GMT 4:07 2010 الجمعة 29 أكتوبر GMT 7:00 2010 السبت 30 أكتوبر  :آخر تحديث

سبعمائة فضائية عربية، لما تصلح؟

إيهاب الشاوش

ماذا قدمت أكثر من سبع مائة فضائية عربية للشباب العربي، الذي يشكل ثلثي السكان العرب؟ و ما هي البرامج التربوية و التثقيفية الجادة التي تنتجها هذه القنوات لتصنع بذلك وعيا مغايرا لهذه الفئة، تقيه مخاطر التطرف و تنتزعه من براثين الأمية و الجهل التي يقبع فيها خمس الشباب العربي، رغم جهود حكومات ما بعد الاستقلال في الاستثمار في المعرفة و التربية و ان كانت بنسب متفاوتة و مناهج مختلفة؟

لا اعتقد أنها قدمت الشيء الكثير، و إلا كيف نفسر هذه النسب المرتفعة لعزوف الشباب العربي عن المشاركة في الشأن العام(بين 2 و 5 بالمائة، حسب احصائيات جامعة الدول العربية)، و جهله بتاريخه، و تراجع جودة التعليم وبقاء الجامعات العربية في أسفل سلم التصنيفات الدولية، الخ الخ، أليس الإعلام و الفضائيات خاصة، سبب البلية الرئيس في كل ذلك، نظرا لدوره المتنامي في التأثر على الشباب؟ بل انه و خلال السنوات الأخيرة، لم يكتف بدوره التخريبي هذا و إنما ساعد الشباب على الانخراط في دوامة العنف الرياضي عبر الإثارة و التحريض و دفعه دفعا نحو اعتناق الطائفية و الإرهاب بتقديم زعماء القاعدة على أنهم أبطالا يدافعون عن "شرف الأمة الضائع" و شيوخ الفتاوى وكأنهم قادة للرأي المستنير.

انظروا مثلا ماذا حصل في العراق بعد الاحتلال الأميركي، الم تنتشر الفضائيات و الصحف و الإذاعات كانتشار النار في الهشيم، بعد ان كانت الدولة تسيطر على تلفزيون يتيم؟ لكن ما النتيجة؟ ارتفاع نسب الأمية و الجهل بين أبناء الشعب العراقي، بعد ان كان العرب يضربون به المثل في التقدم العلمي و الازدهار الثقافي. فعوض ان تقدم البدائل و تجيب على أسئلة الشباب الملحة و تساعد الشعب العراقي على النهوض من جديد و التوحد و الخروج من محنته، انطلقت في سباق محموم وراء الربح المادي و تناطحت فيما بينها على خلفيات طائفية و دينية لم تكن في يوم من الأيام من تقاليد العراق ولا العراقيين.

 من منا لا يشعر بالمتعة، خلال مشاهدة البرامج التربوية و الوثائقية و حتى برامج الأطفال التي تقدمها التلفزيونات الغربية، في حين انه يلعن اليوم الذي شاهد فيه برنامجا تربويا من إنتاج محلي. و قد نكون أغبياء حين نعتقد ان ما نشاهده في التلفزيونات الغربية هي بفعل ساحر، أبدا، فوراء كل برنامج دسم و قيٌم أسطول من الخبراء والفنيين من كل الاختصاصات، أما برامجنا المحلية فلا تجمع حولها إلا السماسرة والمنقطعين عن الدارسة مبكرا،او أولئك الذين ظنوا ان إخراجا فاشلا زائد بعض صور زائد نص رديء قد يثمر مادة إعلامية قادرة على إثارة اهتمام شباب القرن الواحد و العشرين.

و اللوم كل اللوم في ما آلت إليه أوضاع فضائياتنا العربية، لا يقع على التلفزيونات الخاصة، اذ ان انتشارها هذا كانتشار محلات بيع رقاقات الهاتف الجوال، كان نتاجا طبيعيا لعوامل عدة، أبرزها العولمة و انفتاح السماء و التطور التكنولوجي السريع وانخفاض تكلفة الإنتاج و هامش الحريات الذي بدأ يتوسع في بعض الدول، و ليس بوسع أحد معارضة هذا التعدد، بل إنني اعتقد جازما انه مهما حاولت سلط الإشراف والهيئات كبح جماح هذه القنوات وغلق بعضها حينا و لفت نظر البعض الآخر أحيانا أخرى، الا انها في النهاية ستفشل في وقف الزحف التلفزيوني المتنامي، و اذا كان عددها ا الآن يناهز ال700 فإنها ربما تتضاعف في السنوات القليلة المقبلة. اللوم إذا يقع على التلفزيونات العمومية التي تخلت عن دورها التربوي و التثقيفي كمرفق عمومي و سلمت أمرها الله، زاعمة أنها ليست في مستوى منافسة القطاع الخاص،والحال أنها مدعومة و تتمتع بنسب هامة من الإشهار الحكومي و الخاص.

و أتساءل إذن، كيف سيكون حال التلفزيونات العمومية العربية إذا قررت إحدى الحكومات منع الإشهار في التلفزيون العمومي باعتبار أن وظيفته غير ربحية بالأساس أسوة بفرنسا، حين حرم الرئيس الفرنسي ساركوزي القنوات العمومية من عوائد الومضات الإشهارية بعد الثامنة ليلا، هل كانت ستغلق أبوابها و كنا سنقرأ الفاتحة ترحما على أرواحها؟
بالعكس لا بد ان تشكل الفضائيات العمومية العربية،مركز ثقل مضاد للقنوات الخاصة، حتى يحصل التوازن بين القطاعين و تكون الفضائيات العمومية الخاصة بمثابة صمام آمان المجتمع، و ذلك عن طريق ترسيخ هويته و قيمه و التعريف بتاريخه و ثقافته و حضارته، و هذا لن يحصل الا، أولا بتدعيم فضائيات الاختصاص مثل تجربة البي بي سي و الراي الإيطالية و القنوات العمومية الفرنسية، ثم ثانيا بتغير الشكل اي كيفية تقديم المادة الإعلامية للجمهور مع تغير المضمون و الالتصاق أكثر بمشاغل المواطن العربي، و أخيرا لا بد من تطعيم التلفزيونات العمومية العربية بخبراء من علم اجتماع و علم نفس و تاريخ و تربية و تكنولوجيا... إذ كم هو عدد الخبراء و المختصين، ضمن مجالس إدارة التلفزيونات العربية، ان وجدت، التي تسطر و تخطط لبرامج القناة و ترصد ردود فعل الشارع العربي؟ أليست الاعتباطية و الدسائس، هي العملة السادة فيها؟

في حديث خاطف مع ألن بيلي مدير العلاقات الدولية في تلفزيون فرنسا ورئيس قناة فرنسا الدولية، أكد لي هذا الخبير الإعلامي و احد المشرفين على مشروع "معرفة" الذي يهدف الى تجديد عرض المحتوى التربوي التلفزيوني لدول جنوب البحر الأبيض المتوسط، ان "دور المرفق العمومي هو التوجه الى الشباب و بذلك نكون قد قمنا بواجبنا". و في إحدى مؤتمرات اتحاد إذاعات الدول العربية بتونس حول الشباب و الفضائيات العربية، استغرب احد المتدخلين كيف يمكن الحديث عن برامج موجهة للشباب ينجزها أشخاص سنهم فوق الخمسين!! هل يمكن أن نستوعب الدرس.

Iheb_ch@yahoo.fr


في أخبار