GMT 6:10 2018 السبت 24 مارس GMT 21:23 2018 الإثنين 26 مارس  :آخر تحديث

الثوابت القومية

حسن العطار

لكل أمة من الأمم على هذه الأرض ثوابت قومية تصور ملامح شخصيتها التي تعرف بها بين الشعوب الأخرى، وتحدد بدقة ابعاد هويتها الحضارية وتشرح بأمانة وإخلاص عقائدها التي تؤمن بها وتنطلق منها، او تبشر بأخلاقياتها وقيمها وتقاليدها وشرائعها على المستويات كافة بدءا من الأسرة والمجتمع الى العلاقات الدولية.

الثوابت القومية عند الشعوب الأوروبية ترتكز على دعامتين أساسيتين هما: العلمانية والديمقراطية. العلمانية تعني فصل الدين عن الدولة، والديمقراطية تعني الفصل بين السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية، وحقوق الانسان وحرية الرأي والتعبير وتشكيل الأحزاب السياسية على أسس وطنية ومبدأ التداول السلمي للسلطة وسيادة القانون.

هذه الثوابت تعد من المقدسات عند الشعوب الأوربية حيث تتوحد الاحزاب السياسية والجماهير الشعبية للدفاع عنها في حالة المساس بها، وقد تجلى هذا الدفاع المستميت في مناسبتين بداية القرن الحالي.

الأولى: عندما صعد النمساوي "يورج هايدر" الزعيم السابق لليمين المتطرف في أوروبا الى قمة الهرم السياسي وكاد ان يصبح مستشارا للنمسا أواخر القرن الماضي، حينها هبت كل القوى السياسية والمجتمعية في انحاء أوروبا للإطاحة به خوفا من أفكاره اليمينية المتطرفة المعادية للعلمانية والديمقراطية.

الثانية: عندما وصل الزعيم الفرنسي اليميني المتطرف "جان ماري لوبان" الى الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية في شهر ابريل من عام 2002م هازما بذلك "ليونيل جوسبان" الزعيم الاشتراكي ورئيس الوزراء آنذاك. حينها صدرت الأوامر لجماهير الحزب الاشتراكي بالتصويب لصالح الرئيس وقتها "جاك شيراك" - ليس محبة له – ولكن لسد الطريق امام أي احتمال لفوز الزعيم اليميني وحماية للثوابت القومية.

أما بالنسبة الى الشعوب العربية، ففي اعتقادي الشخصي ان الثوابت القومية تقوم على دعامتين رئيسيتين هما: الإسلام والعروبة.

الإسلام: هو الذي رفع شأن العرب وعرف بهم الأمم الأخرى باصطفاء الله (جلت قدرته) خاتم الأنبياء والرسل من بين ظهرانيهم، وتخليد لسانهم (أي لغتهم) في القرآن الكريم. وكان العرب في الجزيرة العربية قبل الإسلام قبائل متفرقة ومتناحرة تبحث عن رزقها فتجده بسهولة او صعوبة. اما بعد ظهور الإسلام فقد تبدلوا خلقا آخر بعد ان خرجوا من الظلمات الى النور.

الإسلام لم يجعل من العروبة قومية خاصة وانما جعل منها دائرة واسعة فسيحة الارجاء استوعبت الكثير من القوميات وانضوى تحت لواءها الكثير من المؤمنين الذين تركوا بني جلدتهم وآثروا هذه القومية الجديدة. ان النزعة الإنسانية في المجتمع العربي الذي تشكل مع ظهور الإسلام تعود الى إنسانية الرسالة الإسلامية وتطلعها الدائم الى استيعاب عناصر بشرية مختلفة النسب واللون واللسان، ولا شك ان المجتمع العربي قد ازدهر بسبب هذه النزعة الإنسانية النبيلة، وما من نشاط علمي او فكري او ادبي برز في المجتمع العربي وعلا به قدره إلا كان للكثير من غير العرب الفضل فيه.

العروبة: لقد ارتبطت العروبة والإسلام منذ امد بعيد في حضارة واحدة وتاريخ مشترك، وشعر العالم بهذا الرباط المتين الجامع بحيث أصبح من المستحيل تصور الإسلام من دون العرب الذين آمنوا به وعملوا على نشره في ارجاء المعمورة. كما لا يمكن تصور العروبة من دون الإسلام الذي أعلى من شأنها وجمع شتاتها. ومن المسلمات القطعية التي هي من ثوابت الثقافة المشتركة بين المسلمين امتزاج الإسلام والوحي باللغة العربية واستحكام الوشائج بين العرب والإسلام حتى أصبح يعرف بهم ويعرفون به.

ويؤكد باحثون كثيرون ان الامة العربية هي الامة الوحيدة من بين كل الأمم الإسلامية التي لا يصح التناقض فيها بين الإسلام كدين والانتماء الى العروبة كقومية، فهي الامة الوحيدة التي اوجدها الإسلام ولم تكن موجودة قبله.

هناك جدل يدور في المجتمعات العربية حول العلاقة بين الإسلام والعروبة واعتزاز العرب بقوميتهم العربية، وهناك الكثير من العرب المنتمين الى الأحزاب السياسية الإسلامية من يرى هذا الاعتزاز بالقومية العربية نوعا من التعصب غير المحمود، ناسين او متغافلين عن الحقيقة ان كل شعوب العالم تعتز بقوميتها وتدافع عنها وهذا من حقهم بلا شك، كما هو حق مشروع للعرب شريطة ان يكون هذا الاعتزاز من غير تعصب او استعلاء على القوميات الأخرى.

لذلك، أقول الى الإسلاميين: لا تغالوا في دينكم ولا تبخسوا قوميتكمالعربية حقها بعد ان شرفها الله (جلت قدرته) بخاتم رسالاته ورسله وأنبياءه وحفظها في كتابه. وأقول الى العروبيين: لا تبخسوا دينكم الذي اعز الله (سبحانه وتعالى) به قوميتكم وشرف به لغتكم. الإسلام والعروبة دعامتا هذه الامة ومرتكزيها الروحي والفكري ويجب ان يوضعا في اطارهما الحضاري السليم لصياغة المعنى الصحيح لمفهوم القومية العربية ولتلافي أي حساسيات سلبية قد تؤثر في الوحدة الوطنية والنسيج الاجتماعي.

آخر الكلام: ليس عيبا ان يفتخر الانسان بقوميته، بل من الواجب ان يفعل ذلك، ولكن العيب ان لا تحترم القوميات الأخرى او تنظر لها بدونية.

أية اعادة نشر من دون ذكر المصدر ايلاف تسبب ملاحقه قانونيه

أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في أخبار