GMT 6:15 2009 الأربعاء 23 سبتمبر GMT 9:45 2009 الخميس 1 أكتوبر  :آخر تحديث

ازدهار ظاهرة تزوير الماركات العالمية بالعراق

ماجد شاكر


لجأ عدد من الباعة العراقيين لتقليد الماركات العالمية من السلع معتمدين على تقنيين برعوا في التقليد مستخدمين تقنيات حديثة لايمكن معها التفريق بين السلعة الأصلية والمقلدة الا الخبراء. وبيعها بثمن رخيص. اذ يلجأ لشرائها المواطن العراقي لرخص ثمنها ولغياب الوعي الصحي والاجتماعي والاستهلاكي، ليكون المواطن هو المتضرر الأول.


ماجد شاكر من بغداد: الغش الصناعي أو البضاعة الفاسدة لاسيما الغذائية منها، صارت سمة من سمات السوق العراقي في ظل غياب الرقابة على المنتجات المحلية أو المستوردة وغياب السيطرة النوعية والجهات الرقابية الفاعلة مكتبيا وليس ميدانيا، مما خلق فوضى "عرض " عارمة تجتاح السوق العراقية، وأصبحت "الماركات" المزورة أو المقلدة للأصل ظاهرة اعتيادية.

كل ذلك يترافق مع ظاهرة الإغراق السلعي جراء الانفتاح الكبير الذي شهدته البلاد، واستغل الكثير من التجار الأمر سعيا لتحقيق أرباح خيالية!. بل أن السوق العراقية تتداول بضاعات لشركات وهمية تقلد البضاعة الأصلية وتبيعها على إنها تمتلك امتيازاً من الشركات الأم لكن الحقيقة عكس ذلك.

و (إيمان هادي) الموظفة في إدارة مالية تابعة إلى خزينة الدولة تؤمن بمقولة (اشتري الزين ولو كان غاليا )، وهي لاتشتري أي بضاعة أو منتجا رديئا عراقيا كان او أجنبيا وان كان قليل الكلفة.

تقول إيمان لإيلاف"اقتني البضاعة ذات المواصفات الجيده".

وتدعو إيمان الصناعيين والتجار والحرفيين أن يتقوا الله وان ويبتعدوا عن الغش لان ما يربحونه حرام.

المصور الفوتوغرافي (باسم السعدي ) تحدث لإيلاف عن تعرضه إلى خداع عندما اقتنى كاميرا سوني يابانيه بسعر 500 دولار ليكتشف بعد فتره انها صينية المنشأ إضافة إلى كونها رديئة الجودة حيث يقول: عندما كلمت صاحب المتجر اجابني مستهزئا (كل شيء في العراق اصبح صينيا حتى البشر سيكونون صينيين عما قريب)..

وتعد ظاهرة البضاعة رديئة المنشأ من أكثر الظواهر انتشاراً بعد عام 2003، بعد انفلات المنافذ الكمر كية وغياب جهاز التقييس والسيطرة النوعية.

وفي منطقة الحي الصناعي في جنوب بغداد زارت (إيلاف) ورشة متخصصة بتقليد "ماركات" أصلية وبيعها إلى أصحاب المعامل.
ويعمل في الورشة رسامون وتقنيون على الكومبيوتر وأخصائيون في الكرافيك.

ويقول (ح ) حيث رفض ذكر اسمه الصريح، أنه يجيد تقليد كل الماركات العالمية.

ويبدو أفراد الورشة منهمكون بعملهم فاغلب المعامل تطلب منهم عمل "ماركات" مقلدة للمنتج الأصلي.

يضيف (ح ).. عملنا لا يتوقف وننوي التوسع في عملنا. وفيما إذا كان عملهم يسبب لهم إشكالات قانونية، أجاب.. نعم لكن المعامل تطلب منا ذلك وهم يبيعون بضاعتهم في الأسواق بلا خوف.
 ويضيف: بل أن بعض المعامل تشتري سكوت الجهات الرقابية بالمال. مبيناً بأن الرقابة الصناعية في العراقية ليست حقيقية، والفساد الإداري ارض خصبة لتمرير الأعمال غير الصحيحة.

ويؤكد "عملي هذا تعلمته في الأردن، ففي اغلب دول الجوار تجد ورشات سرية لتقليد "الماركات" وليس في العراق وحده ".

وعن الأسعار التي يفرضونها مقابل ذلك قال: الأمر يتعلق بالجودة فإذا أردت "ماركة" يصعب تمييزها عن الأصل فإنها غالية بعض الشيء.
ويضيف "عملنا تقليد ماركات لصناعات أجنبية لا يكتشفها المستهلك بسهولة".
وسألناه فيما إذا يعد عمله تزويرا ومخالفة للقانون، أجاب: نعم، "أنا أجيد عملي بتقنية تزوير عالية جدا".. وضحك بعد ذلك.

وما لبث أن عرض علينا "علامتين" احدهما أصلية والأخرى مزورة ثم سألني.. "هل تعرف الأصل؟". ويجب أن اعترف أن الأمر ليس سهلا كما ظننت.

و(سامي العبد الله) صاحب محل لبيع المواد البلاستيكية أشار إلى عوامل كثيرة وراء تفشي ظاهره الغش الصناعي التي بدأت تأخذ مناح متشعبة لافتا إلى ظاهرة إستبدال ماركات السلع بأخرى معروفة، إضافة إلى التلاعب بفترة صلاحية المواد للاستهلاك.

وأضاف: "الغريب في الامر تقاعس الاجهزه الرقابيه وكما هو معتاد، تكون الأسباب معلقة على شماعة الظروف الامنية".

الكيميائية (أسراء طالب ) قالت لإيلاف "إن أغلب المعامل العراقية تفتقر الى المواد الأولية المناسبة في إنتاجها والكثير منها يعتمد على مبدأ التدوير أي إعادة التصنيع ".

وتلمس حالات " الغش الصناعي " بصورة جلية في المنتجات الكهربائية المستوردة أو المنتجة محليا وكذلك المواد الغذائية والصناعات النسيجية وحتى زيوت المحركات والبذور الزراعية ومستحضرات التجميل.


وتقول أسراء "معظم العطور في الاسواق المحليه ( على سبيل المثال ) لا يذكر عليها صنف المنتج أو تاريخ انتهاء الصلاحية، لاسيما وان المنتجات السائلة الغذائية حساسة للظروف الجوية والتقادم الزمني، ومنتجات من هذا النوع سرعان ما تتغير رائحتها وطبيعتها الكيماوية وقوامها الفيزياوي، وتتحول إلى مادة سامة قاتلة بعد انقضاء فترة صلاحيتها للاستعمال".

وفيما يخص الصناعات البلاستيكية فان هناك معامل كثيره تعتمد في إنتاجها على ما يسمى بـ (المعاد ) الذي سيكون له تأثير كبير على صحة أفراد المجتمع.

ويقول (حبيب حسين) من الرقابة الصناعية "إن الرقابة لا تستطيع أن تحد من الظاهرة، فالمستهلك له دوره وعليه أن يقاطع البضاعة الرديئة لأنه المتضرر الأول منها".

ويضيف حسين بأن " الأمر يتطلب تثقيف المستهلك واصدار تشريعات ملزمة لحمايته لكي يستطيع تحديد مصالحه والدفاع عن حقوقه واختيار السلع والخدمات بما يؤمن احتياجاته التي تنسجم مع رغباته وذوقه بالسعر المناسب اضافه الى اقرار قانون وطني للتصدي الى ظاهره الغش الصناعي وتفعيل دور الرقابه والامن الصناعي للحفاظ على روح المواطن العراقي".

 ويقول (محمد فريد ) وهو تاجر جملة في بابل بالعراق "إن أسباب انتشار السلع الرديئه يتحملها أكثر من طرف".

مؤكداً على أن "سلبيات ما يحدث في السوق تتحملها الحكومه العراقيه بالدرجه الاساس والمستورد العراقي الذي اصبح يهدف الى الربح السريع دون اعتبار للمسائل الاخلاقيه ونوع الضرر المادي والمعنوي التي تلحق بالمواطن الذي يتعرض الى الخديعه بالاضافة الى مسؤوليه المواطن في عدم مقاطعه السلع غير الاصليه وغريبه المنشأ".

وعلى الرغم من أن ظاهرة الغش الصناعي قديمة وليست حديثة العهد في العراق، لكنها اليوم أصبحت أكثر خطورة وهي التي توجه اقتصاد السوق العراقي بعد أن كان تأثيرها قليلا في الماضي.
ويرجع عراقيون الأمر إلى فترة الثمانينات حين اضر الحصار الاقتصادي بأداء السوق العراقي من دون وضع آليات لمكافحة الظاهرة، وشيوع حالات الاحتيال والتزوير.

أما (ضياء محمد علوان ) من الرقابة الصناعية فيؤكد على ضرورة تفعيل الجهة الرقابية لفحص المواد الغذائية والسلع الصناعية، وأن تكون هناك سيطرة فعالة في المنافذ الحدودية والتحري عن سلامة المنتج الغذائي.

ويقول "تصل الكميات المفحوصة شهريا من قبلنا الى الاف الاطنان حيث يتم فحصها فيزياويا بعد التاكد من الفحوصات المختبريه الحدودية التي جرت عليها. وفي حالة غياب الفحوصات على المواد الداخلة يتم حجز الكمية الداخلة ويسحب نموذج لغرض الفحص المختبري، وبعد خلو المادة من اي مضار تطلق الكمية المحجوزة وخلاف ذلك تتلف الكمية".

وأيضيف ضياء: أن فرقنا أتلفت كميات كبيرة من هذه المواد شملت مواد ايرانية مثل (كعك ترشلي، كعك الاعشاب،معكرونة ستفين، بسكت ارتم، بسكت ناي ) ومواد تركية الصنع مثل (عصير باودر رويز،عصير باودر توب ) ومواد محلية الصنع مثل ( كجب لامور، كاكاو خالد ) ومواد اردنية الصنع مثل (جبس مابيني كرات وغيرها من المواد التي تتعلق بصحه المواطن ).

لكن المعادلة تبقى متوازنة بين التاجر والمستهلك بحسب (فاضل حسين) وهو صاحب محل كهربائيات، فهو يلاحظ أن اصطحاب الشركات يعزفون عن استيراد السلع الأصلية بسبب أسعارها المرتفعة. كما أن المستهلك يبحث عن الأرخص (على رغم معرفته بتزوير شهادات الجودة.

غير أن (حاتم الخفاجي) وهو تاجر جملة يعتقد "أن المواطن العراقي لم يعد يبحث عن العلامة التجارية المشهورة والأصلية على رغم ازدياد دخله، وان البحث عن ( الرخيص ) صار جزءا من ثقافته".


ويؤكد أصحاب الاختصاص أن ثقافة الاستهلاك العراقية تستند إلى مفاهيم خاطئة. ومما يساعد على ذلك انعدام المنافسة الحقيقية بين ماهو معروض لأنه اغلبه يحمل نفس المواصفات وبذات الأسعار، إضافة إلى انحسار المنتج الوطني الجيد الذي لا يصمد أمام التدفق السلعي الهائل من دول الجوار والصين.

ويرى ( سليم الكفلي) وهو تاجر وصاحب تجربة عقود في الاستيراد والتصدير "أن على الحكومة اتخاذ إجراءات فعالة وسريعة منها منع استيراد الخضراوات لحماية المنتج الزراعي،
وتفعيل دور الصناعة الوطنية ودعمها لكي تقف بقوة أمام ظاهرة خطرة على الأمن الاقتصادي العراقي وهي التبعية "السلعية" للخارج".

لكن موظف في نقابة الصناعات العراقية قال لإيلاف أن هناك خططا مستقبلية فعالة للحد من التدفق السلعي بغية حماية زراعتنا وصناعتنا الوطنية عن طريق الحد من سياسة الحدود المفتوحة، التي تحتاج إلى قرار شجاع، مع الأخذ بالاعتبار أن عمل ذلك لا يأتي اعتباطيا بسبب الاعتماد الكلي للسوق العراقية على البضاعة الأجنبية.

في أخبار