في أخبار