GMT 20:49 2018 الجمعة 29 يونيو GMT 8:19 2018 الإثنين 2 يوليو  :آخر تحديث
اليابان من وجهة نظر عربية

دكتاتورية الثورة ام ديمقراطية الإصلاح؟ (1)

د خليل حسن
 
لم تنجز اليابان حداثتها، ولم تطور شعبها وتكنولوجياتها واقتصادها، إلا حينما راجعت أخطاء تاريخها بصدق، وتجنبت العنجهيات الثورية والطائفية، وركزت على أهمية اقتصادها، وخلقت التناغم بين أبناء مجتمعها، وعرفت مواقع قوتها وضعفها، وتناست انفعالات وغضب الانتقام، لتحول عدو الامس إلى شريك الغد. ففي منتصف القرن التاسع عشر، تخلصت اليابان من الدكتاتورية الثورية لحكم الشوجن، وارجعت شرعية الامبراطور، ووضعت دستورا يفصل السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية، بينما حافظت على سلطة الحكم الامبراطوري للمحافظة على وحدة البلاد واستقراره، وعلى نظامها الديمقراطي الدستوري، ولمنع السياسيين من التلاعب به. كما تطورت هذه التجربة الديمقراطية بعد مرحلة الغزو الاستعماري، ودمار الحرب العالمية الثانية، لتتحول اليابان خلال عقود قليلة لثاني اقتصاد عالمي، وبنظام امبراطوري، ديمقراطي، رأسمالي، ذات مسئولية اجتماعية، ومن خلاله خلقت شعب منتج ومسالم، وبطبقة وسطى مثقفة ومتعلمة ومدربة، لتلعب دورا في تطوير تكنولوجيتها واقتصاديات بلادها، في الوقت الذي وفرت لجميع افراد شعبها، وبدون استثناء، شبكة حماية مجتمعية، في الرعاية الصحية والتعليمية والإسكانية والتقاعدية،  ويبقى السؤال لعزيزي القارئ: كيف يمكن ان تستفيد منطقة الشرق الأوسط من هذه التجربة لكي تحقق امنها وسلامها وتنميتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، بعد ارهاصات الثورة الإيرانية في عام 1979، وبعد تقلبات ما سمي بثورات الربيع العربي في عام 2011؟
منذ أن تحررت دول الشرق الأوسط من الاستعمار العسكري في القرن العشرين، تحاول شعوب المنطقة إيجاد طريقها المستقل لتحقيق تنميتها الروحية والاجتماعية والاقتصادية والتكنولوجية. وقد طرحت الحركات السياسية في القرن الماضي أيديولوجيات متعددة للتغير، بين دكتاتورية احزاب الطبقة الكادحة بالشيوعية والاشتراكية والقومية، وديمقراطية الأحزاب المتعددة باللبرالية الرأسمالية. وقد نجحت بعض هذه الأحزاب للوصول للسلطة بالثورات والانقلابات، لتحكم باسم الطبقة الكادحة، وبشمولية نظرية الحزب الواحد. وقد صدمت هزيمة عام 1967 شعوب المنطقة، وأدت لردة فعل عنيفة بين الشباب، لتدفعهم للبحث عن حلول جديدة لتحديات حياتهم اليومية، فلم تتأخر المعارضة في طرح "أيديولوجية" الدين السياسي هو الحل. وقد تبلورت هذه الأيديولوجية في بدايات القرن العشرين بتأسيس حركة الإخوان المسلمين، وقوى عودها بعد ارهاصات تجربة الثورة الإيرانية في عام 1979. وبعد أكثر من ثمانية عقود لتجارب حركات أحزاب الطبقات الكادحة الشيوعية والاشتراكية والقومية، وبعد اربعة عقود من تجربة الحركات الحزبية للإسلام السياسي، نحتاج لوقفة للدراسة والمراجعة، ليبقى السؤال لعزيزي القارئ: هل يواجه الإسلام السياسي ثورة دكتاتورية "أيديولوجية" نظرية جديدة، أم يعيش تجربة مخاض إصلاحات ديمقراطية برغماتية؟ وهل حان الوقت ليراجع الشعب الإيراني نظرية الحكم المطلق لسلطة رجال الدين على الدولة العصرية، وليرجعهم لمواقعهم الحقيقة في نشر روحانيات الاخلاقيات السامية، بعد ما ترددت بشكل مخجل ومخيف؟ وهل يمكن ان تتطور الأمم بدون سلوكيات روحانية أخلاقية سامية، وبقيادات دينية صادقة رصينة وحكيمة ومؤمنة، بعيدة عن تقلبات ورجس السياسة؟
تناقش البروفيسورة الأمريكية روبن وايت في كتابها، الأحلام والظلال، معضلة الثورات في الشرق الأوسط، ومدى صلاحية هذا النوع من التغير الفجائي في زمن اللامعقول وعصر تكنولوجية الميكروشبس والذكاء الصناعي. فقد أكدت دراسة التاريخ بأن الثورات تأكل عادة بعضها، بالاضطرابات والمذابح، لتفشل في تحقيق مثالياتها النظرية الموعودة، ولتنتهي لرد فعل بإرهاصات جديدة، قد تبذر منها نبتة إصلاحات ديمقراطية طويلة الأمد. فقد أنهت الثورة الفرنسية حكم البوربون وأدت للعدالة والحريات المدنية، ولكنها تفجرت بعهود طويلة من العنف الدموي والإرهاب، واحتاجت فرنسا لقرن من الزمن لتؤسس جمهوريتها الديمقراطية، التي لم تكتمل إصلاحاتها حتى اليوم. وأسقطت الثورة الروسية حكم القياصرة، لتنتج مساواة لا طبقية، بنظام سوفيتي لحكم شمولي بقي لسبعة عقود، ولينتهي انهياره ببذرة تجربة ديمقراطية "مبهمة" المعالم. وكان لمنطقة الشرق الأوسط في القرن العشرين نصيبها من ثورات قومية اشتراكية، والتي لم تنتهي حتى الآن لإصلاحات تنميتها وديمقراطيتها المنشودة. وفي عام 1979 بدأت تجربة فريدة في إيران، بانطلاق ثورة حماسية جادة، "جمع فيها الامام الخميني الإيمان القديم مع التكنولوجية المعاصرة، لتوحيد اللبراليين مع التقليديين، الديمقراطيين مع الشيوعيين، التجار المحافظين مع نشطاء الطلبة الصاخبين، ليلهم الشعب الإيراني بالثورة." ووصفتها الكاتبة بأنها: "ثورة أصيلة بين عدة انتفاضات هبت على المنطقة خلال القرن الماضي، لأنها أنتجت أيديولوجية سياسية غيرت الطيف السياسي العالمي، وأدت لشكل فريد وعنيف من الإسلام السياسي، وبذرت أفكار جديدة عن الديمقراطية، من خلال ثوارها الذين تخمروا بسرعة ضمن النظام الجديد، ثم ثاروا ضده." 
وقد توقع الخميني مجتمع جديد بعد هذه الثورة، وصفه في مقابلة مع صحيفة دير شبيجل الألمانية في عام 1978 بقوله: "مجتمعنا المستقبلي سيكون مستقبل حرا، وسيقضي على كل آليات القمع والوحشية والفرض." وقد عانت الثورة الإيرانية منذ البداية صراعات مختلف القوى الوطنية، وأستاء الخميني بالأخص من صراعات بعض رجال الدين السياسيين على السلطة، وقد وبخهم بمقولته المشهورة في عام 1981: "توقفوا عن عض بعضكم البعض كالعقارب." وحينما تفاقمت النزعات على السلطة في عام 1987 كرر انتقاده لهم بالقول: "زرع النزاعات بين علماء الدين من أسوء الذنوب." فلم يكن راضيا بأي دور لرجال الدين في السلطة، لإيمانه بأن إغراءات السلطة الدنيوية قد تفسد، وبأن استلام بعض رجال الدين لهذه السلطة وبإدارتهم للسياسة باسم الدين، قد يحول حكمهم مع الوقت لسلطة مطلقة، قد تعيد تجربة استبداد الشاه من جديد، وقد صرح لصحيفة الليموند الفرنسية في عام 1979 خلال رجوعه لإيران بقوله: "نيتنا بأن لا يستلموا رجال الدين الدولة." وقد وفى بوعده حينما تشكلت أول حكومة إيرانية بعد الثورة من مسئولين تكنوقراط، ولم يكن بينهم رجال دين. وحينما بدأ الشعب الإيراني في كتابة دستوره، برزت الخلافات الحادة على السلطة بين التكنوقراط المتخصصين وبعض رجال الدين السياسيين، فعرضت أربعة ألاف صياغة للدستور الجديد، وانتهت بصياغتين أكدتا معا بضرورة استمرار التكنوقراط في السلطة، ومنعت تدخل رجال الدين في الحكم، وطالبت ببرلمان قوي لمنع الرئيس من الاستبداد برئيه، كما اقتبست الكثير من القوانين الأوربية، ولم تعطي جميع أطراف النزاع أي دور سياسي لرجال الدين. 
وقد وافق الخميني على الصياغة الثانية للدستور، ومع ذلك لم ينتهي الصراع على السلطة، ليستمر الخلاف وليطالب مجلس الثورة انتخاب فريق جديد لكتابة الصياغة الأخيرة للدستور. وقد ترافق ذلك بخلاف شديد بين الأطراف المتنازعة، ونجح بعض رجال الدين السياسيين، بعد ستة أشهر من بدأ الثورة، الحصول على ثلثي أصوات مجلس صياغة الدستور، بعد أن قاطعت انتخاباته القوى السياسية الوطنية. وقد فصل الدستور الجديد السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، وأيد حق الانتخاب للمواطنين منذ سن السادسة عشر، ونجح بعض رجال الدين السياسيين من "فرض سلطاتهم المتوازية القوية على جميع فروع سلطات الدولة من خلال مؤسساتهم الدينية ومعظمها بالتعين." وحينما زادت النزاعات حول المراكز، وقوت مواقع بعض رجال الدين السياسية، اضطر الخميني رفع الحضر عنهم للمشاركة في السلطة، ليؤدي ذلك لانتخاب خامنئي رئيسا في عام 1981، بل وليخلف الخميني بعد وفاته في عام 1989 كالمرشد العام للثورة. 
وبعد أن تصاعدت الأصوات المعارضة ضد الدور السياسي المتشدد لبعض رجال الدين السياسيين، استاء المرشد العام للثورة الجديد من تزايد هذه الأصوات لينتقدهم في عام 1995 بقوله: "يحزنني أن أرى الذين يعتبرون جزءا منا، يتفهمون الحقيقة بطريقة ملتوية وينشرونها. فتفسير الدين ليس علما يستطيع فهمه الجميع، فالفقه هو العلم الرئيسي لرجال الدين. وما يواجهه بعض رجال الدين من معارضة يفرح الصهاينة والأمريكيين، لأنهم وجهوا قلوبهم لتحطيمهم. وسيصفع النظام الإسلامي هؤلاء بقوة على وجوههم." واستمرت الخلافات في تفاقم متصاعد بين القوى السياسية الوطنية وبعض رجال الدين السياسيين المتشددين، لينتقد الثورة وتصرفات حكومتها في عام 1989، علي منتظري، الذي سماه الخميني بثمرة حياتي وعينه خليفة له في بدايات الثورة، بقوله: "لقد فشلت الثورة في تحقيق وعودها وتحتاج الحكومة لإصلاح حالها. ولا يجوز لها أن تحارب الأفكار المعارضة بالقتل، لأنه لا يمكن حل أية مشكلة بتلك الطريقة، بل يجب الرد عليها بأفكار أقوى. وإذا استمرت الحكومة بتجاهل المعارضة فستتحول كلماتها لرصاصات قاتلة."  
كما أختلف علماء الثورة على فلسفة ولاية الفقيه، أي استلام رجال الدين للسلطة المطلقة، فالبعض أيدها بشدة، بينما تحفظ عليها البعض الآخر، لاعتقاده بأنها تخالف الفلسفة التقليدية للدين الإسلامي. ومن أوائل ثوار ومفكري الثورة الذين تحفظوا على هذه الفلسفة، هو المفكر الإسلامي الإيراني محسن كاديفار، والذي شرح تصوراته بالقول: "كل فرد في المجتمع، وكل فرد في الحكومة محكوم بالقانون، ولا يمكن أن يكون أحدا فوق القانون، فالجميع لهم حقوق متساوية. وتعتمد جذور فلسفة ولاية الفقيه على عدم المساواة، وتفرض بأنها فوق القانون. فجاء الوقت لكي يلزم مركز المرشد العام للثورة بالدستور، فهذا المركز ليس لرسول من الله، ولا لأمام معصوم عن الخطأ، بل هو مركز لبشر مثلنا. فقد حول هذا المركز القوة المطلقة لولاية الفقيه، لقوة غير عادلة وغير شرعية، كمثل سلطة الشاه الغابرة. وفي الحقيقة من واجب رجال دين التبحر في الدين ونشر أخلاقياته الروحانية الدائمة، لا أن يتنازعوا في متاهات سياسة المصالح الدنيوية الفانية. وسيرجعون هؤلاء بأفكارهم الجمهورية الإسلامية الإيرانية للوراء بدل أن يدفعوها للأمام في اتجاهه المستقبل." ويبقى السؤال: هل فعلا تراجعت الجمهورية الإسلامية الإيرانية للوراء، لتفرغ رجال الدين لنزاعاتهم على السلطة المطلقة، واتهام بعضهم البعض بالفساد وسرقة المليارات من أموال الشعب، والدخول في عدة حروب طائفية مزمنة، مما أدى لانخفاض سعر العملة الإيرانية إلى مستويات غير مسبوقة؟ ولنا لقاء.
د. خليل حسن، كاتب بحريني 
أية اعادة نشر من دون ذكر المصدر ايلاف تسبب ملاحقه قانونيه

أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في أخبار