GMT 10:00 2012 الثلائاء 1 مايو GMT 8:36 2012 الأربعاء 2 مايو  :آخر تحديث

حريات الإسلاميين في تونس الجديدة تُحدِث انقساماً في البلاد

أشرف أبو جلالة
اختلاف في الآراء بين التونسيين حول الممارسات الدينية

تعيش تونس اليوم بعد ثورة الياسمين التي مرت بها، وبعد التغيرات التي طرأت عليها، حالة من الانقسام بين فئات الشعب، حيث أصبح شباب اليوم يمارسون حياتهم الدينية بشكل مختلف تماما عمّا عاشه أهلهم، وسط تساؤلات عن المستقبل الإسلامي والسياسي في البلاد.


القاهرة: تعيش تونس، التي كانت مهداً لموجة الربيع العربي التي غمرت فيما بعد عدة بلدان عربية، حالة من الانقسام الإسلامي، على خلفية ظهور رؤيتين بشأن الشكل الذي ينبغي أن تكون عليه البلاد في المستقبل، إحداهما علمانية ومعتدلة والأخرى أصولية.

ولفتت في هذا الصدد صحيفة "واشنطن بوست" الأميركية إلى تضارب الرؤى بين هذا الشاب الصغير الذي يدعى إبراهيم وبين أبيه، صالح عمارة، في ما يتعلق بموقف الإسلام من الديمقراطية والانتخابات. ونقلت عن الابن قوله "حرية الديمقراطية مطلقة. ونحن لا نقبل ذلك، لأن الحرية في ديننا مقتصرة على الحرية التي يمنحها لك الله".

وعلى العكس، يشعر الأب بحالة من الإحباط الشديد، نتيجة تكون تلك الرؤية لدى ابنه في مرحلة ما بعد ثورة الياسمين. وأعقبت الصحيفة بقولها إن الأمر تصاعد لحد أن الأب والأم بدآ يمتثلان إلى القيود الجديدة التي فرضها عليهما الابن الذي يبلغ من العمر 27 عاماً – حيث توقفا بالفعل عن مشاهدة المسلسلات التلفزيونية والأوبرا في التلفزيون نظراً للقدر الكبير من المحتوى الجنسي الذي تشمله تلك المواد.

ومع هذا، أكد الأب أن ابنه يمضي كذلك لما هو أبعد من ذلك بكثير، بعدما قرر إطلاق اللحية، رغم أنها قد تحدّ من فرص حصوله على عمل. وأضاف " وإن أصر إبراهيم على أن تقوم زوجته الجامعية علمانية المنشأ بتغطية شعرها وارتداء قفازات يد، فهذا شأن خاص به. لكن كيف له أن يرفض إجراء انتخابات حرة، وتلك هي النتيجة التي تعتبر أفضل ما تمخض عن ثورة الياسمين التونسية ؟".

ثم مضت الصحيفة تقول إن تونس تقف الآن منقسمة ين رؤيتين لمستقبلها، بعد مرور عام على الثورة التي أطاحت ببن علي وجعلته يلوذ بالفرار إلى المملكة العربية السعودية. وأضافت الصحيفة أن مواجهات الشوارع التي شهدتها البلاد العام الماضي تحولت إلى نوع مختلف من العراك، بعد نشوب مواجهات أكثر حميمية بدأت تواجه فيها كثير من العائلات العديد من التساؤلات الأساسية بشأن الهوية.

حيث بدأ يشعر الآباء العلمانيون، الذين فوجئوا بتغطية بناتهم رؤوسهن في الأماكن العامة، بالقلق من احتمالية وقوع أبنائهم فريسة للتطرف والتشدد. في حين نشأ سجال بين الأسر معتدلة التدين بشأن القرارات التي اتخذها أبناؤهم لإطلاق لحاهم والاعتراض على جوانب الحياة التونسية التي كانوا يتعاملون معها دائماً بشكل طبيعي مثل النبيذ والبيرة وملابس البكيني على الشواطئ وأفلام هوليوود في التلفاز.

وتابعت الصحيفة بقولها إن التساؤل الذي بات يفرض نفسه الآن في كافة أرجاء البلاد هو: هل يمكن وينبغي أن يتم الإبقاء على المزيج التونسي الذي يجمع بين الممارسات والقيم الإسلامية والغربية بموجب أجواء الحرية الجديدة في البلاد، أم قد تطلق تلك الأجواء العنان لتطرف ديني يهدد بدفع البلاد التي يقطنها 10 ملايين شخص صوب نوع جديد من الدكتاتورية ؟

وبعد مرور 16 شهراً على إضرام بائع الفاكهة التونسي، محمد بوعزيزي، النار في نفسه، لتشتعل مع تلك الحادثة موجة من الثورات في جميع أنحاء العالم العربي، تعيش تونس أجواء أفضل من الحاصلة في بلدان أخرى أطيح فيها بحكامها.

ولفتت في هذا السياق إلى بدء عودة السياح إلى الشواطئ التونسية مرة أخرى، وهدوء الأجواء نسبياً في الشوارع، وإجراء انتخابات نزيهة أوصلت إلى السلطة تحالفا من الأحزاب الإسلامية والعلمانية بقيادة حزب النهضة الذي يؤكد اعتداله في كل خطوة يقوم بها – رغم عدم تصديق كثير من العائلات العلمانية لأي كلمة يقولها.

لكن الصحيفة أوضحت في الإطار عينه أنه لا تزال هناك ندرة في الوظائف، وأنّ شعور اليأس الذي قاد للثورة بدأ يخفت قليلاً، وبالكاد يمر يوم دون حدوث نوع من أنواع المواجهات بين الإسلاميين والتونسيين العلمانيين. وبدأ يهدد الخلاف المتزايد بشأن الدين، في دولة يقطنها مسلمون بنسبة 100 % تقريباً، بإدخال تونس في فوضى.

ونقلت الصحيفة عن مصطفى بن جعفر، الذي يترأس المجلس الوطني التأسيسي، قوله "لم نحظ بحرية أو ديمقراطية على مدار 30 عاماً. وموقفنا اليوم هش وحساس للغاية لأننا محاصرون بين قوتين – واحدة تريد تقدماً وأخرى تريد العودة في الوقت المناسب".
وتابع بن جعفر حديثه بالقول: "وللحرية دائماً ثمنها. فكانت تتواجد تلك الحركات المتطرفة قبل الثورة، لكنها كانت خاملة. أما اليوم، فقد بات كل شيء علنياً، والحمد لله على ذلك".

ونوهت الصحيفة أيضاً بأن أنصار التيار السلفي، ومنهم الشاب إبراهيم عمارة، غير راضين بمجرد ممارستهم لحقهم الجديد في التظاهر. وقالت إن إبراهيم يخبر أسرته بضرورة تطبيق الشريعة، وجعل القرآن هو القانون السائد في الأرض، مؤكداً أنه "إذا حاولت الدولة إسكاتنا، فإننا سنستخدم عدة وسائل منها العنف أيضاً".

كما أعرب شقيق إبراهيم الأكبر، وهو شاب يدعى أحمد، ويبلغ من العمر 29 عاماً، عن اندهاشه واستغرابه من موقف شقيقه المتحول، مضيفاً أنه "كان كالشبان الطبيعيين، ويعتاد الذهاب إلى النوادي، والحفلات، وأنه لم يكن يقصر نشاطه على الصلاة فحسب طوال الوقت. وأنا من جانبي أعتبر أكثر انفتاحاً منه. لأنني ما زالت أعتقد أن بمقدورنا الحصول على هذا التوازن، بين أن نكون غربيين وإسلاميين في الوقت ذاته".

ثم انتقلت الصحيفة للحديث عن محور آخر متعلق بظهور مخاوف جديدة من التيار المتشدد، وضربت المثال هنا بمشاعر القلق التي بدأت تهيمن على زوجين يدعيان عدنان عايد وهدى شريف، بعد عودتهما لتونس قادمين من اليابان قبل الثورة بعام، فرغم سعادتها في البداية بسقوط نظام حكم الرئيس زين العابدين بن علي، إلا أنهما باتا قلقين الآن من تنامي الانقسامات. وقالت شريف التي تبلغ من العمر 42 عاماً :" كلنا مسلمون، لكننا بدأنا ننفصل وننقسم إلى أنواع مختلفة ومتعددة من المسلمين".

وأكدت الصحيفة أن التظاهرات العنيفة التي قام بها السلفيون، رغم قلتها، في الأشهر التي سبقت انتخابات تشرين الأول (أكتوبر) الماضي وفي الأشهر التي تلتها، قد تسببت بإثارة ذعر كثير من التونسيين. وتحدث شريف في هذا السياق عن صديق تعرفه، وهو متعلم تعليماً جيداً، وكيف عاقبته والدته لمجرد تصويته لحزب علماني، حيث قالت له "لقد قمت بالتصويت ضد الله". وأعقبت شريف حديثها بالقول: "كيف لك أن تتصدى لذلك؟ وكيف لك أن تعلم الناس بشأن نموذجنا الإسلامي المعتدل بينما تخبر الأحزاب السياسية الناخبين بأن نهجهم هو الوحيد الذي يؤدي للجنة".

وقال علي غايدي طالب جامعي:" وما لا يدركه العلمانيون هو أنه حتى الناس الذين يرتدون النقاب يقرأون الكتب. ويخاف هؤلاء الناس بشكل كبير من أن لا يرى المتطرفون أننا جميعاً تونسيون. فنحن سنظل معتدلين، كما كنا من قبل على الدوام".

وهي النبرة نفسها التي تحدثت بها شريف ومجموعة من أصدقائها، رغم انتشار القيم الإسلامية المتشددة، بعدة نواح. وأضافت شريف "سعت الرسالة العلمانية لاستهداف النخبة. فنحن خاطبنا العقل، أما الإسلاميون فوجهوا خطابهم للقلب. حيث تحدثوا عن الأمانة والإيمان والعدالة وكذلك عن الوظائف. ونحن كنا مخطئين تماماً".

وقال عياض بن عاشور الذي كان يدير اللجنة الدستورية في البلاد:"بدأ يفقد الناس صبرهم، وهم في انتظار الحصول على وظائف. والخطر هو احتمالية أن تقود التظاهرات إلى فوضى، من الممكن أن تعيدنا مرة أخرى إلى عصر الدكتاتوريات. لكن قمع الائتلاف الحاكم الأشخاص المتطرفين، قد يكسب وقتاً لإعادة بناء الاقتصاد. ولا يمتلك المتطرفون في تونس جذوراً اجتماعيةً عميقةً كما هي الحال في مصر. والمواطنون التوانسة العاديون يمتلكون بالفعل ديمقراطية في رؤوسهم".

ثم تحدثت الصحيفة عن نموذج آخر لشخص يدعى سمير العيوني، ويبلغ من العمر الآن 50 عاماً، حيث عاش معظم حياته في ثلاثة عوالم مختلفة : في المسجد وفي تونس العلمانية وفي الدهاليز السرية لحزب النهضة. وأوردت عنه قوله إنه قد اتضح أن الثورة نشبت في الأساس لأغراض سلمية لأن تونس تختلف عن غيرها من البلدان.

وتابع حديثه بالقول :" قضت المعارضة العلمانية وحزبنا سنوات عديدة في السجن. ونحن لم نخرج لنغير بعضنا البعض. فهذه ليست دولة إسلامية، بل دولة تونسية".

ورغم إدراك سمير أن بلاده ما يزال أمامها وقت طويل قبل أن تتمكن من بلوغ غاياتها، إلا أنه عاود ليقول "أصبحت حراً لأول مرة بعد 50 عاماً، وبات بمقدوري أن أتنفس". وعاودت هدى شريف لتقول :" علينا أن نبقى في تونس الآن وأن نتصدى لخصومنا المتشددين دينياً. فأنا أريد أن ينشأ أولادي هنا في وطني". فيما قال إبراهيم عمارة "سيصل كل مسلم لمرحلتنا وسيصبح مثلنا. ومهمتنا هي هداية الآخرين، وإن لم يسمحوا لنا بالتعبير عن أنفسنا، فسيتعين علينا أن نقاتل".

 

في أخبار