GMT 20:04 2018 الجمعة 26 يناير GMT 7:32 2018 الأحد 28 يناير  :آخر تحديث

اليابان من وجهة نظر عربية: البوكر ولعبة التاريخ

د خليل حسن

 

 
 كتب دبلوماسي ياباني في اربعينات القرن الماضي يقول: "علم الغرب اليابان لعبة البوكر، وحينما كسبت اليابان جميع الأوراق، اعتبرها الغرب لعبة غير أخلاقية." وقد توضح هذه المقولة حقيقية سبب المرحلة الاستعمارية، التي علمها الغرب، بل وفرضها الغرب على اليابان. ولتسهيل دراسة التاريخ الياباني سنقسمه لجزئيين، الأول مرحلة الانعزال والثاني مرحلة الانفتاح على الغرب. 
يعتقد المؤرخون بأن شعب اليابان متعدد الأعراق ومن أصول مغولية مع قرابته من الشعب الصيني والكوري. ففي القرن الرابع قبل الميلاد برزت قبيلة "الياماتو"، والتي تعتبر أصل الشعب الياباني، كجماعات منظمة، بدأوا حياتهم بالصيد والعمل في صناعة الفخار، وتطور مجتمعهم في عهد "الياتو" (300 ق.م.) إلى مجتمع زراعي، وبنظام ري متميز لزراعة الرز، ثم برزوا في عهد "تولمولوس" (300 ب.م.) كمجتمع سياسي وبقوة عسكرية. وفي عام 552 دخلت الديانة البوذية إلى اليابان انتقالا من كوريا، لتكون العربة التي انتقلت من خلالها الحضارة الصينية إلى اليابان. ففي عهد نارا (710-794) تعلمت اليابان الكثير من الحضارة والثقافة الصينية، وأما عهد هيين (794-1185) أتسم ببزوغ وأفول البلاط الامبراطوري الحاكم، وفي عهد الكاماكورا (1185-1333) تحولت اليابان إلى دولة المحاربين. وفي عام 1333، بدأت حرب أهلية طاحنة في عهد مروماشي (1333-1568) أدت إلى خراب البلاد وتوقف عملية التقدم. وفي عهد ازوشي مونوياما (1568-1600) توحدت البلاد بفضل ثلاثة من القيادات القوية المتتالية وهم نوبوناجا، وهايوشي، واياسو. فقد حارب نوبوناجا بشجاعة وشراسة وكسب جميع المعارك التي خاضها، وأشتهر بالعنف والشراسة، فقد قتل أخوه وكثير من أفراد عائلته، وكان يحرق الجنود الأعداء بالآلاف بعد هزيمتهم، كما أنه ذبح الكثير من الرهبان البوذيين خوفا من توجهاتهم. وخلفه هيدياشي وحارب بشراسة أيضا، فوحد باقي البلاد، وحاول غزو كوريا والصين ولكن هزم، وتوفى بعد مرضه. أما اياسو فاشتهرت فترته بعهد التـوكوجاوا أو الايدو (1600-1868) بعد انتصاراته في معركة سيكيجارا، وقد فرض نظام اجتماعي يقسم المجتمع إلى طبقات تبدأ بطبقة السموراي المحاربين ثم المزارعين وبعدها الصناع وينتهون بالتجار. وكان الأمراء يمتلكون ثلاثة أرباع الأراضي، وجميع المدن والموانئ والمناجم. وقيدت حركة التنقل بعد وحدة أراضي اليابان للمحافظة على الاستقرار، كما أحتاج السفر لوثائق مرور، ومنع التنقل بأية وسيلة تستعمل فيها العجلة، ودمرت الجسور لمنع حرية الحركة، وفرض حضر التجول في المساء. وكان التعذيب والإعدام شائعا كعقاب للسرقة، وفرضت المسؤولية الجماعية وبقسوة. كما نفذت قوانين قطع الرأس لمعاقبة الجريمة، وزادت معاداة الأجانب، وبدأت مرحلة "البلاد المغلقة". وقد أدى العنف والصرامة في الحكم للخوف والاستقرار في البلاد. وبداء الناس بعدها يتساءلون عن دور العسكر السموراي في الواقع الجديد، واعتبرهم الشعب طفيليين على المجتمع، وتفهم السموراي الوضع الجديد وبدأوا نشر أخلاقيات البوشيدو بينهم. وقد تزامن الاستقرار السياسي مع التطور الاجتماعي والاقتصادي، وبرزت طبقة قوية من التجار، كما طورت الفلسفة الكنفوشسية التعليم والتفكير الذهني والإبداعي.
ولفهم مرحلة انفتاح اليابان على العالم، علينا ان نتذكر بأن اليابان حاولت ان تحمي نفسها من المصير الصيني، التي كانت سابقا أكبر اقتصاد عالمي، لتتحول لدولة ضعيفة مقسمة، يباع فيها الأفيون من المستعمر البريطاني رغم انفها، ويحتل اهم موانئها، هونج كونج.  لذلك استوعبت اليابان الدرس الصيني واكتشفت بان افتخارها بقوميتها وعزلتها عن الغرب، لن يقيها من ان تقع في براثن الاستعمار الغربي، لذلك وجدت نفسها مضطرة ان تلعب لعبة البوكر الغربية الاستعمارية لتحمي نفسها. ويرجع جذور هذه القصة لما قبل عام 1852 حينما كانت اليابان منعزلة عن العالم، ولم يسمح للغرب التجارة الا للهولنديين وفي مدينة نجازاكي فقط. ولكن وصل في عام 1853 القبطان ماثيو بيري بأمر من حكومته الأمريكية إلى طوكيو وبأسطول من السفن الحربية، وطلبت منه حكومة اليابان الذهاب إلى نجزاكي، ولكنه رفض فحاط الأسطول الحربي الياباني حول أسطوله، وقدم طلب من حكومته لليابان بأن توقع على اتفاقية تجارية لفتح ميناء شيمودا، ولم تستطع اليابان الرفض بعد انتظار سنة كاملة، بسبب التقدم العلمي والتكنولوجي والعسكري الأمريكي. وقد أرعب ذلك قيادات الشوجن، ولتبدأ عملية إصلاحية جديدة، لينتهي بها عهد الشوجن، ولتبدأ عملية إصلاحية شاملة في عهد التنوير، الميجي، والتي قادها الامبراطور ماتسوهيتو، وهو في الخامسة عشرة من عمره، بعد وفاة ولده بشكل غامض. ولم تتم هذه الإصلاحات بدون مقاومة التي قادها أنوموتو تاكاكي في مقاطعة هوكايدو، وحاول إعلان جمهورية جديدة منفصلة، وحصل الاعتراف من الأمريكيين، ولكن انتهت محاولته بالفشل. وفي عهد الإمبراطور الجديد، ميجي، برزت اليابان كأمة قوية، وأنهي نظام الاقطاع، وألغيت طبقة العسكر السموراي، وشكلت حكومة مركزية قوية، وبدأت التطورات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وشكلت الأحزاب، واقر الدستور، وعين مجلس المستشارين وانتخب مجلس النواب.  وأستمر الشعب الياباني العمل بجد واجتهاد، وسجل انتصارات كبيره في الإنتاج، واشتدت المنافسة مع الغرب. وفي عام 1909 كتب سورو كارا يقول "أنظروا لليابان، تحاول جاهدة أن تشق طريقها لتكون قوة عالمية، فهي كضفدعة تحاول أن تنمو لتكون بحجم البقرة، وطبعا ستنفجر، هذا الصراع يؤذيني ويؤذيك، فليس هناك وقت للاسترخاء." 
فاستوعبت اليابان بان عليها ان تلحق بالغرب لا ان تكون عبدا لهم، فقامت بتقليد الغرب في كل شيء. فأصبح اللباس غربي، وتحول الجيش للغربنة، كما وضع دستور أخذت أفكاره من بريطانيا وألمانيا. كما كان على اليابان ان تقلد الغرب في الفلسفة الامبريالية لتحمي نفسها، لكي لا تبدو البلاد ضعيفة، بدون مستعمراتها. وبدأت الفكرة بغزو جارته كوريا، حيث كانت تخاف اليابان ان تتحول كوريا الضعيفة لمستعمرة غربية، ومن خلالها يتم غزو اليابان، وخاصة بان كوريا غنية بمواردها الطبيعية وخاصة الحديد والفحم الحجري. وكانت المعضلة في ان كوريا جزءا من محميات الصين، بل كانت تدفع الجزية لإمبراطورها، ومع ذلك استطاعت اليابان التوقيع على اتفاقيات مع كوريا. وفي عام 1894 قامت الصين بإرسال جيشها لإخماد ثورة في كوريا بدون علم اليابان، والذي كان مخالف للمعاهدات السابقة بين البلدين، لذلك أرسلت اليابان جيشها إلى كوريا، لتبدأ الحرب الصينية اليابانية الأولى بين عام 1894 وحتى عام 1895، ولتخسر الصين الحرب وتصبح كوريا جزءا من محميات اليابان، كما ضمت اليابان جزيرة تيوان لمستعمراتها، وفرضت حقها في المتاجرة في كثير من المدن الصينية. ولتبدأ مرحلة انتشار الاستعمار الياباني، وخاصة بعد اصطدامها مع الروس على السيطرة على كوريا ومنشوريا والتي انتهت بالحرب الروسية اليابانية في عامي 1904 و 1905، لتنتصر اليابان، ولتحتل اليابان كوريا تماما في عام 1910.
وفي عام 1912، خلف الإمبراطور يوشيهوتو والده، ولم يكن الإمبراطور الجديد بصحة جيدة، فقد أصيب بالتهاب السحايا في صغره، وكان دائم المرض، وساءت حالته، فاستلم أبنه هيروهيتو الحكم في عام 1921، ثم توج إمبراطورا بعد وفاة والده في عام 1926. وقد سمي عهد الإمبراطور الجديد بعهد السلم المجيد، ولكنة كان حقبة حروب متتالية، فقد وافقت اليابان أن تكون حليفة بريطانيا في الحرب العالمية الأولى، ولكن لم يكن لها دور يذكر في الحرب. فاستغلت الفرصة بانشغال الحلفاء بالحرب لتغزو الأجزاء المحتلة من قبل ألمانيا من الصين، بالإضافة للجزر المحتلة في المحيط الهادي. وقد كان انشغال الحلفاء بالحرب فرصة لنمو الاقتصاد الياباني. وبعد انتهاء الحرب تدهور الاقتصاد الياباني، وزادت النقمة ضد فساد ما سمى بالديمقراطية الغربية، كما دعي العسكر بضرورة التوسع في الدول المجاورة لتوفير الموارد الطبيعية اللازمة.  ففي عام 1931 فجر الجيش الياباني حافلة قطار واتهموا الصينيين ليقووا قبضتهم على منطقة منشوريا في الصين. وسيطر العسكر على البلاد وبدون رقيب، مبررين تسلطهم لحماية اليابان من المستشارين الشياطين الذين يحومون حول الإمبراطور، ولإنقاذ البلاد من السيطرة الغربية الفاسدة. وقد بدأت ظهور أفكار فلسفية لتبرير التوسع لحل مشكلة زيادة السكان، حيث لم يسمح الغرب لليابانيين بالهجرة أو المتاجرة في السوق الدولية. وقد أعتقد البعض بضرورة الحرب لتخليص العالم من السيطرة الغربية وبالأخص الأميركيين. كما تأثر بعض المسئولين من أراء راهب بوذي عاش في القرون المتوسطة، اسمه نشيرين، واعتقدوا بضرورة الحرب العظيمة ضد الغرب التي ستنهي جميع الحروب في المستقبل، بالإضافة للحاجة الضرورية لليابان للموارد الطبيعية المتوفرة في الدول المجاورة، لتستطيع الاستعداد لهذه الحرب الكبيرة مع الولايات المتحدة. مع أن الكثير من اليابانيون كانوا يعتقدون ضرورة استخدام الطرق السلمية لقيادة الدول الأسيوية نحو مجابهة السيطرة الغربية في المنطقة. 
وقد برزت اليابان وبنجاح عام 1936 بعد الأزمة الاقتصادية العالمية الخانقة، ولكن تبعتها عدة أزمات أخرى. فقد كان دخل معظم أفراد الشعب محدود جدا، مع أن البعض القليل كانوا يستمتعون بثراء فاحش. ومع ازدياد عدد السكان خلقت مشاكل إضافية معقدة، وادي التقدم الصناعي لتقوية سيطرة الحكومة على المصانع والشركات، فعملت على فرض سيطرتها والمحاولة للتخلص من المنافسة الغربية، كما قوى العسكر من سيطرتهم على الحكومة. وفي عام 1936 وقعت اليابان اتفاقية مع ألمانيا وايطاليا لتبادل المعلومات حول تحركات السوفيت، وفي عام 1937 دخلت اليابان حرب ناجحة ضد الصين بعد حادثة جسر ماركوبولو الذي بدأت بإطلاق النار بين الجيش الياباني والصيني. وفي عام 1940 وقعت اليابان معاهدة مع ألمانيا وايطاليا للدفاع عن بعضهم البعض في حال أي اعتداء أمريكي، بالإضافة لتأكيدهم بدعم اليابان لقيادة منطقة شرق أسيا. وقد شجع ذلك اليابان لغزو الجزء المحتل من فرنسا للهند الصينية، مما أدى لفرض الولايات المتحدة الحضر على تصدير النفط والحديد وبعض المواد الضرورية الأخرى لليابان. وفي عام 1941 وبعد الهجوم الألماني على الاتحاد السوفيتي، توغلت اليابان في الهند الصينية. فقامت الولايات المتحدة بتجميد جميع ممتلكات اليابان في أمريكا، ومنعت أية بضاعة أمريكية من دخول اليابان. وقرر الرئيس روزفلت وبصفة غير رسمية بقصف المصانع اليابانية لتدمير آلية الصناعة الحربية. وتحت ضغوط نقص الطاقة في البلاد وعدم توفر الموارد الطبيعية، قررت اليابان الانسحاب من الهند الصينية، ولكن أصرت الولايات المتحدة على ضرورة الانسحاب من الصين أيضا. فلم يجد اليابانيون إمامهم إلا خيار الحرب، وقد توقعت اليابان النصر كما انتصرت من قبل على السوفيت، لتمنع السيطرة والتوسع الأمريكي في المنطقة. وفي عام 1941 بدأت اليابان الحرب البلسيفكية بضرب الجيش البريطاني في كتو بورا بالي، وقد أعقبتها بعد تسعين دقيقة بضرب الأسطول الأمريكي ببيرل هابر، والتي أدت لجرح وقتل مئات الأمريكيين وتحطيم جزء كبير من أسطولهم وطائراتهم الحربية. واستمرت اليابان بغزو الكثير من دول اسيا، وفي عام 1942 هزمت اليابان ولأول مرة في معركة بحر الكورال، واستمرت الهزائم المتتالية بدءا من معركة الميدوي، كما انهزمت اليابان في عام 1944 في معركة ليت في الفلبين، مع خسارة كبيرة في أسطولها الحربي. وفي اليوم العاشر من شهر مارس عام 1945 بداء الأمريكيون الهجوم على المدن اليابانية وعلى رأسها مدينة طوكيو، مما نتج عن ذلك قتل مئات الألوف وفقدان الملايين لسكناهم وتحولت المدن اليابانية إلى أراض محروقة. كما غزى الأمريكيون جزيرة اوكيناوا اليابانية. وفي يوم الخامس من أغسطس عام 1945 ألقت الولايات المتحدة القنبلة الذرية على مدينة هروشيما، وتلتها بقنبلة أخرى على مدينة نجزاكي يوم التاسع من نفس الشهر، مما أدى باليابان للاستسلام وبدون شروط. ولنا لقاء.
 
أية اعادة نشر من دون ذكر المصدر ايلاف تسبب ملاحقه قانونيه

أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في أخبار