GMT 0:00 2009 الإثنين 11 مايو GMT 5:29 2010 السبت 20 نوفمبر  :آخر تحديث

العمير: لا تكرروا غباء لويس السادس عشر

إيلاف
عثمان العمير يلقي كلمته

قبل ثلاثة أعوام أو تزيد، استضفتُ في دارتي في مراكش الحمراء الجميلة، أخي وصديقي وزميلي، المرحوم الاستاذ أحمد الربعي، السياسي والكاتب، الذي فقدناه في عز الأوقات، وأخذته في جولة على الدار، حتى دخلنا بيتا صغيراً، وفجأة لمحنا معا حركة لا تهدأ في البيت. رأينا عصفورا صغيرا، ينتقل من جدارٍ إلى جدار، ومن زاوية إلى زاوية، ومن أعلى إلى فوق. كان حبيسا يريد الخروج. انشغل المرحوم الجميل، وأنا، في فتح الأبواب، وتشريع النوافذ، وكدنا أن نجثو على أقدامنا نستعطفه ليرى طريق الحرية. بعد دقائق مرت علينا كالموت، خرج الطائر الجميل... وتنفسنا الصعداء!

لا اعرف كيف كانت مشاعر ذلك العصفور، وكم كان حجم امتنانه من عدمه. أما الراحل الجميل، وأنا، فقد شعرنا وكأننا حررنا شعبًا من الطيور. تذكرت ذلك الطائر، واللجنة المحترمة تطالبني بورقة عمل عن الفارق بين تجربتي كرئيس تحرير ورقي ورئيس تحرير انترنتي، فذلك الطائر هو أنا، بل وكل الزملاء الذين يعيشون التجربتين وعاشوا التجربتين!

 رئيس تبرير.. لا رئيس تحرير 
لقد بدأت ممارسة مهام رئاسة التحرير ولم اتجاوز بعد الثالثة والعشرين، كان رئيس تحرير "الجزيرة" الزميل خالد المالك يعهد لي بالجريدة أياما وأسابيع، وأحيانا يستدعيني من مقامي في لندن والنتيجة: إحالة الجريدة قاعا صفصفا من المشكلات والأزمات.

في الثامنة والعشرين، استدعيت لرئاسة تحرير جريدة "اليوم" السعودية، وظللت حبيسًا ثمانية أشهر حسوما، حتى قررت إطلاق نفسي، بنفسي، والعودة إلى لندن.

عام 1985 صرت رئيسا لتحرير "المجلة"، وبعد عامين "الشرق الأوسط" حتى سبتمبر 1998 حين تركتها كالطائر المراكشي!

في تلك السنوات، كنت اطلق على نفسي وصف رئيس (التبرير)، لا رئيس التحرير، إذ كنت طوال وقتي، كما هو حال رؤساء تحرير الورق، أنشغل بتبرير جريمة لم يرتكبوها، او مادة لم يأثموا بقرائتها.

كرئيس تحرير، كان أمامك 21 رقيبا وحسيبا. وبالطبع حَسُن حظي انني مررت بمراحل تاريخية في الصحافة، سواء كانت طباعة أو صفا أو تطورا نوعيا، اذ كلنا يعلم أن تطور الصحافة الكبير لم يبدأ إلا في نهاية الستينات وبداية السبعينات، وما عدا ذلك كانت الطباعة والصف مثلما كانت في القرن الخامس عشر الميلادي.

إن الحياة داخل جريدة ورقية مثل الإبحار بسفن عابرة للمحيطات، تظل عشرات الأسابيع وربما الأشهر، مما تثمر عن مواقف حياتية وعشرات التجارب والقصص والأحزان والمخاطر ومكاشفة الناس على بعضهم البعض، وفي نهاية الرحلة قد تغرق سفن، وتعيش سفن، يذهب بشر، ويعود، في القليل، بشر!
 
وليس في التجربة الصحافية الورقية مشكلات نشر، وحرية، وعوائق صحافية، وعقوبة وسجن، بل إن العمل داخل الجريدة مع نماذج بشرية متنوعة يعد في حد ذاته من المناطق المعشوشبة بالألغام.

ولأنني لست كعمنا الشاعر أبو الطيب المتنبي، يغادر شيبه باكيا حتى لو كان ذاهباً الى الصبا لانه خُلق ألوفا، فقد ذهبت إلى هذا الفضاء العنكبوتي العجيب من دون أسف، ولا يأس، ولا رغبة في العودة، ووجدت فيه ملاذا حقيقيا لكل ما يطمح إليه الإنسان على مر العصور. والحق انني لست وحدي من يشعر بهذا الشعور وتلك الصوفية المخمورة بالعرفان لمن فتح لنا الأبواب دون غيرنا من البشر الذين عاشوا قبلنا الاف السنين.

فما حدث كان اكثر من منعطف، بل حركة تطهيرية مرت على البشرية.

فانت لا تجد امامك حدوداً، ولا اسوارَ، ولا مقابض فولاذية.

ان تفتش عن كلمة ولا تحتاج الى معلم. ان تبحث عن معلومة ولا تهتف لبروفسور. أن تطل على هذا السماء من كوكب كوني اخر ولا جندي يمسك بتلابيك.

لقد اصبحتُ لا اخاف من الواحد والعشرين رقيبا، فلا اطنان الورق تحتجزها مطاراتهم وموانئهم وحدودهم، بل المعلومة تأتي الى الشعوب قبل ان يرتد للرقيب الحجري طرفه.

حتى العلاقات الانسانية تغيرت، فلم تعد مضطرا ان يضمك مبنى مع اشخاص، لعقود من الزمن، فالآلة الصغيرة كافية لحل الاشكال. 

لا أريد الإطالة. إنما اود الاشارة الى بعض ارقام تؤكد تطور صحافة الانترنت وتلغي ما يسمى بالصحافة الورقية، رحمها الله تعالى.

 حقائق.. وارقام
تشير إحصائيات مؤسسة نيوزلينك الأميركية إلى انه في نهاية عام 1998 وصل عدد الصحف التي تدير مواقعَ على الشبكة في العالم الى 4900 جريدة منها حوالي 2000 جريدة أميركية، بينما لم يتجاوز عدد الصحف على الشبكة الثمانين صحيفة في نهاية عام 1994.

إنها الإنترنت؛ أسرع وسيلة اتصال نموّا في تاريخ البشرية، لقد احتاج الراديو إلى 38 عاما للحصول على 50 مليون مستخدم يستقبلون برامجه، بينما احتاج التلفزيون إلى 13 عاما للوصول إلى العدد نفسه، فيما احتاج تلفزيون الكابلات إلى 10 أعوام. أما شبكة الإنترنت فلم تحتج سوى خمسة أعوام للوصول إلى ذلك العدد، وأقلّ من عشرة أعوام للوصول إلى 500 مليون مستخدم، بينما قُدر عدد مستخدمي الانترنت في العالم في نهاية العام 2008 بحوالي مليار وستمائة مليون مستخدم، يشكلون حوالى 24 بالمائة من سكان العالم. (المصدر: مركز إحصاءات الانترنت في العالم).

وفي تقرير لمركز بيو للأبحاث صدر أخيراً عن واقع الصحافة في عام 2008 صورة متشائمة لعام 2009. قال التقرير، الذي حمل عنوان
Newspapers face a challenging calculus. Online growth, but print losses are bigger
إنه بات من المؤكد أن مزيدًا من الأميركيين يتجهون الآن للإنترنت لمعرفة الأخبار، مقابل انخفاض قراء الصحف المطبوعة أو الورقية. وأوضح التقرير أن 39 في المائة من المبحوثين يقرأون صحيفة يومية سواء كانت ورقية أو إلكترونية في مقابل 43 في المائة عام 2006 بينما انخفضت نسبة قراء النسخة الورقية من الصحيفة من 34 في المائة إلى 25 في المائة خلال هذين العامين. وحسب تقرير للمركز في عام 2006 فإن نحو 50 مليون أميركي يتابعون الأخبار على شبكة الإنترنت. وعلى الرغم من انخفاض مقروئية الصحف بشكل عام، فإن عدد قراء الصحف الإليكترونية في ازدياد ملحوظ (من %9 عام 2006 ‏إلى %14 عام (2008) وقد أعلنت رابطة الصحف الأميركية (Newspaper Association of America) أن نسبة النمو في متصفحي مواقع الصحف نما بين العام 2007 و 2008 بنسبة 12.1 % بينما وصلت نسبة النمو الى 60% في الثلاث سنوات الأخيرة، وفي الربع الأخير من العام 2008 زار مواقع الصحف الالكترونية ما نسبته 41 % من مجمل مستخدمي الويب.

لقد بات قراء الصحف الإلكترونية يمثلون أكثر من ثلث قراء الصحف بعد أن كانوا أقل من الربع عام ‏‏2006 هذا ما أكده تقرير مركز بيو. إن ذلك يعكس التحول الذي أحدثته الانترنت لدى الأجيال الشابة بشكل خاص في قراءة الصحف. لقد بلغ عدد المواقع على دليل موقع ياهو أكثر من سبعين مليون موقع حتى منتصف العام الماضي. ويشير موقع غوغل الى أن وجود اكثر من تريليون رابط فريد لصفحة حتى منتصف ذلك العام ايضا.
 
في العالم العربي يقدّر عدد مستخدمي الإنترنت المتكلمين باللغة العربية في عام 2007 بحوالى 28 مليونا ونصف المليون، أي حوالى 2.5% من تعداد المستخدمين في العالم، وهي المرتبة العاشرة في العالم، إلا أن عدد مستخدمي الإنترنت الذين يستخدمون اللغة العربية شهد أكبر وتيرة نموّ في العالم كله في الفترة 2000 ـ 2007، حيث بلغت النسبة 931.8% ما يؤشر الى مستقبل جيد في عالم الصحافة الالكترونية في هذه المنطقة.

 نحن الآن، شئنا أن نعترف بذلك أم كابر بعضنا وأصر على إنكار الحقائق، نعيش "ثورة" معلوماتية – اتصالاتية يستحيل إيقافها، وهي في وتيرة نموها تسير على خطى الثورات التكنولوجية الرائدة التي سبق أن شهدتها اميركا الشمالية، أوروبا الغربية والشمالية، اليابان، وباقي دول العالم المتقدمة. إننا سائرون على الدرب نفسه على بعد خطوات زمنية تطول أو تقصر، لكن معالم الدرب واضحة، والأرقام لا تكذب. وسيكون مفيداً مراجعة ما حدث في أميركا وأوروبا، على اعتبار أنه مؤشر لما سيحدث عندنا.

 منذ 2001 استفتت مؤسسة غالوب الشهيرة لاستطلاعات الرأي الأميركيين سنوياً، طارحةً عليهم سؤالاً واحداً لم يتغيّر: ما هو المصدر الرئيس الذي تستقون منهم الأخبار الوطنية والدولية؟ ولأول مرة منذ ذلك التاريخ، بيّن استفتاء 2008، تجاوز عدد الأميركيين الذين ردّوا بأن مصدرهم الرئيس الإعلام الإلكتروني (الإنترنت) عدد اولئك الذين اعتمدوا الإعلام المطبوع، بـ40 % مقابل 35 % . ويُتَوقع أن يتعزّز الفارق لصالح الإنترنت في استفتاء العام الحالي.

 مع بداية عهد الاستفتاءات، عام 2001، كانت نسبة من يعتمدون التلفزيون مصدراً رئيساً لأخبارهم 74 %، والصحافة المطبوعة 45 % والأنترنت 13 %. ولكن بين 2001 و2004 سجّل ارتفاعا مطّردا في نسبة الاعتماد على الإنترنت إلى 24 % وظلت هذه النسبة عند الحد بحلول عام 2007، قبل أن تعود إلى الارتفاع بالتدريج لتبلغ 40 % بحلول 2008. أما في ما يخص الصحافة المطبوعة وبالتحديد الصحف فإنها ظلت مصدراً رئيساً للأخبار عند 46 % من الأميركيين حتى عام 2004 لكنها تراجعت بسرعة إلى 36 % عام 2005 ولم تستعد النسبة السابقة منذ ذلك الحين. إن هذه المعطيات مثيرة حقاً، لكنها ليست مفاجئة لمن يتابع أوضاع الصحف الأميركية عن كثب. فهذه الصحف، بما فيها بعض أشهر أسمائها، إما ترزح تحت أزمات مالية حادّة أو اغلقت أبوابها بالفعل، أو قرّرت في خيار عملي وواقعي اعتماد نسخة إلكترونية تحل محل النسخة الورقية. وبغض النظر عن التأثير السلبي الكبير للأزمة المالية العالمية التي تلم بكل وسائل الإعلام والإعلان، فإن أرقام توزيع الصحافة المطبوعة تنحدر باستمرار.

فصحف من ألمع الصحف الأميركية وأعرقها، مثل "بوسطن غلوب"، "سان فرانسيسكو كرونيكل"، "أتلانتا جورنال – كونستيتيوشن"، سجلت أرقام توزيعها تراجعاً تجاوز 15 % ، مع الإشارة إلى أن "بوسطن غلوب"، وفقاً للارقام المتوافرة، تخسر مليون دولار يومياً. وفي حين تواجه "نيويورك تايمز"، الصحيفة الرائدة المتميزة، متاعب مديونية ضخمة، فإن صحفاً أخرى أقل موارد مثل "روكي ماونت نيوز" في ولاية كولورادو وصلت قبل شهرين فعلاً إلى نهاية الطريق.

وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، في خطوة تشير إلى تنبّه بعض دور النشر إلى المتغيّرات الحاصلة، قرّرت مجموعة "غانيت" الأميركية، ناشرة صحيفة "يو إس آيه توداي" إنشاء موقع إلكتروني موحّد لجميع صحفها الـ85 تحت اسم "كونتنت ون" ContentOne. وسيأتي معظم المضمون من "يو إس آيه توداي" بينما تضيف الصحف المحلية كل بمفردها الموقع الموحّد إلى موقعها. أما الهدف العملي فهو اجتذاب إعلانات على المستويين الوطني (أي عموم الولايات المتحدة) والمحلي. وتعزيز المبيعات عبر تغيير النظرة التقليدية إلى محتويات الصحف سواء في جمعها أو بيعها.

الصحف الأخرى التي تعاني اليوم تأخرت في قراءة المتغيّرات. تاخرت في استشراف تراجع عائدات الإعلانات، ونمو إعلانات الإنترنت.
ماذا يعني كل هذا للعالم العربي؟
يعني انه لا بد للصحف بالتحديد من التأقلم على الحقائق الجديدة. عليها وضع مزيد من محتوياتها على مواقعها الإنترنت، واعتماد دورة إخبارية مرنة على مدار الـ24 ساعة.

طبعاً سيعجز عدد غير قليل عن إنجاز تأقلم من هذا النوع، وبالتالي سيذوي ويموت. في حين أن الأقوى سيتوجهون إلى الإنترنت عاجلاً أو آجلاً.

 "نعم انها الثورة.. ثورة الإنترنت"
ان تجربة "إيلاف" لا تختصر بكلمة قصيرة مثل هذه، لكن يمكنني ايجاز نجاحها بما يلي :
1- إن حجم إستجابتها لما يحدث في العالم، كان سريعاً، فكان نجاحها أوضح.
2- استفادت من التطورات المتسارعة في عالم الانترنت من دون توقف.
3- جمعت اكبر قدر ممكن من المواهب العربية الشابة والكفاءات الصحافية لتشكل خليطاً من الخبرة والتوثب.
4- وقفت بلا كلل أمام مصادرة حرية النشر، وأضعفت الكثير من الممنوعات، أو ما يسمى بالتابو.

الآن أدعو، من هذا الموقع الإعلامي الرائد المهم، ان نتخلى عن النقاشات العقيمة، وغير المجدية، في ما اذا كانت صحافة الورق ستعيش ام ستموت. انها وسائل إستهلاكية لا مجال للعواطف والعادات فيها. ولنبدأ بمأسسة صحافة الانترنت. لتنطلق مجموعة عربية كبرى، تخلق مرجعية عربية قوية. لنبدأ نحن لا غيرنا، في إطلاق هذه المؤسسة برأسمال عربي، لا يقل عن 200 مليون دولار، ونحن في "إيلاف" سنبدأ قريباً بعرض هذا المشروع على من يهمه الأمر، ويعلم مدى أهمية وخطورة وتأثير صحافة الإنترنت. ان مشروعاً كهذا سيعطي خطوة غير مسبوقة، وسيضم القدرات المبعثرة، ويحمي الشركات الصغيرة والمحاولات الذاتية. ويلغي تدخل جهات مشبوهة، مرتبطة باجهزة متنوعة، اساءت وستسيء اعمق واكثر لهذا العالم المفتوح الارجاء. لقد ظلت الصحافة على امتداد تاريخها، منذ القرن السابع عشر، علامة متميزة، وفارقة في حياة الشعوب، خاصة تلك الشعوب التي تعتبر الصحافة جزءاًً لا يتجزأ من إفطارها الصباحي، وخبزها اليومي، وعشائها قبل الخلود إلى النوم. وهي ستكون كذلك، بغض النظر، إن صدرت ورقا، او تحولت إلى شاشة، فالعالم المتحضر لا تهمه الوسيلة، بقدر ما يهمه كيف يمكن أن يستفيد منها ويحرز تقدما أكبر، ويخطو خطوات أوسع!

لقد شعرت بالأسف الشديد أن تتحول الأسئلة التي نواجهها في تطور صحافتنا إلى معركة (ألا لا يجهلن أحدا علينا).
في عام 1789، وفي قصر فرساي في فرنسا، استيقظ الملك لويس السادس عشر، ملك فرنسا آنذاك، من نوم عميق، وكان مشهورا بسباته الدائم، حتى انه في ليلة اعدامه نام نوماً هادئا وهنيئا وطويلا. اُلقي عليه خبر هدم سجن الباستيل وحريق باريس وقدوم الثوار إليه في قصره. سأل وزيره: هل هي حركة عصيان؟ فقال وزيره: يا صاحب الجلالة، إنها الثورة!!

نعم انها الثورة. ثورة الإنترنت. وأرجو ألا ننام، ونسأل السؤال الغبي لصاحب الجلالة، لويس السادس عشر!

* نص كلمة ناشر "ايلاف" في افتتاح الدورة الثامنة لمنتدى دبي الاعلامي ـ الاثنين 11 مايو/آيار 2009 


في