GMT 9:19 2012 الإثنين 6 أغسطس GMT 5:41 2012 الخميس 30 أغسطس  :آخر تحديث

مثقَّفون كالمثقّفين

عبدالرحمن طهمازي

يرغب الكاتب احيانا ان يقول كثيرا من الافكار في وقت قصير، ويرغب حتى ان يقولها مرة واحدة، ولكنه قد ينجح، بدلا من ذلك، في ان يلخِّص فكرة واحدة تلخيصا رائعا في جملة تصلح للتداول العام. هذا نعرفه نحن العرب على انه من "جوامع الكلم" الذي يحتل مكانه في شواهد البلاغة، ومن نافل القول ان نذكر ان غير العرب يعرفونه ذلك قبل العرب وبعدهم.
وهناك اوضاع تلخصها تراكيب مختصرة، ليست جملا كاملة، وتكون تلك التراكيب اللغوية مدخلا ناجحا الى تحليل، او دليلا ذا تأثير على نتائج التحليل.
لن اجد صعوبة في حشد عدد من نماذج هذه التراكيب في ظروف مختلفة، ولكن في بالي قضية واحدة، كثيرة التشعب، مع كونها فاقعة اللون الى حد الازعاج، لمن يريد ان ينزعج، هذه القضية هي "سهولة الانقياد*" التي وجدنا عليها كثيرا من المثقفين العراقيين بعد 9/4/2003 ويلحق بذلك "الثقة المزيَّفة" بمظاهر السياسة لأولئك بعد ذلك التاريخ، و"الطاعة العدوانية" التي يمارسونها ايضا، وتعبيرهم الغامض عن "الراي العام المجهول" بواسطة "الموافقة المضطربة" ساتوقف عند هذه التراكيب ولا اضيف اليها سيلا من اشباهها، فهناك مزيد لمستزيد. ولا احتاج الى تنبيه القارئ اللبيب مرة ثانية ان هذه التراكيب التي ذكرتها ليست تعابير طائشة بل هي تاتي في سياقات اغلبها فلسفي عن جدارة ثم ان منتجيها هم فلاسفة اوربيون ليس هناك من خلافات جوهرية حول اخلاقياتهم او معاناتهم المعرفية، وقد تقيدوا بطابعها الاوربي، لكنها (اي التراكيب) تفلت من ظرفها لتصيب اهدافها في الفضاء النثري الذي يتعايش فيه ابناء ادم، حيث لابد ان نرى تشابه الاخلاقيات النفسية في الظروف المختلفة، فآدم نفسه لم يمر بمرحلة الطفولة لتتشكل له سيكولوجية ما على حد تعبير احد الباحثين الاميركان.
يشير تركيب "سهولة الانقياد" ضمنيا الى صعوبة عدم الانقياد(الممانعة او الحياد السلبي)، كما ان الانقياد لايعني التفاعل، ففوكو، الذي بنى هذا التركيب، يعرف انّ "فن الوجود" كما هو عند اليونانيين القدماء يختلف عن المعيشة وافانين المتعيشين، ولاشك في انه يتوقف مطولا عند البناء البطئ للفرد، مع تحفظه الضمني على تسارع الحداثة.
وفي الحقيقة تضم هذه التراكيب نوعا من الدراسة التحذيرية من الفاشية والنازية والديكتاتوريات الاخرى المتبقية وامكانات تعايشها مع الديموقراطيات التي تهمل الفرد واستقلاله في ظروف معينة وتسمح بتجزئة ذلك الفرد في الحياة الشخصية او الاجتماعية، في النظرية والممارسة، في الدنيا والدين.. وفي الايديولوجيات وكل مشتقاتها المحتملة.
ان مايلفت النظر، عند الكثير من مثقفي العراق، وهم الذين يعنوننا هنا، منذ الحرب العراقية الايرانية، ان اولئك الكثيرين، تساهلوا في قبول علاقة النظام بهم بالتالي علاقتهم به، ثم اعتادوا على الانقياد، اقصد تعلموا انه لا باس بالانقياد لاي مناسبة انقيادا مفيدا للانتفاع الشخصي ليس من اجل تجنب شر النظام، وانما لمماشاته باعتباره قدرا من الاقدار التي لافكاك منها الا بالتماشي معها ! ثم استمر التماشي (الانقياد) في زمن الحصار الاقتصادي..ثم صار الانقياد اسلوبا.."نظاما في منظومة " حتى بعد 2003. بل ان الابتداع في الانقياد ظهر على شكل بطولي.. فمن اجل الديموقراطية تهون الطاعة التي كانت في السابق عدوانية ثم تتحول الثقة الزائفة، التي تبادلوها مع حكم البعث الثاني، الى موافقة غير مضطربة، لانهم دفنوها في الراي العام المجهول، حيث يمكن للفرد ان يتجزأ عدة مرات ويجد ذلك الفرد الثقافي نفاقه يسرح ويمرح بين الهويات الأهوائية، فلكل شئ أوانه..، وليس الانسان الا "ابنا لوقته "، اذا انتزعنا هذه العبارة من سياقها الصوفي الاسلامي، ومااسهل الكولاج في التاريخ المدهون للانقياد.
تبدو هذه الاليات مفهومة من الناحية الموضوعية – اذا اخذنا بحقيقة ثقل الحاجات وتوالدها العذري والهستيري - وهي مقبولة من طرف اولئك المثقفين الذين كنزوا في دخائلهم بلادة الدوافع التي صارت "كبيرة " بعد ان ابعدوها الى زمن مضى ويمضي، ولكنها تهبّ مثل تهديد لضمير يتململ بين اونة واخرى.. بَيْدَ انه يتعرض الى التانيبات التي تواجهها العروق الغامضة، المتخمة بالتقريع المزعج الذي يصدر عن مبادئ تم انفصالها عن الواقع ودلالاته المتحركة.
انّ اقرب الاشياء التي يمكن ان نعزوا اليها سهولة انقياد المثقفين هي الحاجات المعنوية او المادية، وكانت السلالم التي تتناولها الاقدام من قرب او من دون بحث متعب، هو الطائفية (وفيها احزاب والخ..) والقومية (وفيها ايضا احزاب والخ..)، وفي كثير من الاحيان تتبادل الطائفية والقومية الانخاب فيما بينهما، وتقومان بالعبور معا، ومن غير اي حرج الى العبارات التي تتقافز فيها الديموقراطية الدستورية على غير هدى.
في هذه الحفلة التنكرية التي تجري بشكل علني يتكوّن الضغط الطائفي على ديانة المتدينين (فضلا عن وطنيتهم) وكذلك الضغط القومي على وطنية القوميين (فضلا عن دينهم).وهنا يستمر السباق بين " الوجدان الكاذب " والهوية وينقاد المثقفون المقصودون الى نسيان دور المثقف في المنعطفات: حيث تغذية المجتمع باخلاق التسامح وواجبات المساواة (النسبية)اي : لما يمكن تسميته من الناحية الدستورية النظامية بثقافة المواطنة، وهي التي يتشبع بها الفرد ليعود بها الى مجتمعه، هذه الثقافة التي بدونها لا يمكن ان يتسمى اي نظام بانه ديموقراطي.
ان المثقفين العراقيين الآن والذين وصفناهم بالكثرة، في حالتهم من الانقياد السهل، فقدوا ذلك الدور القياسي الذي كان للاكثرية المثقفة المؤثرة (منتجة الثقافة) في ثلاثينيات القرن الماضي وحتى الهجرة التي اختاروها او اضطروا اليها ابان الحكم الثاني للبعث، فبدل ان يعملوا على تخليص الدين من الطائفية الانانية، اولا، ثم تحويل الفرد الى موضوع دستوري ديموقراطي بعد تفريده وتجريده من دون اي قيود او تفاصيل خادعة لكي يتبناه الدستور، اذا كان دستورا عن حق وحقيق ،(اي ليس موضوع طائفة او قومية او دين او جنس او تراتب اقتصادي واجتماعي..الخ)، لايكون فيه اي موضوع آخر مزاحما للفرد، بمعنى ان يكون هذا الاخير محظيا بكرامة المرء one's dignity وبالكياسة السلوكية delicacy of conduct كما يقول الاميركان حول دستورهم وكثيرا ما يعنون بالكياسة الدلالة على الانصاف.
لكن سهولة الانقياد "حررت "هؤلاء من مواطنيتهم، ومن ديموقراطيتهم التي من المفروض ان تكون من الناحية النظرية سابقة على الدستور.. ولا يبقى للدستور الا ان يكون تذكيرا.. بالحقوق "الكثيرة " مع الحذر غير القليل حين ياتي ذكر الواجبات.
ان السرد الطائفي والقومي للحياة، في الظروف العراقية المدخولة الآن، جعلت من السرد الذي يقوم ويتساجل به مثقفون، اكثر المشاغل خطورة على شعب باكمله، فالحرية لا تستحق هذا الاسم مالم تكن عامة متكافئة وهي بالضبط محيط الفرد، ومالم تكن علنية غير خاضعة لاي اسلوب من شانه ان يجعل منها ذات درجات ملتوية بالامراض وعدم الوضوح، يسهر على ادامة التوائها اولئك الذين احترفوا الاعتياش على عثرات المنعطفات.


*التراكيب المذكورة عدا "الموافقة المضطربة " مستلة من فصل"حول الشر السياسي "في كتاب جورج كاتب " المحيط الداخلي – النظرية الفردية والثقافة الديموقراطية" ترجمة علي حسين حجاج. كما ان عددا من الملاحظات التكميلية هي من آثار الكتاب نفسه ولا بد من لفت نظر القارئ الى ان تلك الاثار قد دخلت في لحمة هذه المقالة.

 


أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في أخبار