GMT 11:00 2012 الأحد 5 أغسطس GMT 8:16 2012 الأربعاء 8 أغسطس  :آخر تحديث

العنف الأسري في العالم العربي

خولة الزبيدي

يدعي البعض بان العنف الاسري ظاهرة غريبة وجديدة على مجتمعاتنا العربية، طرقت ابوابنا في الاونه الاخيرة بشدة، لكنها قضية مزمنة لا يمكن الكلام عنها مسبقا لاعتبارها من المحرمات اجتماعيا، ومع التطور الحضاري وتقدم نظم التعليم والتثقيف والحضارة، والأدوار التي تلعبها الوسائل الإعلامية، فلقد تم كشف النقاب عن مشكلة خطرة في مجتمعنا العربي الذكوري، انها ليست ظواهر سلبية للحضارة الحديثة، بل هي تراكمات تراثية ناتجة عن تعطيل نصف المجتمع تراثيا واجتماعيا وثقافيا وإحالتها الى إنسانة مستضعفة مستهدفة للعدوان بشتى أشكاله. ان مصدر الخطر في العنف الاسري هو حالة الشلل التي عانت وتعاني منها المراءة العربية المستهدفة بالعنف،

ومما لاشك فيه، فان العنف الاسري وخاصة العنف ضد النساء يشكل ذروة الضعف والعجز عن التواصل والعدوانية واللا انسانية التي يمكن ان يقوم بها البشر، لانها تسير في الاتجاه المعاكس لما يجب ان يحظى به الانسان من كرامة، وما يجب ان يتصف به من عفة، سواء في التصرف او التعامل.
 
لكن بالرغم من اهتمام النصوص الدولية لحقوق الانسان بموضوع العنف الاسري، وبالرغم من مصادقة معظم الدول العربية على هذه النصوص، وبالرغم من النضالات والاعترافات والمفاهيم الجديدة من قبل المنظمات النسوية على الصعيدين القطري والعالمي، الا ان العنف الاسري في المجتمعات العربية ما يزال حاضرا في الحياة اليومية، بكل اشكالة وانواعة وفي كل المجالات والأمكنة، والتي تشجع على استمرارها التستر عليها وعدم الاعلان عنها لانها ضد الأعراف الاجتماعية التي ما زالت مسيطرة على المجتمع العربي والذي يعتبر المراءة والأطفال من ممتلكات الرجل وهو حر بالتابع حسبما يهوى بهم كما حصل في الأردن من حرق رجل لزوجته وأولاده باعتبارهم من ممتلكاته الخاصة وليس الحق في طلب الطلاق بعد سلسلة معاناة لم تنتهي فوجد بما انه الرجل وافضل وسيلة لتأديب المراءة هو حرقها وأطفالها الخاصة لانه حر التصرف بهم.

ان المشكلة الكبرى التي تواجه الجهات الإصلاحية الذي هدفها محاولة دراسة اسباب العنف ومساعدة الأطراف هو عدم البوح بالمشاكل لغاية ما تصبح الى درجة من الخطورة يذهب ضحيتها أبرياء وذلك لسيطرة الأعراف البالية المتوارثة والتي تسيطر على عقول الأكثرية. ويعتبر العنف عموماً ظاهرة من ظواهر الحياة المعاصرة التي

يعج بالمشكلات والصعوبات والاحباطات النفسية والاجتماعية والاقتصادية، مما يؤدي الى القلق والتوتر ومن ثم الى العنف. وىتصور الباحثون الاجتماعيون على ان العنف من المفهوم النفسي على انه نوعا من ردود الفعل الطبيعية المبنية على اساس ان هناك علاقة ارتباط بين العنف والغرائز الدنيا لدى الفرد، ويتدلون على ذلك من وجود مؤشرات للعنف لدى الاطفال وحتى الرضع منهم.
 
من المنظور الاجتماعيي فانه يعتبر العنف على انه ظاهرة اجتماعية تتكون من عدد من الأفعال التي يقوم بها

مجموعة من الافراد في اطار معين مدفوعين بانفعالات معينة، ملحقين الاذى بالاخرين من اجل تحقيق مصلحة معنوية او مادية. ويتجه عدد من علماء الاجتماع الى الاهتمام بدراسة القيم، لانها تعبر عن التنظيم الاجتماعي
 
وطالما وجدت الاختلافات، فان احتمالات العنف قائمة، ومن هنا فان الوقاية من العنف لا تعني منعه نهائيا، بل تعني حصره في اضيق نطاق، وارتباطا بهذه الفكرة، تثار مسالة اخرى وهي درجة العنف ونوعه ومدى الاذى الذي يتكره ومن المستهدف. انه الإكراه المادي الواقع على الشخص لإجباره على سلوك أو سوء استعمال القوة ويعني جملة الأذى والضرر الواقع على السلامة الجسدية ( قتل - ضرب - جرح ) كما يستخدم العنف ضد الأشياء ( تدمير - تخريب ) ومن خلال كل ماسبق يمكن تعريف العنف بأنه سلوك يؤدي إلى إيذاء شخص ما وقد يكون هذا السلوك كلامياً يتضمن أشكال بسيطة من الاعتداءات الكلامية أو حركياً كالضرب المبرح والاغتصاب والحرق والقتل وقد يكون كلاهما وقد يؤدي إلى ألم جسدي أو نفسي أو إصابة أو معاناة أو كل ذلك من خلال ما سبق يتضح أن العنف شيء غير مرغوب فيه وهو يصيب بالذعر والخوف فكيف إذا كان هذا الأمر يصل إلى الأسرة التي من المفترض أن تكون الملاذ والسكينة حيث الزوج والزوجة والأبناء وقد قال تعالى في كتابه العزيز ( ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها و جعل بينكم مودة و رحمة إن في ذلك آيات لقوم يتفكرون ) وقد عرف العنف الأسري بأنه السلوك الذي يصدرمن أحد أفراد الأسرة دون مبرر مقبول ويلحق ضرراً مادياً أو معنوياً أو كليهما بفرد أخر من أفراد الأسرة ويعني ذلك بالتحديد الضرب بأنواعه وحبس الحرية والحرمان من الحاجات الأساسية والعنف الأسري هو أشهر أنواع العنف البشرب انتشاراً في زماننا هذا ورغم أننا لم نحصل على دراسة دقيقة تبين لنا نسبة هذا العنف في مجتمعنا إلا أن أثاره بدأت تظهر بشكل ملموس على السطح مما ينبئ أن نسبته في ارتفاع وتحتاج من أطراف المجتمع كافة التحرك بصورة جدية لوقف هذا النمو وإصلاح ما يمكن إصلاحه قبل الخوض في مجال العنف الأسري علينا أولاً أن نعرف الأسرة ونبين بعض الأمور المهمة في الحياة الأسرية والعلاقات الأسرية والتي ما أن تتحقق أويتحقق بعضها حتى نكون قد وضعنا حجراً أساسياً في بناء سد قوي أمام ظاهرة العنف الأسري.

فالعنف الاسري يشكل خطورة كبيرة على حياة الفرد والمجتمع، فهو من جهة يصيب الخلية الاولى في المجتمع بالخلل، مما يعيقها عن اداء وظائفها الاجتماعية والتربوية الاساسية في احسن الاحوال وافضل الظروف، وهو من جهة ثانية يساعد على اعادة انتاج انماط السلوك والعلاقات الغير السوية بين افراد الاسرة، هذا يستوجب الاهتمام العلمي بهذه الظاهرة، لتحليل ووصف اسبابها واليات.

ولأن العنف وباء عالمي أفرزته الظروف والمتغيرات. فكان طبيعيًا أن يقتحم الأسرة العربية باعتبارها جزءًا من هذا النسيج العالمي.

ولقد ظهرت العديد من الدراسات التي تتناول ما يسمى بالعنف ضد المرأة، واعتبرتها [قضية العنف] هاجسًا يقلق كافة المستويات والأوساط الاجتماعية، سواء المعنية بقضايا المرأة خاصة أو العامة.
 
وقد ظهر في العالم الإسلامي اليوم العديد من الدراسات التي تناقش هذا الموضوع، إضافة إلى تضمنها أرقامًا وإحصاءات تناقش العنف، ومنها دراسة ظهرت مؤخرًا في القاهرة، صادرة عن المركز القومي للبحوث، وقد تناولت الدراسة أشكال العنف ضد المرأة، وصنفتها ضمن ثلاث فئات: ( العنف الاجتماعي، والعنف المؤسساتي، والعنف الأسري ).

وقد أشارت الدراسة إلى أن العنف الأسري هو أكثر أشكال الممارسات العنيفة في المجتمع المصري، سواء كانت أمًا أو زوجة أو ابنة، ويتمخض هذا العنف في أشكال مختلفة، كالضرب وسوء المعاملة والسخرية والاستهزاء والتهديد بالإيذاء والعقاب، إضافة إلى التهديد المستمر بالطلاق، حسب ما جاء في الدراسة.
 
ونعرض فيما يلي مجموعة إحصائيات للعنف ضد المرأة في بعض الدول العربية:

في الأردن:

أجاب 86% من طلبة الجامعة بوجود عنف داخل عائلاتهم، وأن 21 من أمهات طلبة الجامعة عينة الدراسة تعرضن للعنف الجسدي.

في الضفة الغربية وقطاع غزة:

بينت 52% من النساء الفلسطينيات أنهن تعرضن للضرب على الأقل مرة واحدة خلال العام السابق.

وفي المغرب:

 أظهرت مراجعة لملفات قضايا الزوجية بالمحكمة الابتدائية لمدينة الدار البيضاء، عددها الإجمالي 3000 ملف، أن 1503 ملف منها يتعلق بالمطالبة بالنفقة، إلا أن تحليها أظهر تعرض النساء المدعيات للعنف داخل المنزل.
 
في تونس:

 أجرى الاتحاد الوطني للمرأة التونسية دراسة حول العنف الزوجي عام 1991 أبرزت ضخامة هذه الظاهرة وخصوصياتها، وتبين الدراسة أن 51،8% من النساء اللواتي يتعرضن للعنف يلجأن إلى العائلة، بينما تتجه 3،9% فقط إلى مراكز الشرطة، 3.5% إلى المحاكم، 4،1 إلى المرشدات الاجتماعية.
 
وفي مصر:

 بينت تقارير وسجلات الأمن العام خلال خمس سنوات [1990 1994]، أن هناك 844 قضية هتك عرض، وقد تزايدت جرائم الاغتصاب من 162 قضية في عام 1993 إلى 203 قضية في عام 1994.
 
وفي البحرين:

 وفي دراسة أخرى جرت مؤخرًا توضح أن نسبة [20،9%] في عموم النساء البحرانيات يتعرضن لأسباب العنف دون وجود مبرر معقول وهذا ما جعل المطالبات الاجتماعية تزداد في البحرين من أجل الإسراع في إصدار قانون للأحوال الشخصية. الطفل والمراة نظرا لطبيعة الصلة التي تحكم علاقة الرجل بهما، سواء داخل الاسرة او في المجتمع.
 
ولقد تجمع خبراء عرب في علم الاجتماع على أن العادات الاجتماعية في العالم العربي، والتي تتكتم على ظاهرة العنف الأسري، تمثل أكبر التحديات في معالجة الظاهرة المتزايدة، خاصة ضد النساء.
 
وقال باحثون من عدة دول عربية على هامش الاجتماع العربي الثاني لمكٍافحة العنف الاسري الذي اختتم أعماله في العاصمة الأردنية عمان أمس الأول ان كسر حاجز الصمت يشكل أكبر تحد لظاهرة العنف الأسري في العالم العربي.
 
وقالت هيفاء أبو غزالة الأمينة العامة للمجلس الوطني لشؤون الاسرة المنظم للمؤتمر الذي حضره وزراء التنمية الاجتماعية العرب وممثلو منظمات أهلية، ان مشكلة العنف الاسري جسديا ولفظيا ونفسيا تتفاقم نتيجة نقص الوعي بضرورة التبليغ عنها وقت حدوثها.
 
وأضافت أن الدول العربية تعاني من المشكلة نفسها المتمثلة بعدم معرفة حجم القضية، وبالتالي صعوبة وضع برامج متوازية لمعالجتها. وقالت "المرأة تخجل من الافصاح عن تعرضها للعنف على يد زوجها أو أبيها أو أخيها، والطفل يخاف ويعتقد أنه أمر عادي، مما يمنعهم من التبليغ للجهات المسؤولة".
 
ويجمع الخبراء على أن غياب البيانات التفصيلية يعقد من تقدير حجم المشكلة التي تظهر المؤشرات أن أكثر ضحاياها من النساء بشكل أساسي، والتي يعاني منها أيضا الاطفال وحتى كبار السن في مجتمع يواجه تغيرات اقتصادية واجتماعية اثرت على بنيانه.
 

إيذاء نفسي وبدني

وقالت سميحة أبو ستيت مستشارة الامين العام للمجلس القومي للمرأة في مصر ان من الصعب تحديد حجم المشكلة في مصر ذات الكثافة السكانية التي تتجاوز واحدا وثمانين مليون نسمة، لانه لا يتم الابلاغ عن غالبية الحالات "باعتبارها مشكلة شخصية عائلية لا يجوز أن تخرج خارج أسوار البيت. الاختلاف بين العالم العربي والامم الاخرى عند الحديث عن هذا الموضوع هو أنهم يدينون العنف الاسري ويجرمونه. لكن العالم العربي يعلمنا أن نتقبله كجزء من حياتنا".
 
ومضت قائلة انه يجب على صناع السياسات المعنية بمعالجة المشكلة ادانة الظاهرة بشكل أكبر وسن تشريعات تجرمها للحد من اثارها السلبية على الاسرة العربية.

 ورأت أن العنف ضد المرأة يتعدى مفهوم الايذاء البدني اذ لا يقتصر على الضرب بل يصل أحيانا الى حد حرمانها من الميراث الشرعي، وهو ما يعتبر بحد ذاته أحد أنواع العنف الممارس عليها. وأضافت أن جهود الناشطين في هذا المجال تنصب على سن تشريعات تحفظ حقوق المرأة التي كفلتها المواثيق الدولية.
 
وقالت سلوى هديب، وكيلة وزارة شؤون المرأة التابعة للسلطة الفلسطينية، ان العنف الأسري فى المجتمع الفلسطيني هو نتاج "ازدياد العنف السياسي الممارس من اسرائيل على الشعب الفلسطيني الذي يؤدي بدوره الى عنف اقتصادي واجتماعي".
 
وأضافت "ان الأكثر تعنيفا في الأسر هن النساء... ونتيجة للوضع السياسي الداخلي وخاصة في غزة، فان تسرب الفتيات المراهقات من المدارس يزداد، مما يعني ازدياد حالات الزواج المبكر، وبالتالي خلق جيل من الفتيات غير الواعيات بحقوقهن".
 
وتحدثت عن امثلة للأسرى الفلسطينيين في السجون الاسرائيلية ممن يصعب عليهم التكيف في الحياة العامة بعد عودتهم لأسرهم مما يدفعهم لممارسة أشكال من العنف الذي تعرضوا له أثناء سجنهم مخلفين أثارا نفسية مدمرة على أسرهم. وقالت ان هناك "ضرورة لاعادة تأهيل ودمج الأسرى الفلسطينيين في المجتمع، خاصة أن البعض منهم يمارسون على عائلاتهم نوع التعذيب نفسه الذي يتعرضون له في السجون".
 
التصدي للمشكلة

وقال الخبراء المشاركون انه في حين أن بعض الدول مثل الاردن وتونس سارت بخطوات نحو تحديد حجم المشكلة وبدأ البعض خطوات للتصدي لها، فان دولا اخرى لازالت تفتقر الى وضع البرامج المطلوبة للحد منها خاصة لافتقارها لمؤسسات رصد ومعالجة حالات العنف الاسري.
 
وذكرت ميثاء الشامي وزيرة الدولة ورئيسة مجلس ادارة شؤون الزواج في الامارات العربية المتحدة أن الشبكة العربية المزمع اطلاقها "ستساعد على تأسيس مؤسسة في الامارات تعنى بقياس حجم الظاهرة.. الفئات الاكثر تأثرا ووضع الحلول المناسبة لمعالجتها".
 
وقال يوسف العثيمين وزير الشؤون الاجتماعية السعودي ان العنف ظاهرة غير مقبولة دينيا واجتماعيا، وشدد على ضرورة تنظيم حملات توعية بضرورة التبليغ وتلقي المساعدة من متخصصين في حال التعرض للعنف.
 
وعن بلاده التي تعرضت لضغوط غربية واسست قبل خمسة اعوام مركزا رسميا لحقوق الانسان قال العثيمين "لا توجد احصائيات بعدد حالات العنف الاسري بسبب حساسية الموضوع عند العائلات العربية".
 
ووجه المؤتمر توصيات اهمها اطلاق الشبكة العربية لمكافحة العنف الاسري بعضوية كافة الدول العربية، والتي ستصبح بمثابة مرجعية لتعميق ثقافة الحماية من العنف ومخاطره وكيفية التعامل مع مسبباته الاساسية وتعزيز القدرات المؤسسية للجهات العاملة في مجال حماية الاسرة، بالاضافة الى التركيز على تطوير التشريعات والقوانين لتنسجم مع مبادئ الوقاية والحماية من العنف الاسري.
 
وأقر المشاركون اهمية زيادة كفاءة وسرعة استجابة المجتمع والمؤسسات لحالات العنف الأسري.

في أخبار