GMT 5:00 2013 الخميس 5 ديسمبر GMT 13:44 2015 الأربعاء 24 يونيو  :آخر تحديث
متدين قاهر الإخوان ورأسمالي خليفة ناصر الإشتراكي

عبد الفتاح السيسي: رجل مصر القوي وشخصية الحاكم المتناقضة

صبري عبد الحفيظ

صورة عبد الفتاح السيسي في كل مكان بمصر، يراه الناس خليفة جمال عبد الناصر فيمجدونه، بينما يصفه أنصار الإخوان بالخائن السفاح ويشتمونه. وفي الحالتين، يبقى شاغل الدنيا بشخصيته الغامضة.


القاهرة: لم يعرف المصريون اسم عبد الفتاح السيسي إلّا بنهاية حزيران (يونيو) 2011، مقترنًا بفضيحة ما يعرف بـ"اختبارات العذرية" التي أجراها الجيش المصري لفتيات تظاهرن احتجاجًا على التعديلات الدستورية في شهر آذار (مارس) 2011.

بعد عامين من تلك الحادثة، وتحديدًا في 30 حزيران (يونيو) 2013، تحوّل السيسي إلى زعيم يشار إليه بالبنان، وصار اسمه معروفًا في أنحاء العالم عقب تدخله للإطاحة بنظام حكم الإخوان وعزل الرئيس السابق محمد مرسي، وسجن الغالبية العظمى من قيادات ورموز الإخوان المسلمين، وإنقاذ البلاد من حرب أهلية كانت تلوح في الأفق.

الرجل الغامض

وجد السيسي نفسه، مع 18 قائدًا بالجيش المصري، في بؤرة الأحداث والأضواء، عقب نجاح ثورة 25 يناير في الإطاحة بالرئيس السابق حسني مبارك، والقضاء على أحلام نجله جمال في التوريث، وتولي المجلس العسكري الحكم في 11 شباط (فبراير) 2011.

ورغم أنّ بعض أعضاء المجلس صاروا في دائرة الأضواء، ومنهم أستاذه المشير حسين طنطاوي، وزير الدفاع أنذاك، ونائبه الفريق سامي عنان، واللواء حسن الرويني قائد المنطقة المركزية العسكرية السابق، واللواء حمدي بدين قائد الشرطة العسكرية، واللواء محمد العصار، واللواء ممدوح شاهين، إلا أنّ السيسي وبحكم منصبه رئيسًا للمخابرات العسكرية وقتها، لم تبهره أضواء الإعلام ولا صخب الحياة السياسية، ولم يسعَ إليها ولم يرحب بها حين سعت إليه، فلم يظهر أبدًا في أي برامج أو على صفحات الجرائد، واكتفى بأن تمر الكاميرات أمام عينيه أثناء اجتماعات المجلس العسكري فقط. فاكتسبت شخصيته الكثير من الغموض.

فضيحة العذرية

في آذار (مارس) 2011، ارتكب الجيش المصري انتهاكات شديدة بحق 17 فتاة قبض عليهنّ أثناء التظاهر بميدان التحرير، ونقلن إلى السجن الحربي، حيث أجريت لهن ما يعرف بـ"اختبارات العذرية"، في مشهد أدانته جميع منظمات حقوق الإنسان، محليًا ودوليًا. كسرت الناشطة السياسية سميرة إبراهيم حاجز الخجل والصمت والعادات والتقاليد، وتحدثت علانية عما تعرضت له من إنتهاكات مخزية. وأقامت دعوات قضائية ضد قادة الجيش، إلا أنهم ردوا بالنفي.

وحده السيسي امتلك الشجاعة، معترفًا بإرتكاب الجيش اختبارات العذرية بحق المتظاهرات. وجاء اعترافه خلال لقاء مع وفد من منظمة العفو الدولية، أزاح أمينها العام سليل شيتي النقاب عمّا جرى خلاله في بيان رسمي للمنظمة. وبرر السيسي تلك الإنتهاكات بأنها لحماية الجيش من اتهامات محتملة بالإغتصاب.

ورغم إقرار السيسي بالجريمة، ورغم إثبات وتوثيق شهادات الضحايا وشهود آخرين، إلا أن حقوق الفتيات الضحايا أهدرت. وحصل الجندي الوحيد الذي قدم للمحاكمة عسكريًا على البراءة، وعاد السيسي إلى هدوئه وصمته مرة أخرى.

حياة من دون تفاصيل

ولد عبد الفتاح سعيد السيسي في حي الجمالية الشعبي بالقاهرة، بتاريخ 19 تشرين الثاني (نوفمبر) 1954، وهو الحي نفسه الذي ولد فيه الأديب العالمي الراحل نجيب محفوظ، الحائز على جائزة نوبل للآداب.
وتخرج السيسي من الكلية الحربية في 1977، وحصل على ماجستير في كلية القادة والأركان البريطانية في 1992، كما حصل على زمالة الحرب العليا الأميركية 2006. ولم يول وجهه شطر الإتحاد السوفياتي، مثل غالبية القادة العسكريين المصريين، بل تعلم في أميركا، لاسيما أنه قضى فترة شبابه وكهولته في عهد الرئيسين أنور السادات وحسني مبارك، اللذين تحولا من التحالف الاستراتيجي مع الإتحاد السوفياتي السابق إلى التحالف مع الولايات المتحدة الأميركية. وتتلمذ السيسي على أيدي القادة العسكريين الأميركيين.

الحياة الخاصة للسيسي غامضة جدًا، ولا يعرف عنها سوى أنه أب لأربعة أبناء، ثلاثة ذكور وبنت. أستاذه الأميركي البروفيسور ستيفين جيراس، الذي عمل مستشارًا أكاديميًا للسيسي في كلية الحرب العليا الأميركية في الفصل الدراسي 2005 ــ 2006 خلال دراسته للزمالة، كشف بعضًا من شخصيته. قال عنه: "كان طالبًا ذكيًا يتقن اللغة الانجليزية، وجادًّا يعتبر من أكثر الطلاب العسكريين الذين كانوا يدرسون الزمالة جدية"، مشيرًا إلى أنه "متدين في غير تعصب".

إلا أنه برهن أنه رجل قوي فعلًا، استطاع الحفاظ على استقلال القرار السياسي المصري، وأرغم الولايات المتحدة على مراجعة مواقفها من ثورة 30 يونيو، ولم يلن لإدارة الرئيس بارك أوباما عقب تجميد المعونات الأميركية لمصر، ولم يرضخ لضغوط تركيا، بل طرد السفير التركي من القاهرة، ولم يخجل من تقديم الشكر لدول الخليج العربية على مساعدتها مصر.

إخواني وزيرًا للدفاع

 

في 12 آب (أغسطس) 2012، اتخذ مرسي قرارات قوية وصادمة عندما أقال طنطاوي ونائبه عنان وغالبية أعضاء المجلس العسكري السابق، وعيّن السيسي وزيرًا للدفاع. واعتبر المراقبون أن مرسي أخرج الجيش من المعادلة السياسية للأبد، وأنهى 60 عامًا من سيطرة العسكر على السلطة في مصر. اتهم السيسي بأنه رجل الإخوان في الجيش، وذهب البعض إلى وصفه بـ"الإخواني".

وقال عنه الإعلامي توفيق عكاشة، الذي كان مقربًا من المجلس العسكري السابق، قبل توليه المنصب بنحو شهرين: "اللواء عبد الفتاح السيسي رجل الإخوان في الجيش". وعندما تولى منصب وزير الدفاع قال عكاشة عنه: "الفريق أول عبد الفتاح السيسي صاحبي وصديقي، وأنا اللي قلت إنه من الإخوان، وأنا اللي قلت إن المشير طنطاوي هيمشي قبل الفطار، وهيجي الفريق أول عبد الفتاح السيسي". وتابع عكاشة: "أيه يعني إنه من الإخوان".

اعتقد المصريون أن السيسي إخواني أو على الأقل إسلامي من المتحمسين للتجربة الإسلامية في الحكم، إلا أن الواقع أثبت غير ذلك تمامًا، وثبت أنه ربما كانت تلك الشائعات مقصودة، وربما ساهم السيسي شخصيًا، بصفته مديرًا للمخابرات الحربية، في نشرها لإيهام الإخوان بأن الحكم ومؤسسات الدولة السيادية قد دانت لهم، حتى يأخذهم على حين غرة.

المعارضة تستنجد

تصاعدت الأحداث في مصر خلال العام الذي حكم فيه مرسي البلاد بسرعة شديدة. واشتعلت المعارضة لنظام الإخوان، بعدما شكلت جبهة قوية ضمت الأحزاب الليبرالية والحركات الثورية. لكن ظهور حملة "تمرد" كان له القول الفصل بعد التفاف المصريين حولها، وتوعدت بأن يكون تاريخ 30 حزيران (يونيو) 2013 بداية نهاية حكم الإخوان.

إلا أن المعارضة و"تمرد" كانتا تشكان في قدراتهما على إزاحة الجماعة التي تمتلك قدرة كبيرة على الحشد، فاستنجدتا بالجيش وطالبتاه الإنحياز للشعب، وإسقاط نظام حكم الإخوان، وكان على رأس هؤلاء، الدكتور محمد البرادعي، نائب رئيس الجمهورية السابق.

رفض السيسي الدعوات داعيًا المعارضة والإخوان إلى ضرورة التفاهم. وقال في 11 آيار (مايو) الماضي: "لا بد من وجود صيغة للتفاهم، فالجيش نار، لا تلعبوا به ولا تلعبوا معه". وتابع السيسي في كلمة له أثناء تفتيش حرب في الفرقة التاسعة مدرعات بالمنطقة المركزية: "مفيش حد هيشيل حد، ولا يجب أن يفكر أحد أن الحل بالجيش، وعليكم ألا تغضبوا، فالوقوف 10 أو 15 ساعة أمام صناديق الانتخابات أفضل من تدمير البلد".

وحذر من أن تدخّل الجيش في الحياة السياسية سوف يؤخر مصر أربعين عامًا، وقال: "مع كل التقدير لكل من يقول للجيش ينزل الشارع، خلاص، لو حصل ده لن نتكلم عن مصر لمدة 30 أو 40 سنة للأمام".

كان السيسي يأمل أن يستطيع الفرقاء السياسيون إيجاد صيغة للتفاهم، إلا أنهم ما كانوا على مستوى المسؤولية، فلم يتقدم أي طرف بمبادرة للحل، بل إستمرت حالة الشحن والشحن المضاد، والتنابز بالمظاهرات المليونية، وتهديد الإسلاميّين معارضيهم الليبراليين بالسحق.

منقذ أم سفاح؟

لم يجد السيسي أمامه سوى التدخل، فوجّه إنذارًا لجميع الأطراف بضرورة الوصول لحل سياسي خلال أسبوع، إلا أن كل طرف اعتبر التحذير موجهًا للآخر، ورفض تقديم تنازلات. خرج المصريون في تظاهرات مليونية في 30 يونيو منادية بإسقاط حكم الإخوان، وقالت الجماهير إنها لن تبرح الميادين إلا بعد رحيل مرسي. استجاب السيسي لنداءاتها وعزل مرسي من الحكم في 3 تموز (يوليو) الماضي.

بغض النظر عن توصيف ما حصل، إنقلاب أم ثورة شعبية، تحول السيسي إلى زعيم ورآه المصريون منقذًا من الحرب الأهلية، فسمّوا مواليدهم باسمه، وصار لمصر رجل قوي بعد عقود من فقدان الرمز السياسي.

إرتكب السيسي عدة مجازر بحق أنصار مرسي في حادثة الحرس الجمهوري، التي راح ضحيتها أكثر من خمسين قتيلًا، وحادثة المنصة التي راح أكثر من مائة قتيل، وفض اعتصام ميداني رابعة العدوية ونهضة مصر، وراح ضحيته 726 قتيلًا، حسب إحصاءات مصلحة الطب الشرعي، وخمسة آلاف قتيل بحسب إحصاءات الإخوان. ورغم عودة الدولة البوليسية، وانتشار القمع في أنحاء البلاد، والإعتقالات العشوائية في صفوف الإسلاميين، بما يعزز نظرية الإنقلاب العسكري، إلا أن السواد الأعظم من المصريين يرون تلك الإجراءات من قبيل الحسم الذي يفتقدونه في إدارة الدولة منذ ثورة 25 يناير.

الهوس والنفاق

يرى منتقدو السيسي أنه قاتل وسفاح خائن وقائد إنقلاب عسكري ضد رئيسه المنتخب، بينما يعتبره مؤيدوه زعيمًا، أشبه ما يكون بالزعيم الراحل جمال عبد الناصر، أو الرئيس الأميركي الراحل جورج واشنطن. وبلغ هوس المصريين بالسيسي إلى حد أن صوره تنافس كبار نجوم السينما والطرب، وتنشر في الشوارع وتعلّق في المنازل والمحال التجارية، وتطبع على الشكولاته الفاخرة. و تنافست بعض المصانع في إطلاق منتجات تحمل إسمه، منها "زيت السيسي"، "شكولاته السيسي"، إلى بيجامات نسائية مطبوع عليها صورته.

لا يتوقف الإعلام بشقّيه الرسمي والعام عن النفاق للسيسي، يصفونه بأنه منقذهم من مستقبل أسود كان بإنتظارهم. ولم تعد في مصر أية منافذ إعلامية مناوئة للسيسي، ولم يعد لأنصار مرسي سوى الجزيرة، لاسيما أنّ حالة النفاق انتقلت إلى المنافذ الإعلامية العربية، وخصوصًا الخليجية، إذ رأت فيه الأنظمة العربية مخلصًا لهم من كابوس الإخوان الذي كان يؤرّق الرؤساء والملوك والأمراء، الذين يخشون من إنتقال فيروس الثورة وإيقاظ الخلايا الإخوانية النائمة في بلادهم.

لا أحد يجرؤ على إنتقاد السيسي، حتى ولو تلميحًا، وللجميع أن يأخذ العبرة والعظة من الإعلامي باسم يوسف. فرغم أن صاحب "البرنامج" ساهم بقدر كبير في الإطاحة بمرسي والإخوان عبر السخرية منهم، إلا أن ثلة رجال الأعمال والإعلاميين لم يتحملوا نقده للسيسي تلميحًا، وألغى رجل الأعمال محمد الأمين برنامجه من العرض في قناته "سي بي سي". ويبدو أن أذن السيسي تطرب لسماع النفاق والإطراء، ولا تطيق النقد، وإلا لكان تدخل شخصيًا من أجل إستمرار يوسف في برنامجه.

قمع واستبداد ناصر

يبدو الرجل فعلًا إمتداداً للزعيم الراحل جمال عبد الناصر. تنتشر صوره المطبوعة إلى جانب صور ناصر في شتّى أرجاء مصر، إلا أن السيسي، لم يأخذ من ناصر إلا قمعه للإخوان والتيار الإسلامي والإعتقالات العشوائية. وكشفت تسريبات نشرتها شبكة رصد، إحدى الأذرع الإعلامية لجماعة الإخوان، بعضًا من الجوانب الغامضة من معتقدات السيسي السياسية والإقتصادية والأمنية وحتى الإجتماعية.

ويظهر في إحدى تلك التسريبات عهد أمان لضباط الشرطة من الملاحقة القانونية في حالة ارتكاب جرائم قتل أو إصابة للمتظاهرين، ولذلك أطلق يدها في قمع أنصار مرسي والنشطاء من مختلف الأطياف السياسية. وقال في تسريب مصوّر له: "الضابط اللي هيضرب غاز أو خرطوش، وحد يموت أو يتصاب في عينيه، يتحاكم.. لأ مش هيحصل خلاص.. والمتظاهرون قد أدركوا ذلك".

ولا يؤمن السيسي بضرورة تطهير مؤسسات الدولة المصرية التي ثار ضدها المصريون في 25 يناير ثم في 30 يونيو، بل يدعو للصبر عليها، لا سيّما جهاز الشرطة ومؤسسة القضاء. وقال في تسريب آخر في شهر آذار (مارس) 2012: "كل كلمة إساءة أنت بتقولها في وزارة الداخلية، أنت مبتساعدش في البناء"، وأضاف: "فيها مش كويسين، والقضاء فيه ناس مش كويسيين، ده طبيعي مفيش مؤسسة في الدنيا عشرة على عشرة، ينفع أن احنا نمسك المرزبة ومكسرين الداخلية كلها".

مصر لن تسقط

غير أن السيسي يؤكد أن الدولة المصرية لن تسقط، وأن الجيش لا يوجه قوته للثأر من أية مؤسسة أو جهة أخرى. وقال في تسريب أذاعته قناة الجزيرة: "الدولة المصرية لن تسقط، لن تسقط، لن تسقط.. لكن مؤسساتها كادت أن تقع.. مؤسسة الرئاسة نزعت نزعا.. والدستور راح، والبرلمان شورى وشعب راح، والداخلية تلقت ضربة شديدة جدًا كادت أن تروح.. القضاء ابتدى يتشكك فيه، الدعائم بتاعة الدولة خدت ضربة شديدة كادت أن تطيح بالدولة، وعشان كده فى الفترة اللى كان فيها الجيش ماسك البلد السنة ونص دول كان ماشى على خطة كل همه وكل عينه أن ينفذها وهى إعادة القوة لمؤسسات الدولة، دون أن يفكر فى أى إساءة وجهت له". واستطرد: "أنا عايز أقولكم عمر قوة الجيش ما كانت هتستخدم ثأرًا من حد، لا إعلام ولا داخلية لا ده ولا ده أبدًا".

الرأسمالي المتوحش

أظهرت التسريبات أن السيسي خليفة ناصر لا يعتنق الفكر الإشتراكي، رغم ما يبديه من تصريحات تدعو إلى الحنو على فقراء الشعب المصري، بل يؤمن بالرأسمالية، ويدعو إلى ضرورة أن يدفع المصريون ثمن كل خدمة يحصلون عليها. ويدعو إلى إلغاء الدعم على السلع، وقد يرجع ذلك إلى أنه تربى في المدرسة العسكرية الأميركية، ولم ينشأ كغيره من القادة القدامى في المدرسة السوفياتية الإشتراكية.

وقال في تسريب صوتي له: "لا يمكن أن تدفع الدولة في هذه الظروف 107 مليارات جنيه دعمًا للطاقة و17 مليارًا دعمًا للخبز، ولابد للمواطن أن يدفع 67 جنيهاً قيمة الانبوبة". وألمح إلى ضرورة تخفيض الرواتب، مشيرًا إلى أن ألمانيا وجنوب السودان وجنوب أفريقيا خفضوا المرتبات 50% ولم يتحدث احد من الشعب". وأثنى على محاولة الرئيس الراحل أنور السادات رفع الدعم عن الفقراء في العام 1977.

لا شيء من دون ثمن عند السيسي، ولكي يحصل المصري على الأمن والنظافة يجب عليه أن يدفع. وقال في تسريب له: "أنا لو حكموني على موضوع التليفونات دة هخلي اللي بيتصل بالتليفون يدفع، واللي بيسمعه يدفع، عشان الناس طول اليوم بتتكلم في التليفون". وأضاف: "بالنسبة للي بيتكلم عن الأمن والنضافة، هتدفع؟ هوريك اللي مشوفتوش طالما هتدفع، إنما ببلاش؟ انا معرفش حاجة إسمها ببلاش، وانا بتكلم بجدـ ولازم يا مصريين تتعودوا، تاخد خدمة تدفع تمنها".

السياسي العاطفي

يتمتع السيسي بشعبية جارفة في أوساط المصريين، دفعت جميع من يرون في أنفسهم القدرة على خوض الإنتخابات الرئاسية إلى إعلان تراجعهم عن الترشح، إذا ما قرر هو شخصيًا خوض السباق الرئاسي. وانطلقت الحملات لجمع توقيعات المصريين من أجل مطالبته بالترشح، أشهرها حملة "كمل جميلك". قال مؤسسها رفاعي طه أن الحملة جمعت 15 مليون توقيع. ولعل أغرب الحملات هي حملة "قرار الشعب"، التي قالت إنها جمعت ثمانية ملايين توقيع من أجل تنصيب السيسي رئيسًا للجمهورية لمدة خمس سنوات من دون إنتخابات رئاسية.

يمتلك السيسي قدرة واضحة على أسر الجماهير أثناء الحديث إليها، ويتميز بأنه يعرف جيدًا متى يتحدث إليهم بصوت خفيض ويمتلئ بالحنان، ومتى يتحدث لغة حازمة وباترة. ويعلم السيسي جيدًا أن الشعب المصري عاطفي، تؤثر فيه جدًا "الكلمة الحلوة"، هذه الطريقة في الحديث جعلت الشيخ حازم أبو إسماعيل يصفه بأنه"ممثل عاطفي".

ترك السيسي في قاموس المصريين مجموعة من العبارات التي صارت بمثابة أقوال مأثورة منها: "مصر أم الدنيا وهتبقى قد الدنيا"، قالها السيسي خلال لقائه بضباط القوات المسلحة بمسرح الجلاء بتاريخ 14 تموز (يوليو) الماضي، وتلقف صناع الموسيقى والغناء تلك الكلمة، وجعلوا منها أغنية".

ومن عبارات السيسي الآسرة للمصريين أيضًا: "أنتو مش عارفين إنكو نور عينينا ولا إيه". قالها أثناء الإحتفال بذكرى انتصارات حرب أكتوبر، في معرض تأكيده على أن الشعب والجيش من طينة واحدة، وأن كليهما لا ينفصل عن الآخر. ومن مأثوراته الشهيرة: "قبل ما تتألموا إحنا نموت الأول"، و"ما تكسروش بخاطر مصر".

المحصن دستوريًا

لا يأمن السيسي غدر الشعب المصري ولا يثق بتلك الشعبية التي تبدو في ظاهرها جارفة، لاسيما أن التيار الإسلامي ما زال يمتلك قدرة كبيرة على الحشد في الانتخابات. ورغم إعلان السيسي نيّته للترشح في الغرف المغلقة إلا أنه يخشى الفشل وخسارة منصبه كوزير للدفاع، لذلك لجأ إلى تحصين نفسه في منصبه بالدستور الجديد، وكشف تسريب لمقتطفات غير منشورة من مقابلة صحافية مع رئيس تحرير جريدة المصري اليوم الصباحية، ياسر رزق، أن السيسي يود تحصين نفسه. وقال: "المفروض تقود أنت والمثقفون حملة لوضع فقرة في الدستور تحصن الفريق السيسي في منصبه كوزير للدفاع، وتسمح له بالعودة لاستئناف دوره حتى لو لم يدخل الرئاسة".

واستطاع أن يظفر بما أراد، وحصن في منصب وزير الدفاع ثماني سنوات، أي ما يعادل دورتين رئاسيتين. وتنصّ المادة رقم (233) بالدستور الجديد، على: "أن يكون تعيين وعزل وزير الدفاع بعد موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وتسري أحكام هذه المادة لدورتين رئاسيتين كاملتين اعتبارًا من تاريخ العمل بالدستور".

الحاكم الفعلي

لا يخفى على القاصي والداني أن السيسي هو حاكم مصر الفعلي منذ الإطاحة بمرسي وسجنه في 3 تموز (يوليو) الماضي. وهو يتحدث إلى الجماهير من حين إلى آخر مستندًا إلى وضعه المميز في سلّم السلطة المصري. ولعل الجميع يذكر ليلة 24 تموز (يوليو) الماضي، عندما طالب الجماهير المصرية بالخروج في تظاهرات مليونية  لتفويضه بمواجهة الإرهاب.

وقال: "أنا بطلب من المصريين أن ينزلوا الجمعة الجاية علشان يدوني تفويض وأمر عشان أواجه الإرهاب المحتمل". لبّى ملايين المصريين دعوته، وتظاهروا في مختلف الميادين والشوارع يوم الجمعة 26 تموز (يوليو)، فيما أعتبر وقتها بأنه إستفتاء على شعبيته، وتأكيد على أن حركة 30 حزيران (يونيو) ثورة شعبية وليست إنقلابًا عسكريًا.

ويدرك الغرب والعرب أن السيسي هو رجل مصر القوي، فلا يحضر مسؤول غربي أو عربي إلى القاهرة إلا ويولي شطر وزارة الدفاع المصرية، ليلتقي الرجل الذي لا يمكن أن ينفذ أي قرار مصري، داخلي أو خارجي، إلا بإرادته.

ديغول أم بهلوي؟

ينتظر غالبية المصريين محطة الإنتخابات الرئاسية في خارطة المستقبل بفارغ الصبر، وكلهم أمل أن يتخذ السيسي قرارًا حاسمًا بخوض السباق الرئاسي، لكن هل يقدر السيسي على تحقيق حلمه في أن تصبح مصر قد الدنيا، فيتحول إلى جورج واشنطن المصري، أم يفشل في تلبية مطالب المصريين، ويخيب أملهم فيه، ويلقى مصير الجنرال الفرنسي شارل ديغول؟ أم يلقى مصير شاه إيران محمد رضا بهلوي ويغادر مصر في حال نجاح الإخوان في ثورة إسلامية، لاسيما أنهم يرفضون الإعتراف بما حصل في 3 يوليو/ تموز 2013؟ كلها أسئلة تضع مستقبل مصر على المحك.


أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في أخبار