GMT 9:00 2012 الأربعاء 25 أبريل GMT 8:28 2012 الخميس 26 أبريل  :آخر تحديث

أكاديميون: الطلاق في الإمارات مشكلة وطنية كبيرة

أحمد قنديل
نسبة الطلاق ترتفع في الامارات

تعتبر ظاهرة الطلاق المنتشرة مؤخرًا بكثرة في الدول العربية، مؤشراً على تفكك القيم الاجتماعية. ويلاحظ ارتفاع نسبة الطلاق مؤخرًا في المجتمع الاماراتي، نتيجة الحركة الاقتصادية التي عجت بها البلاد، ويرجع متخصصون في علم الاجتماع هذه الظاهرة الى اسباب متعددة.


دبي: يعتبر "الطلاق" ظاهرة اجتماعية غير أن تأثيراته النفسية أكبر بكثير مما نعتقد، إذ يترك آثاره النفسية على أهم العناصر المكونة للمجتمع: الأب والأم والأبناء.
وبالنظر إلى التحولات والمتغيّرات التي أصابت المجتمع الإماراتي نتيجة الحركة الاقتصادية التي عجت بها البلاد، فإن مشكلة الطلاق ليست فقط اجتماعية بل هي أيضًا هاجس وطني، مما يزيد من أعباء المشكلة على كافة مناحي الحياة في الدولة، فالتزايد في نسبة الطلاق خاصة بين الشباب الإماراتي يؤدي إلى تراجع في معدلات الخصوبة، وهذه أخطر المشكلات كون التركيبة السكانية في المجتمع الإماراتي الحديث معقدة وتعاني من خلل كبير.
هذا وقد أظهرت إحصائيات "مركز دبي للإحصاء" ارتفاع نسبة الطلاق في إمارة دبي خلال العام الماضي 2011 ، ووصلت نسبة الزيادة بين الإماراتيين إلى 6.6%.  حيث ارتفع عدد حالات الطلاق بين الأزواج من 288 حالة العام 2009  إلى 307 حالات العام الماضي، بعد أن كان قد انخفض إلى 280 حالة خلال العام 2010. كما ارتفعت أيضا حالات الطلاق المسجلة بين غير الإماراتيين من 317 حالة في العام 2009 إلى 393 في العام 2010 حتى وصلت الى 445 حالة في العام الماضي. وهو الأمر الذي يبين أن الطلاق في دبي ارتفع بين العامين 2009 و2011 بنسبة 24.4٪، إذ تبين الأرقام ارتفاع نسبة الطلاق من 720 حالة العام 2009 إلى 896 حالة في العام 2011 مقارنة بـ794 حالة في العام 2010.

الطلاق والتركيبة السكانية

من جانبها، أكدت الأستاذة الدكتورة موزة غباش، رئيسة قسم الاجتماع في جامعة الإمارات سابقًا، ورئيسة رواق روشة بنت حسين الثقافي، ورئيسة مجلس أمناء جائزة شمسة بنت سهيل للنساء المبدعات، لـ"إيلاف"، أن "الطلاق" مشكلة المشكلات كونه أصبح في تزايد مستمر على مستوى العالم أجمع، ولكنه في الإمارات لم يعد مشكلة اجتماعية أو  نفسية أو اقتصادية بل أيضًا مشكلة وطنية كبيرة، في ظل ما تعانيه الدولة من تركيبة سكانية معقدة، وكونه يؤثر على نسبة الخصوبة، موضحة أنه مع تعقد العلاقات الاجتماعية التي فرضها التطور السريع للتقنيات تعقدت أيضًا أسباب الطلاق، فلم تعد الأسباب التقليدية فقط هي وراء الطلاق كغلاء المهور، والفروق الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية بين الطرفين أو الزواج من أجانب، بل لقد أصبحت الحداثة هي المشكلة ومحاولة الشباب التمرد على التقاليد هي من أبرز أسباب انتشار هذه الظاهرة.

الزواج من أجنبيات يعتبر حلاً سهلاً

وأشارت الدكتورة غباش إلى أنه نتيجة لارتفاع المستوى التعليمي للشباب الإماراتيين أصبحوا ينظرون إلى الحياة نظرة مرتبطة بالحداثة التي تعرفوا عليها، ولكن يجب على الشباب أن يعلموا أن تطبيق الحداثة في الموقع غير المناسب هو خطأ تاريخي، وأن تطبيق الحداثة على موضوع الزواج والطلاق أمر في غاية الخطورة الوطنية على المجتمع الإماراتي، مبينة أن هذه الحداثة سهلت مشروعية الطلاق، وأنه رغم النظرة المحدثة إلا أن عقلية الرجل الشرقي أو الثقافة الشرقية التي تبني العلاقة بين الطرفين مازالت قائمة، "إنها عقلية ( سي السيد)، لذا يرغب الشاب دائمًا أن تكون الزوجة هي العنصر الخاضع إلى حد كبير، وعندما يكتشف أنه ليس الآمر الناهي وأن الزوجة قد تكون عنيدة أو مستقلة نوعًا ما يسعى إلى التغيير، وبالطبع الأمر سهل بالنسبة إليه، لذا أرى أن السبب الثقافي هو الأساس في الوقت الحاضر في انتشار الطلاق في المجتمع الإماراتي".

التجربة الماليزية

ولفتت الدكتورة غباش إلى أن دولة الإمارات تسعى إلى إيجاد كافة الحلول للحد من انتشار هذه الظاهرة، ولكنها تتوجه نحو الأسباب التقليدية وتحاول حلها، إلا أن الأمر يصبح معقدًا أكثر لدرجة أنها تفقد السيطرة على هذه الظاهرة، وترى غباش في التجربة الماليزية حدثًا مهمًا غير أنها قاصرة في المجتمع الإماراتي، حيث فرضت السلطات هناك على كل متقدم للزواج أن يخضع لدورات تأهيلية وتعريفية بالعلاقة الزوجية وأهميتها، وكيفية مواجهة المشكلات الزوجية وطرق حلها، قائلة: "نحن في مجتمعنا نحتاج إلى مثل هذه القوانين، فصندوق الزواج وحده فقط يطلب هذه الشهادة وأن هذا غير صحي".
 ونوهت بأنه يجب على كل المؤسسات المعنية بموضوع الزواج أن تطلب هذه الشهادة بما فيها المحكمة، وأنه يجب أن تأخذ الدولة إجراء استباقيًا من خلال دورات للشباب، ذكورًا وإناثًا، تعرفهم بأهمية الدور الوطني الذي يحققه الزواج بين المواطنين حتى وإن لم يقدموا على الزواج عبر حملة توعية، كما ينبغي أن يتم البحث في موضوع إدخال قضية الزواج والطلاق ضمن الحالة التربوية في المدارس أو الجامعات، لأن المشكلة أصبحت مشكلة ثقافة.

استقلالية المرأة الإماراتية جعلتها تشعر بأنها تستطيع العيش بعيدًا عن ظل الرجل

وذكرت غباش أن توجه الشباب الإماراتي نحو الزواج من أجنبيات يعود إلى حالة الانفتاح التي فرضتها الحداثة والعولمة، وإلى سهولة حصول المواطن على أجنبية كونه يمتلك السلطة عليها والمال، وكذلك إلى سهولة التخلص منها بالطلاق، وأيضًا كون الأجنبية أكثر خضوعًا لرغبة الرجل المواطن وأوامره، على عكس الفتاة الإماراتية التي لا تعد من النوع الخاضع خاصة في ظل الحقوق التي حصلت عليها، الأمر الذي لا يجعل من الرجل السيد المطلق كما في الماضي. موضحة أن "استقلالية المرأة الإماراتية جعلتها تشعر بأنها تستطيع العيش بعيدًا عن ظل الرجل وهذا سلوك خاطئ.. فالحياة الزوجية ليست صراع إرادات، بل هي سكن نفسي واجتماعي.. وعلى الطرفين أن يقدما التنازلات عن طيب خاطر، أما الأجنبية فهي في الغالب تخضع بشكل كامل كونها تشعر بشكل مطلق تقريبًا أنها تعيش تحت ظل الرجل مما يجعلها أداة طيعة في يده".
وأضافت غباش، أن المفكرين والباحثين قد انغمسوا في الفترة الأخيرة أكثر من المعتاد في البحث حول ما يمكن أن يقوي الترابط الأسري، إذ لا يخفي على أحد ما تشكله الأسرة في بناء المجتمع من قوة ومنعة، مبينة أن استقرار الأسرة يبني مجتمعًا مستقرًا متماسكًا، غير أن ما يحدث نتيجة التعقيد في العلاقات الإنسانية الناتج عن تطور وتعقد وسائل الإنتاج والتوسع في الانفتاح الاجتماعي، أعطى نتيجة لا يتوقعها المفكرون أو الباحثون حيث ازدادت حالات الطلاق، الأمر الذي يجعلنا ندق ناقوس الخطر حول هذه الظاهرة في المجتمع الإماراتي.

العولمة أداة لتهميش دور الأسرة وانحراف الأطفال 

الدكتورة موزة غباش

وقالت غباش "إن أطفالنا يعيشون اليوم في ظل العولمة والانفتاح على الثقافات الأجنبية بشكل نستطيع أن نعتبره هستيرياً، الأمر الذي بدأ يفرض انتشار القيم المادية والاستهلاكية، فالعولمة تعمل بشكل خفي على تهميش الهوية الثقافية الوطنية، والأسرة – وتحديدًا الأبوين وهما العنصر الأساسي في وضع مصفاة أفكار لأولادهما بما يتناسب وقيم مجتمعنا وديننا وعاداتنا وتقاليدنا، وعلى الرغم من صعوبة هذا العمل إلا أنه يبقى صمام أمان لأبناء المجتمع، والذي يساعد على هذا الاستقرار هو الاستقرار النفسي والاجتماعي لأولادنا كجزء هام في مواجهة هذه التحديات".
منوهة بأننا نتحدث عن صعوبات هذا التحدي في حال وجود استقرار اجتماعي ونفسي، فكيف ستكون الحالة مع الأبناء في ظل التفكك الأسري الناتج عن الطلاق؟ وأوضحت أن الأمر سيصبح بالتأكيد أكثر تعقيدًا، لأن عدم الاستقرار النفسي لدى الأطفال يدفع بهم نحو توجيهات سلبية نفسية وسلوكية، يصبح معها مواجهة تحديات الاستقرار الاجتماعي داخل المجتمع شبه مستحيل، ذلك أنه في ظل عدم الاستقرار النفسي، وتحديدًا لدى الأطفال تصبح العولمة والانفتاح "بحسب غباش" أحد أكثر الأسباب في دمارهم فتزداد القيم السلبية المؤثرة في المجتمع كالأنانية والفردية، كما يحدث تغيّر سلوكي لدى الأولاد يدفعهم نحو الانحراف على كافة الصعد في حياتهم، الأمر الذي يؤثر على مستوى التحصيل العلمي لديهم.

وأكدت غباش أن الأطفال هم من يدفعون الضريبة الكبيرة نتيجة الطلاق، إذ تحدث تغييرات سلبية في توجهاتهم ومشاعرهم وسلوكهم، فترتفع نسبة حالات الانحراف والضياع إضافة إلى المشكلات التعليمية والصحية.
مشيرة إلى أن الباحثين يرون أن تصدع الأسرة يعد سببًا هامًا في انحراف الأحداث وفي السلوك الإجرامي عامة، وفي مشاكل التكيّف والتوافق والمرض النفسي، ذلك أن مصير الأطفال يتأثر بشكل مباشر بمشكلة الطلاق، حيث يخضع الطفل لتجربة نفسية قاسية تؤثر على بناء شخصيته وتجعل مشاعره غير مستقرة ويواجه اضطرابًا في تحديد مثله العليا.
ولفتت إلى أن أهم الآثار السلبية الناجمة عن الطلاق هي ضياع وفقدان الوظيفة التربوية حيث يطرح السؤال"من سيقوم بتربية الأولاد؟" فكون سلوك الأطفال مكتسبًا فإن ضياع الوظيفة التربوية سيحدث خللاً نفسيًا لدى الطفل كونه فقد الموجه القيمي والسلوكي والأخلاقي ومصحح الأخطاء ومعزز القيم.
 
عدم تحمل المسؤولية... وغياب الرؤية والوعي والإدراك

ومن جهتها، قالت الأستاذة الدكتورة حصة لوتاه، أستاذة مساعدة في قسم الاتصال الجماهيري في جامعة الإمارات، لـ"إيلاف"، إن المجتمعات العربية تمر الآن بمرحلة تحولات كبيرة، وأن هذا يؤثر على العلاقات بين الأفراد، لافتة إلى أن أسباب الطلاق بين الشباب ترجع إلى عدم وجود ثوابت في العلاقات، وعدم توفر رؤية عميقة بين الزوجين وغياب الوعي والإدراك، وعدم وجود تماسك بين الزوجين، وغياب دور الأسرة أو العائلة، سواء كان الأب أو الأم، في حل مشاكل الأبناء، إضافة إلى عدم منح أحد طرفي الزواج فرصة للطرف الآخر للتعايش وحل مشاكلهما عبر الحوار من دون تصعيد الخلاف بينهما.
وذكرت لوتاه أن الحياة الزوجية تتطلب تضحية من الزوجين، ولا بد وأن يتحمل الشباب مسؤولية الزواج، حيث أن هناك ضحالة وغياب الرؤية في التفكير، فالجيل الجديد لديه شعور قليل بالمسؤولية تجاه نفسه وأسرته والمجتمع، لافتة إلى أن الطلاق قد يحدث أيضًا بسبب عدم اقتناع الشخص باختياره، والمفترض أن يرضى الشخص بشريك حياته طالما أنه اختاره فعليه أن يتحمل تبعات اختياره وأن يحافظ على هذه العلاقة. ولكنها نوهت بأنه إذا لم يكن هناك أبناء بين الزوجين ووصلت الخلافات بينهما إلى طريق مسدود فإن الطلاق في هذه الحالة يكون أفضل، والعكس صحيح أي أنه لو كان هناك أبناء من هذا الزواج فلا بد وأن تؤخذ هذه الحسابات في الاعتبار. "وليس من الطبيعي أن يطلق الرجل زوجته كلما ملّ منها".

الإعلام مغيب ولا يلعب أي دور في خلق مجتمعات أكثر توازنًا

الدكتورة حصة لوتاه

وأشارت لوتاه إلى أن هناك مؤسسات توعوية في المجتمع، ولكن إقبال الأزواج الشباب عليها لحل مشكلاتهم ضعيف. ولفتت أيضًا إلى غياب وضعف دور الإعلام في المجتمع.  وقالت إنه "ينبغي التوسع في المؤسسات التوعوية في المجتمع بحيث تعمل على التدخل لحل الخلافات الزوجية، وتقوم بتقديم جلسات نفسية للزوجين اللذين يعانيان من مشكلات دائمة بينهما، ففي العادة ما تكون أسباب الخلافات الزوجية وهمية وغير ذات قيمة، كما يجب على الأسرة أن تلعب دورًا مهمًا في استقرار الحياة الزوجية لأبنائها.
وأكدت لوتاه أن الزواج المبكر ليس سببًا للطلاق. لافتة إلى أنه كلما زادت الحضارة والتطور كلما كان هناك خلل في الحياة، حيث أن النظرة الدونية للشباب تجعلهم يسعون إلى الزواج من فتيات الغرب بسبب سهولة ذلك الزواج ولاعتقادهم بأنهن الأفضل، وأضافت أن "هناك جزءًا وضيعًا في شخصية بعض الأفراد قد يحدث عقدة مركبة لهم، وفي النهاية سيترك الشاب تلك الفتاة للبحث عن غيرها، وهذا هو الشاب (التافه) الذي ليست لديه قيمة لنفسه ويعيش على سطح المجتمع".

في أخبار