GMT 17:00 2016 الجمعة 29 يناير GMT 15:49 2016 السبت 30 يناير  :آخر تحديث

هل السيسي اخطأ في الترشح للرئاسة؟

عمر الخطيب
 
 
كنت اشاهد صدفة برنامجاً على احد التلفزيونات الاوربية وكان الحديث يدور حول مصر قبل الثورة ومصر بعد الثورة، وكان مقدم البرنامج الاوربي قد استقبل بعض الناشطين في المجال السياسي ومن المشاركين في ثورة الخامس والعشرين من يناير وسألهم عن ارائهم بصراحة.
كان الشخصان اللذان تحدثا في المقابلة مستائين ومتشائمين من النتائج المتواضعة للثورة بل قال احدهم ان الوضع الاقتصادي اصبح اسوء من ايام مبارك وكأننا لم نعمل ثورة لتحسين الحالة المعيشية للفرد ومحاربة الفساد ولم يفُته في الوقت نفسه من ان ينتقد القيادة الحالية وان لم يسمي الرئيس السيسي بالاسم.
الانتخابات الاخيرة كشفت واقعا جديدا على الساحة المصرية مفاده ان الشعب مستاء مما يحصل، مستاء من الحالة الاقتصادية التي تعيشها البلد، وان انكفاء الشعب على نفسه وعدم الذهاب للانتخابات الاخيرة كان عتابا قاسيا للقيادة الحالية وللرئيس السيسي خاصة وقد قالها السيسي فيما بعد "اتعذبونني لاني وقفت هنا"، ويقصد موقع الرئيس.
اود ان اوضح مسألة مهمة للشعب المصري اولا ويجب ان تفهمها جميع الشعوب العربية من المحيط الى الخليج.
ايها الاخوة ان ماتمر به الامة العربية من واقع اقتصادي متردي انما هو انعكاس للحالة الاقتصادية السيئة في العالم اجمع، فأوربا تعاني من تباطيء الاقتصاد وارتفاع معدلات البطالة وازدياد مضطرد لمعدلات الديون كما رأينا اليونان مثالا لكن اليونان ليست وحدها منغمسة في ديون مرتفعة بل ان كل اوربا تقريبا تقع ضمن المنطقة الحمراء التي تؤشر معدلات اعلى من المقبول كدَين عام للدولة.
السؤال الان هو هل ان الحالة الاقتصادية السيئة سببها الانكماش الاقتصادي في العالم اجمع ام ان هناك عوامل اخرى، تكمن ضمن الداخل العربي؟
مغفل من يعتقد ان المشكلة في الوطن العربي تكمن في التباطئ الاقتصادي العالمي لوحده لانه يوجد بالتأكيد عوامل اخرى تخص المنطقة العربية على وجه الخصوص.
تحدثت مرة مع احد الاخوة العرب في اوربا وبدأ حديثه كعادة العرب بشكل عام بتحميل القيادة السياسة هموم المرحلة واعتبار ان السياسيين هم السبب الحقيقي لتردي الاحوال الاقتصادية والمعاشية للمواطن العربي اضف الى ذلك الفشل في بناء مجتمع متطور حديث يتمتع بكافة المزايا التي تتمتع بها المجتمعات الحديثة في اوربا والغرب، وفي الشرق كاليابان وكوريا الجنوبية.
هذا يعني ان هناك مشكلة اخرى علينا ان نتحسسها ونشعر بها ومن ثم علينا معالجتها ان امكن ذلك.
هذه المشكلة هي الشعب وليس فقط الحاكم، فالحاكم وكما بينت للعربي الذي التقيته هو نتاج الشعب وليس منعزلاً عنه بمعنى ان على الشعب ان يسأل نفسه اولا ماذا فعلت لأجعل امتي او دولتي او مملكتي افضل؟ هل ساهمت في تطوير حاسوب او برنامج حاسوب او صناعة سيارة او صناعة طائرة مثلاً.
لننزل قليلا ونكون اقل تواضعاً وليسأل هذا المواطن الذي يشتكي من الحاكم، هل ساهمت في توعية المجتمع من مضار الفساد الاداري والمحسوبية؟ هل لو كنت مكان المسؤول سأكون انساناً افضل من المسؤول فعلاً ام انني ربما سأكون اسوأ؟ هل نحن شعوب متمدنة ام شعوب متخلفة؟ كيف نستطيع ان نكون متقدمين ومتمدنين اذاً؟ كل هذه الاسئلة علينا ان نسألها لانفسنا قبل ان نعلق على الحاكم كل مصائبنا واخفاقاتنا.
قال لي احد الاردنيين "صحيح اننا نمتلك رئيس وزارة ووزراء ومدراء عامين لكن الامور كلها بيد الملك"، فقلت له حسنا، لكن الذي لاتعلمه ان الملك قد فوض رئيس الوزراء والوزراء لقيادة العامة ولديهم صلاحيات لاتستطيع ان تتخيلها، لأن الملك ببساطة لايستطيع ان يقوم بكل هذه المهام في آن واحد، فلاحظت الاندهاش على وجه هذا الشخص، لأن جُل ماسمعه من الناس هو ان الملك هو السبب في مصائب المملكة او ان الرئيس هو السبب في مصائب الجمهورية، ونسي هؤلاء الناس او البسطاء الذين يحمّلون القيادة سبب الفشل انهم شركاء في الفشل، لاننا شعوب كسولة، استمرأت الخمول والتراخي ونريد من الدولة ان تضع اللقمة في افواهنا لأننا جُبِرنا على التفكير بهذه الطريقة، ويرجع السبب اولا واخيرا ان الدول العربية في مرحلة الانقلابات العسكرية كان تنتهج النهج السوفيتي الاشتراكي الفاشل الذي مفاده ان الدولة هي الآمر الناهي وان الدولة هي صاحبة المصانع والمزارع والمدارس والمستشفيات وانها هي الوحيدة القادرة على توفير فرص العمل حتى لو كانت هذه الفرص غير كافية على سد رمق العيش.
اذن علينا تغيير الطريقة التي نفكر بها وعلى الحكومات ان توعي المواطن ليفهم هذه الحقيقة المهمة التي مفادها ان المسؤول على توظيف الناس ليس فقط الدولة بل الدولة هي احد الاطراف التي "ممكن" ان توفر فرص عمل للناس، الا ان على الدولة ان ترعى القطاع الخاص وتنميه وتجعله اكثر تنافسية لكي يقوى على سد الصدع في العملية التوظيفية التي لاتستطيع الدولة لوحدها سد النقص فيها.
كما علينا نحن العرب ان نبني نظاما جديداً، فنحن قنوعين نوعا ما، وممكن ان نعيش ببساطة اكبر من اقراننا في الدول الغربية، لكن الذي يجب ان يحصل هو التعلم على العيش ببساطة اولا ثم ان تبني حكوماتنا سياسة هي عبارة عن خليط من الاشتراكية الغربية "وليس الشرقية" ومن الرأسمالية نأخذ ماينفعنا ونترك مالاينفعنا، هذه المسألة تحتاج الى دراسة وتمعن في مايجري وكيف من الممكن ان ننهض ونؤمن في الوقت نفسه عيشاً كريما للجميع، ولن اقول رغيدا لان ذلك يرجع لأداء الفرد وعائلته وقسمته من هذه الدنيا.
اما موضوع لماذا السيسي يقف لوحده او مع "النظام" في وجه المدفع، فحرياً بهؤلاء الذين يتهمون النظام ان يعلموا جيدا ان النظام جاء من رحم الشعب والسيسي نفسه انسان بسيط وليس ارستوقراطيا، اضافة الى انه حاول ويحاول ان يفرض حالة افضل ولكن التحديات كبيرة بل وكبيرة جدا.
هل على مصر ان تكون اشرس في التعاطي مع القضايا العربية ام ان على مصر ان تنكفئ على نفسها وتقول انا الي فيني مكفيني، لكن علينا ان لاننسى ان التكامل العربي بين المال والسياسة يحتم على مصر التي تعتبر خزان العرب للرجال ان تكون اكثر انفتاحا في التعاطي مع القضايا العربية بدل التململ والترهل الذي اصاب الخارجية المصرية ورفع اليد عن كل مايحصل اضف لذلك الاندفاع الى احضان الدب الروسي كملجأ اخير لموازنة التدخلات الغربية في شؤون مصر، ولكن الحقيقة التي يجب ان تعيها الادارة المصرية ان روسيا لم تنفع احدا من حلفاءها في السابق بل ان روسيا تعمل بسياسة التخدير الموضعي وحبوب المهدئات بدل ايجاد حلول حقيقية لان الاستراتيجية الروسية في السياسة والاقتصاد تعاني من مشاكل جمة ستتضح فيما بعد هذه السنة على الاقل ان استمرت اسعار النفط بالنزول، اضف الى ذلك التباطؤ في النمو العالمي.
ان مشكلة الارهاب مشكلة عقائدية حولت بعض الشباب الى نار تحرق بلدانهم والسبب كما يقول البعض هو البطالة ولا ادري هل كل شخص فقير او معدوم يجب ان يتحول الى وحش فرانكشتاين يقتل ويذبح لان مجتمعه فقير، هذا كلام سخيف وغير منطقي وعلى المسلمين التصدي للانحراف في العقيدة الذي نراه هذه الايام والدفع بأتجاه دين حنفي وسطي يقبل الاخر ولايستعمل الدين كوسيلة ومبرر للتدمير الذاتي، او ان هناك قوة شيطانية تستخدم هؤلاء لتدمير الامة العربية.
في رأيي ان السيسي اخطأ عندما قرر السماع للشعب المصري للترشح للرئاسة وقالها بعض شيوخ الخليج وقلتها انا ايضا ان على السيسي ان يبقى في المؤسسة العسكرية كحامي لمصر لان الرئيس القادم سيكون حطبا في نار المشهد المصري المشتعل، وكما حصل مع الارجنتين اكثر من خمس رؤساء وزارة في غضون سنة ابان الازمة المالية التي عصفت في البلاد انذاك، وربما على السيسي ان يفعل ذلك ايضا ويبحث تفعيل موقع رئاسة الوزراء واعطائه صلاحيات غير مسبوقة لمعالجة الوضع القائم، ومهلة محددة لتصليح الامور او تغيير رئيس الوزارة لامتصاص الغضب الشعبي لأن الناس تريد ان ترى تضحيات ولايهم ماهي المهم يجب ان يكون هناك من يدفع الثمن.
يجب على الادارة المصرية ايضا مراقبة عمل الشرطة والامن وفهم حقيقة الامور ولماذا الناس او بعضهم مستائون من اداء الشرطة والامن المركزي، وهل هناك تجاوزات بالفعل ام لا؟
ختاما تمنياتنا لمصر ام الدنيا ان تعيش مترفة وبسلام كما هي تمنياتنا للأمة العربية ولكن علينا ان نفهم ان الامة العربية جسد واحد وفيما لو فكر احد هذه الاجزاء ان يعتزل هموم الجزء الاخر فأن الحمى قادمة له لا محالة حتى لو تأخر وصولها، لذلك على الجميع الوقوف بوجه التحديات وكل حسب امكانيته وتخصصه، الي عنده مال يساهم والي عنده عيال يساهم، توحدوا ايها العرب، عدا ذاك لن تتغير الامور بل ستسوء!
 
 
أية اعادة نشر من دون ذكر المصدر ايلاف تسبب ملاحقه قانونيه

أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في أخبار