GMT 15:10 2017 السبت 7 يناير GMT 15:13 2017 السبت 7 يناير  :آخر تحديث

قراءة في نص للشاعر حسين القاصد: الشاعر.. حين يخاف على الله من ساسة العراق!!

عبد الجبار العتابي
 
هذا نص موجع للشاعر العراقي حسين القاصد، كلمات انفجرت من اعماق روحه الملتهبة بجمر الحضور المكثف في الواقع العراقي الغريب الاطوار ،الواقع الذي يقوم على مسؤوليته ملك الموت (عزرائيل) لكن ملك الموت متخصص في سلب ارواح الفقراء والطيبين بعد ان تتمزق اجسادهم اشلاء يترك للاخرين جمعها، كل شيء في العراق موت.. موت.. موت، كأن ملك الموت لا عمل سوى ان يوزع عماله او ابنائه او موظفيه بمختلف درجاتهم واشكالهم وهيئاتهم على الامكنة،فهنا قتال شرس وهنا حمم تتشظى وهنا سيارات مفخخة وهنا عبوات ناسفة وهنا مسدسات كاتمة للصوت تتلظى بقسوتها ليكون كل شيء هنا يصرخ :موت.. موت.. موت !!،لاسيما ان الشاعر يرى ان الموت ليس حياديا حين يترك الفاسدين والساسة الذين ارجعوا البلد الى عصور الظلام.
يحمل النص النثري منذ اول كلماته دهشة مغلفة بالرعب يحسها القاريء الذي لم يتعوّد على ان يقرأ كلاما عن الله بهذه الصيغة او يقرأ مخاطبة له بهذا الشكل، لكنه الرعب الساكن في وجدان الشاعر الذي يرى ان السواد محيط بكل شيء في البلد الذي يعيش فيه والذي اسمه (العراق) منذ ازمنة طويلة وطالما كان مطر هذا السواد موتا زؤاما على المواطنين البسطاء، وهو ما منح الشاعر رعبه في ان يقول ما لا يقال ويكسر القاعدة التي يراها الكثيرون خطا احمر لايمكن تجاوزه ابدا، لكنه عتب واضح،عتب شفيف،عتب المخلوق للخالق وان كان مريرا وموجعا، فالشاعر القاصد يبحث في السواد العام عن ضوء لم يجده،فكان يصرخ عسى ان تكون صرخته مبددة لشيء من هذا السواد الذي يبدو انه لا يتبدد في ظل الاوضاع الغريبة التي يطفو عليها البلد.
 فالشاعر يبدأ نصه بالقول : 
(أحياناً أفكر في أن أساعد الله.. )
أي تفكير هذا الذي يذهب بهذا الاتجاه الذي يثير الرعب، كيف يمكن لانسان،مهما كان عتقلا، ان يساعد الله، هل يحتاج الله الى مساعدة وان كانت فكرة ؟
ثم يكمل تلك الفكرة من خلال اقتراح :
(أحاول أن اقترح عليه حلولاً ووسائل تغنيه عن الإسراف في موتنا..)
أهاااا.. يا له من رعب اذن، أي عتب متفجر بالتوسل،ضمنا، لاسيما ان ما يريد الشاعر اقتراحه هو ما يخص (الموت) موت العراقيين المستمر الذي يمنحه الشاعر صفة (الاسراف) الذي يجعل عينيه تسبلات الدمع مدرارا فلا يقر له قرار،ويمكن الاستغراب من كلمة اقتراحه (الحلول والوسائل)،آه.. أه !!،يا ألهي.. أي ارتجافة تبلغ العقل، اية قشعريرة تتملك روح الشاعر وهو يحاول ان يقول ما يتصارع داخله، فيقول :
(مثلا.. 
أحاول أن اقنعه بأن بقاء الضابط الذي استشهد مؤخراً هو الجنة بعينها.. فلماذا تتعب ملك الموت بقبض روحه كي تموت ابنته على جثمانه..)
اية صورة هذه؟ انه يريد ان يقنع الله اولا،أليس (الاقناع) مفزعا ؟لكمه اقناع حبيب مثل دعاء مثخن بالوجع وينز صراخا، خاصة ان المثل المطروح موجع حقا ليس في موت الضابط الذي يبدو طبيعيا ولكن في كونه (الجنة بعينها) لابنته التي ماتت على جثمانه، انه يرسم صورة تراجيدية جدا مكثفة بالحزن.
أو ان الشاعر  يأني بمثل اخر : 
(أحاول أن اقنعه أن المشي في شارع السعدون يساوي عشرات الجنات..وإن قبلات الأطفال وابتساماتهم هي الفردوس..)
 وشارع السعدون وسط بغداد مثير للدهشة لاهله وعشاقه الذين برونه ممتعا وجنة مثلما الاطفال الذي يرى الشاعر في ابتساماتهم وقبلاتهم جنة اخرى وهو هنا يريد اقناع الرب ان الجنة في هذه الاشياء ايضا.
لكن الشاعر يترك الحديث عن الجنة ليذهب للحديث عن الجحيم، لكنه هنا يساوي بين الجحيم الذي يتوعد الرب به الناس وبين ما في العراق من واقع، انه يتهكم بشدة حد البكاء لان الجحيم العراقي اوقدته الحكومة ومجلس النواب للشعب الذي يبدو لا حول ولا قوة له ازاء هذا الحجيم. 
(ساقنعه أيضا بأن لا يتوعدنا بجهنم.. لأن نسختها الأصلية هنا في العراق وان زبانية النار هم الحكومة والبرلمان..) 
 لكن الشاعر وهو يخرج من عذابات احاديثه الجحيمية يتوسل الرب برجاء يقطع القلب :
(نحن ميتون يا الله فلا تقتل ميتا أرجوك)
كأنما الشاعر حسين القاصد بعد هذه الجولة ينتبه الى نفسه،يكفكف توسلاته ويتوقف عن النحيب الذي فاض من جنبات روحه ويعود الى الرب حاملا رجاءاته ومن ثم باذلا كل ما في قلبه عسى ان يحقق الرب رجاء وينقذ العراق من خزعبلات الساسة الذين افسدوا وافسدوا واوصلوا العراق الى الجحيم الذي هو فيه :
(الآن يارب..
تصرف بالساسة كما تحب.. 
لنا عراقنا ولهم اديانهم..)
قبل ان يلف رقعة نصه ويغادر المكان الى غيبوبة او صحوة ما،يستدرك ينظر الى وجه الرب ويعلن تهكمه الصارخ من ساسة البلد بشيء من الفجيعة  وهو يفصح بقوة عن قسوة الساسة الذين يحكمون بلاده :
 (نسيت شيئا يارب.. 
كلما أرى الساسة أشعر بالقلق عليك !!
صدقني.. أخاف عليك يا الله).
وفي ذلك حكاية البؤس التي يظل المرء يتأملها بحيرة،ويتساءل : أي حجيم عراقي هذا الذي اوقده هؤلاء الساسة ليكون كل هذا الكلام ؟
 
النص :
أحياناً أفكر في أن أساعد الله.. 
أحاول أن اقترح عليه حلولاً ووسائل تغنيه عن الإسراف في موتنا..
مثلا.. 
أحاول أن اقنعه بأن بقاء الضابط الذي استشهد مؤخراً هو الجنة بعينها.. فلماذا تتعب ملك الموت بقبض روحه كي تموت ابنته على جثمانه..
أحاول أن اقنعه أن المشي في شارع السعدون يساوي عشرات الجنات..وإن قبلات الأطفال وابتساماتهم هي الفردوس.. 
هل انتهينا من الجنة ؟
ساقنعه أيضا بأن لا يتوعدنا بجهنم.. لأن نسختها الأصلية هنا في العراق وان زبانية النار هم الحكومة والبرلمان.. 
هل انتهينا من جهنم ؟
ساتنازل عن الحورية بعاهر سبيل !!
واشرب من كوثر الفراتين
وادخل جهنم كل آب.. 
نحن ميتون يا الله فلا تقتل ميتا أرجوك
الآن يارب..
تصرف بالساسة كما تحب.. 
لنا عراقنا ولهم اديانهم..
نسيت شيئا يارب.. 
كلما أرى الساسة أشعر بالقلق عليك !!
صدقني.. أخاف عليك يا الله
 

أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في أضواء