قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

ينعقد في الايام القليلة القادمة المؤتمر الوطني العراقي والذي سيناقش جملة من المسائل ربما تبرز من بين اهمها مسألة انتخاب سلطة تشريعية مؤقتة للاسهام مع الحكومة المؤقتة بالاعداد لاجراء انتخابات عامة في البلاد، لتأسيس المؤسسات الدستورية العراقية الدائمة. ويستمد هذا الحدث اهميته ليس فقط لانه سينعقد في ظروف بالغة التعقيد؛ بل ولانه سيؤسس لسابقة لم تعرف الدولة العراقية مثيلا لها في التاريخ المعاصر. اذ ان اغلب البرلمانات التي عرفها العراق؛ لا تعدو ان تكون اجهزة صورّية منقوصة الصلاحيات؛ او انها كانت تشكل الغطاء الشرعي لممارسات السلطة التنفيذية؛ المغرقة بالشمولية و التعسّف.ويعتبر البرلمان الذي سينبثق عن المؤتمر العراقي جهازا تمثيليا؛ الى جانب كونه مجلسا تشريعيا بجميع المقاييس المعروفة في نظرية القانون الدستوري الحديث. فعملية الانتخاب الجارية الآن على مستوى محافظات العراق دون استثناء؛ وتمثيل المرأة في المؤتمر؛ واشتراط تمثيلها في البرلمان المرتقب بما لا يقل عن ربع المقاعد؛ والتوزيع المتكافئ لجميع فعاليات المجتمع المدني العراقي من احزاب ونقابات وعشائر وفعاليات اخرى مختلفة؛ تمنح الصفة التمثيلية للمؤتمر االوطني ولجميع المؤسسات التي ستنبثق عنه. ان تنفيذ كل ذلك وفي ظروف كالتي تعيشها الدولة العراقية الآن؛ حيث الاستنفار غير المسبوق لقوى الارهاب الدولي والدعم اللامحدود الذي تتلقاه تلك القوى من اطراف باتت معروفة للجميع؛ اقول ان تنفيذ كل ذلك يعتبر عملا هائلا سيسجل للحكومة العراقية المؤقتة والقوى السياسية العراقية التي اثبتت جدارتها في قيادة مجتمعنا في اشد الاوقات صعوبة؛ سواء في ظروف الاحتلال ( مجلس الحكم الانتقالي ) او خلال المرحلة الراهنة ( الحكومة المؤقتة ).ويواجه المؤتمر الوطني العراقي حملة انتقادات واسعة و متعددة الاتجاهات و النوايا؛ يصب الجزء الاكبر منها في مجرى التشكيك بكل ما تقوم به الحكومة المؤقتة ورموزها السياسية المختلفة؛ الا ان اغلب تلك الانتقادات لا يمكن ان يصمد امام التحليل العلمي والدراسة المتأنية للواقع السياسي الراهن في العراق من جهة، ومن جهة اخرى فان وجود الاساس القانوني و المتمثل في قانون ادارة الدولة العراقية للفترة الانتقالية يعتبر اساسا متينا للرد على الاتهامات الموجهة للمؤتمر والمتمثلة بعدم امكانيته والمؤسسات التي سينتخبها للصفة التمثيلية و التشريعية؛ فقد منحت الفقرتان أ و ب من المادة الثلاثين للقانون الصفة التشريعية؛ حيث نصّتا على اعتبار مهمة التشريع من الاختصاصات الحصرية للبرلمان المؤقت اضافة الى وضيفته الرقابية على عمل الحكومة؛ فيما اعطته الفقرتان ج ود الصفة التمثيلية حين اكدتا اعتماد اسلوب الانتخاب في تشكيله.وما زلنا بصدد الحديث عن الوظيفة التشريعية للبرلمان العراقي المرتقب؛ نرى من الضروري الاشارة الى ان نظرية القانون الدستوري تميّز ثلاثة اساليب لممارسة تلك الوظيفة وهي:

1- الاسلوب البرلماني لممارسة الوظيفة التشريعية؛ الذي وجد مكانه في الدوّل البرلمانية (الملكيّة منها و الجمهورية) حيث تعتبر وظيفة التشريع في الدولة من الاختصاصات الحصرية للبرلمان. وهو الاسلوب الاكثر ديمقراطية اذ يضفي على العملية التشريعية صفة الجماعية ويستبعد امكانية تعسف السلطة التنفيذية؛ ممثلة يرئيس الدولة و الحكومة.
2- الاسلوب ما فوق البرلماني؛ و المتمثل بوجود جهاز للدولة يحتل منزلة ارفع من منزلة البرلمان في هرم السلطة؛ وتكون وظيفة التشريع واحدة من اهم الاختصاصات الموكلة اليه دستوريا. ويتميّز هذا الاسلوب بالغائه فعليا الوظيفة التشريعية للبرلمان؛ حيث لا يمكن لقرارات الاخير امتلاك القوّة القانونية دون مصادقة الجهاز المذكور عليها. وتتميّز دول العالم الثالث؛ وخصوصا الشمولية منها؛ بانتشار هذا الاسلوب ( مجلس قيادة الثورة العراقي سابقا. مجلس صيانة الدستور في جمهورية ايران الاسلامية- المادة الثالثة و التسعون من الدستور. القيادة القطرية في الجمهورية العربية السورية- المادة الثامنة من الدستور). وكان هذا الاسلوب منتشرا ايضا في الدول ذات النظم الاشتراكية؛ مثل هيئة مجلس السوفيات الاعلى ومثيلاتها في دول المنظومة الاشتراكية السابقة. واللجنة الدائمة للبرلمان الصيني في الوقت الحاضر.

3- اما الاسلوب الثالث فهو قليل الانتشار ويعرف في الادبيات القانونية بالاسلوب ما دون برلماني؛ اذ تقوم هيئة البرلمان باحالة بعض من اختصاصاتها التشريعية الى احدى اللجان البرلمانية؛ التي تتولى وظيفة التشريع بصورة مؤقتة؛ مع تحديد المسائل التي يكون من حق تلك اللجنة تناولها بالتشريع. (اللجان في البرلمان الايطالي مثالا).اما في الحالة العراقية؛ فانني ارى ان البرلمان العراقي المؤقت، الذي سينبثق عن المؤتمر الوطني المرتقب سيكون كامل الصلاحيات ذلك لانه الجهاز الوحيد في منظومة السلطة الذي يمتلك الحق بمزاولة الوظيفة التشريعية للدولة ( الفقرة أ من المادة الثلاثين المذكورة ). ثم ان قانون ادارة الدولة العراقية يخلو من اية اشارة عن امكانية حل البرلمان من قبل السلطة التنفيذية (الحكومة المؤقتة او مجلس الرئاسة) مما يميّز العراق عن الكثير من الدول (وخصوصا النامية منها) و التي اباحت تشريعاتها لرئيس الدولة القيام بحل السلطة التشريعية.

عند تناول موضوعة السلطة التشريعية في العراق لابد من التطرق الى ضرورة الاستفادة من التجربة الكردستانية في هذا الجانب؛ حيث يمتلك اقليم كردستان العراق تجربة غير قليلة جراء الممارسة البرلمانية لاكثر من عقد من السنين، وسيكون لهذه التجربة الاثر الكبير في تذليل الصعوبات التي قد تعترض التجربة العراقية الوليدة. بالاضافة الى ذلك انني ارى ان اختيار الشخصية السياسية الكردية المعروفة فؤاد معصوم لرئاسة اللجنة التحضيرية للمؤتمر الوطني العراقي له دلالاته الايجابية ايضا، حيث يؤكد ذلك على الثقة المتبادلة بين المقومات الاساسية للشعب العراقي، ويدلل على تمسك القيادات السياسية الكرديّة على وحدة العراق والحرص على نجاح التجربة الديمقراطية الجارية في بلادنا بالوقت الراهن.

ان واحدة من الضمانات الاساسية لنجاح التجربة العراقية في البناء البرلماني الحديث؛ تكمن في الالتزام بنص المادة الرابعة من قانون ادارة الدولة العراقية للفترة الانتقالية، والتي تنص على اعتبار " نظام الحكم في العراق جمهوري، اتحادي(فيدرالي) ، ديمقراطي ، تعددي..."، وان اتخاذ الفيدرالية شكلا للدولة سيكون له اثر كبير في اغناء الحياة البرلمانية العراقية القادمة. وليس اقل اهمية من ذلك اعتبار مبدأ الفصل بين السلطات الوارد في الفقرة ب من المادة الرابعة و العشرين من قانون ادارة الدولة في الصلب من عمل ماكنةماكنة الدولة.

ان نجاح المؤتمر الوطني العراقي سيكون له اثر بالغ الاهمية ليس فقط في حياة الشعب العراقي، بل ولشعوب منطقة الشرق الاوسط كافة. وربما توقف على نجاحه مصير كامل التجربة العراقية في بناء دولة المؤسسات، دولة القانون التي ستؤسس لحياة برلمانية سليمة في بلد تدين له البشرية باولى القواعد القانونية على الاطلاق.

موسكو/ روسيا