GMT 8:00 2008 الثلائاء 30 ديسمبر GMT 9:46 2011 السبت 12 فبراير  :آخر تحديث

الحرية مذهب "إيلاف"... واحترام المقدسات والكرامات

إيلي الحاج

 حول مناقشة تجربتها مع "التابو" السياسي والديني والإجتماعي
الحرية مذهب "إيلاف"... واحترام المقدسات والكرامات
 
 

إيلي الحاج:  أتاحت "إيلاف"

الزميل إيلي الحاج
لقرائها وأصدقائها على مدى أيام بدءاً من 28 تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي المشاركة في مناقشة حول رؤيتهم إلى تجربتها مع ما يعتبر في العالم العربي المحرمات أو المحظورات ("التابو" بالجمع)، سواء تعلقت بالسياسة أم الدين أم المفاهيم الإجتماعية بمختلف أشكالها. لم يكن الأمر إستفتاء فليس هذا الهمّ، خصوصاً أن الإستفتاءات يمكن أن تذهب نواحي اللاجدوى منها لأسباب متعددة، أبرزها أن الأكثرية قد لا تكون على حق أحياناً كثيرة، وأن التكنولوجيا لم تتوصل بعد إلى ضبط المشاركات المتعددة بأساليب مختلفة،  بل كان المقصود التفاعل وإستفزار الأفكار ومحاولة رؤية الذات في عيون الآخرين، جرياً على ما يفعل المرء في بيئته أحياناً مع قريبين أو بعيدين منه، على أمل إستخلاص عِبَر أو نتائج إيجابية تترجم تحسيناً لما هو حسن إذا وُجد، وتصويباً لما هو خطأ إذا وُجدَ ايضاً .

الإستنتاج الأول الذي يخرج من يتمعن ملياً في المساهمات- التعليقات التي وصل عددها إلى 106  إن "إيلاف" تحمل رسالة يتعذر على كثيرين فك حروفها وكلماتها لسبب بسيط هو إنها خلافاً لما ذهب إليه بعضهم لم تعلنها بل مارستها، وذلك من يوم صدورها الأول على شبكة الأنترنت ذات 21 أيار (مايو) 2001، كأول جريدة إلكترونية تلاحق الأحداث وكل جديد على مدار الساعة. صحيح إنها استخدمت الأسلوب الدعائي لنفسها كما تفعل أي وسيلة إعلامية أو شركة تروّج لمنتوجها سعياً إلى مزيد من تسويق، غير أنها تركت للقراء والأصدقاء أن يتكهنوا ويكتشفوا شيئاً فشيئاً ماهيتها الحقيقية من خلال الإطلاع اليومي والمتابعة أكانت متابعة دؤوبة أم على تقطع .

ذلك إن رسالة "إيلاف" هي من أنواع الإيمان الذي تختلف وسائل الناس في التعامل معه والتعبير عنه ، بل بالأحرى هي شخصيتها في عمق وجدانها. فبعضهم يعرض على الآخرين نفسه ويستعرضها ويظهر ما عنده من أفكار ومشاعر واعتقادات  للتأثير في الآخرين وجذبهم إلى رؤيته وموقفه، أو للدفاع عنهما في وجه ما يعتقد أو يشعر أنه يهددهما . وبعضهم يستخدم الأسلوب الإقتحامي في علاقاته بالآخرين، واضعاً أمامهم خياراً من خيارين: إما رفضه وإما قبوله. ولا مكان لحلول وسطى .

يختلف الأمر مع "إيلاف". فهي تركت لقرائها وأصدقائها  أن يتعرفوا إليها  مع الوقت من سلوكها، تاركة لهم تلمس مذهبها في الصحافة، ومنحتهم  ملء الحرية والحق في الكلام والمشاركة وإبداء الرأي، بشرط بديهي هو ألا  يتعرضوا بإساءة  إلى  مقدسات أو كرامات . وإذا حصل أن شرد مقال أو تعليق في هذا المنحى فإنها الأسبق إلى الإعتذار من المعني به، من غير خلفيات ولا شعور بمهانة، فالخطأ من طبيعة البشر عندما يعملون ووحده  من لا يعمل لا يخطىء. وإذا كان الخطأ يتسلل حتى في الوسائل الإعلامية المطبوعة وغير المطبوعة الشديدة المركزية، فكيف بالحري في وسيلة إعلامية يتوزع مكتبها التحريري على أرجاء المعمورة ؟ في هذه الحال يبقى التعويل على النيّة و"إيلاف" لم تنوِ يوماً تدبير إساءة، وإلا لما كانت السباقة إلى فضيلة الإعتذار النادرة في صحافتناالعربية.

عنى هذا الأسلوب إن هذه الصحيفة الإلكترونية أرادها من أطلقها ورعاها أشبه ما تكون بمقهى يلتقي فيه الناس من مختلف المشارب والأهواء والإعتقادات والإنتماءات يعبرون فيه عن أنفسهم وتطلعاتهم وأفكارهم ونظرتهم إلى كل الأمور،  سواء أكانت مصيرية أم ثانوية جداً بكل حرية. وبلا قيود على هذه الحرية إلا قيود الإحترام للآخر ورأيه . وطبيعي أن فسحة كهذه في ظل أنظمة القمع البوليسي العربي المتعددة الوجه تجتذب إليها بالأكثر المقموعين والمهمشين في بلدانهم بسبب من عدم توفير الإمكانات لهم ليعبروا عن أنفسهم . وليست صحيحة على الإطلاق مقولة بعضهم الواردة في عدد من المساهمات إن "إيلاف" علمانية ومتزمتة تماماً كما ليس صحيحاً إنها منبر للمتشددين. فهي لهؤلاء وأولئك على السواء.

لكن الحاصل إن عدم توقفها عند قيود الإعلام المطبوع الخاضع للرقابة في البلدان العربية سواء في المواضيع والصور، لا سيما الفنية منها، يدفع كثيرين إلى الإعتقاد أنها ذات مذهب معين، في حين أن لا مذهب معيناً لديها على الإطلاق إلا الحرية والإحترام لكل المذاهب والآراء وأصحاب الآراء، على ألا تذهب إلى التدمير والإساءة إلى إنسانية الإنسان وكرامته ، إيا يكن هذا الإنسان . تنشر "إيلاف" بناء على هذا الموقف الصارم لمتشددين ولنقيض المتشددين، ولا تتهاون مع الخبر غير الصحيح إنطلاقاً من سعيها إلى تعميم قاعدة  أن "الخبر لديها مقدس أما الرأي فحر". لذلك تحض مراسليها باستمرار على نقل أكثر من وجهة نظر واحدة، رغم كل الصعوبات في عالم عربي مسيّس إلى اقصى حد ومأزوم وإنفعالي بما ينعكس على كل وسائل الإعلام وتكاد لا تفلت من إنعكاساته أي منها. 
الإستنتاج الثاني الذي يخرج به المتمعن في المساهمات – التعليقات أن كثرة منها عبرت عن إنطباعات فحواها إن "إيلاف" تقف عند حدود "التابو" السياسي ولا تتخطاه عندما يتعلق الأمر بدول خليجية . يهمل أصحاب هذه الإطباعات الظالمة  واقعة حسية لا يمكن الهرب منها وهي  إن "إيلاف" ممنوعة بأساليب مراقبة الإنترنت الحديثة في البلدان المقصودة بالإنتقادات . ولو كانت في خدمتها فعلاً كما يدعي الداعون لما كانت سلطاتها حجبتها عن جمهورها.

مع ذلك نظل نؤمن بأن الحرية حق ولا تُحجب ونتصرف وفق هذا الإيمان.

أما القول بأن "إيلاف" تجاوزت حدود تقبل الإنسان العربي في تخطيها لمحظورات الدين والجنس فترجمته إن اصحاب هذا القول يضعون حدوداً ضيقة جداً لكل ما حولهم بما يجعل الحياة صعبة في  عصر تتوسع فيه الأفكار وتنفتح وتضع كل شيء على بساط البحث. كما أن اصحاب هذا الرأي يتجاهلون واقع التضاد الذي تعرضه "إيلاف" لقرائها من غير أن تفرض عليهم شيئاً . فمن لا يرتاح إلى صورة يمكنه ألا يفتحها ومن لا تعجبه مقالة فليكتب وليرد عليها و"إيلاف" تنشر. أما موقف الوصف السلبي الذي يليه رفض للتفاعل فهو كذلك رؤية بعين واحدة. وهو أيضاً رفض للآخر المختلف ومحاولة قمع.

يبقى السؤال: هل نجحت تجربة "إيلاف"؟ ليس بعد . ليس تماماً . لكنها تجربة تتقدم بلا توقف وتصلح نفسها بنفسها وبقرائها وأصدقائها الذين يبقون المعيار ومرآة الذات الصافية. ولا كمال إلا لله .


أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في