GMT 7:35 2018 الأحد 20 مايو GMT 7:39 2018 الأحد 20 مايو  :آخر تحديث

الكرسي العالي

إبراهيم أحمد

ثمة كرسي ذهبي براق ، ما أن يجلس عليه أحدهم حتى تتحول عجيزته وعلى الفور إلى كتلة جذور وعروق تبدأ تنمو وتتمدد ، تخترق خشبه ومساميره وتأخذ تشق طريقها إلى أعماق الأرض! تستحكم بصخورها وقبورها وأشباحها ودهاليزها المظلمة!

فلا الرجل يستطيع فكاكا من كرسيه ،ولا الريح عاتية أو رخية تستطيع خلعه عنه!

بعد أن تمسك الجذور أعماق الأرض تبدأ تنموا ثانية لتخرج فوق السطح وتأخذ تلف نفسها حول أعناق الناس تجرهم إلى قبورهم قبل الأوان، أو تحني رقابهم، هيهات لهم أن يروا النجوم أو القمر أو حتى أحبتهم وأصدقائهم، بينما تتحول السماء عادة إلى سحابة من الكآبة الدائمة!

يترهل الجالس على كرسيه، يشيب رأسه ويتساقط شعره،وتأخذ يداه ورجلاه بالارتعاش، يسيل لعابه ، وتتفاقم شهواته، يجلب له أعوانه الفتيات العذراوات المنذورات حتى لو كن في معابد سومر أو في حجرات الأهرامات، يحقنونه بسوائل من خصية الذئب الروماني، والثور الاشوري المجنح! يملئون معدته وأمعائه ذهبا وخمرا وخطبا رنانة!

وما أن يتجشأ أو يرسل ريحا ،حتى تتهاوى مدن في البحر ، وبشر إلى الجحيم! عبثا يحاول البعض تذكيره بماضيه ، أنه كان يوما ثوريا طالما صدع رؤوس الناس بشعاراته، أو تقيا ورعا ضجت المحاريب من صلواته ودعواته!

فهو فقد ذاكرته وأستأصل مع الزائدة الدودية ضميره وعقله، عبثا يحاول الناس قطع جذوره الممسكة برقابهم، عبثا خلاصهم، كأنه المستحيل!

ثم تأتي ومضة واحدة! قدحة لتشعل سيجارة، أو جسد إنسان يائس ، حتى يجد الناس أن الجذور الممسكة برقابهم وأنفاسهم قد خاست ، تفسخت وتحللت، أكلتها شهية عميقة في الأرض يصعب أدراك كنهها، لكنها تتجلى عادة في توهج شجرة التفاح بأغصانها الغضة، وتهاوي الأسلاك الشائكة حولها!

ينهض الناس يكنسون ذلك الكرسي الهائل مع القمامة!

لكن ياللفجيعة! ثمة نجار يصنع التوابيت عادة يبدأ بصنع كرسي آخر يشبهه تماما، فقط أنه أقل تزويقا وبهرجة، وأقل كسوة من ذهب ومجوهرات!

أية اعادة نشر من دون ذكر المصدر ايلاف تسبب ملاحقه قانونيه

أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في أخبار