قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك


في موروث الغزل العربي،توصف المرأة الجميلة بقمر 14،وفي موروث التغيرات السياسية العراقية ستبقى شمس 14 من تموز حدثا لا مثيل له منذ آلاف السنوات، فالانقلاب السياسي صبيحة ذلك اليوم البغدادي جاء ب عبد الكريم قاسم ليحكم العراق كأول عراقي يتزعم هذا البلد منذ الألف الثاني قبل الميلاد.
كان عسكريا جادا،قال أعدائه هذا عنه..وزادوا عن عيوبه ما لم يقله مالك في الخمر..
لكنه بقي أفضل منهم.. واقفا في مفترق الطرق بين إقطاعية ملكية وبين ان ينتقل بالعراق الى أفق أوسع..
لم يكن معصوما كما يدعي أي ديكتاتور عن نفسه..
ولم يكن ديكتاتورا فيما ملك وما فعل..فلم يملك شيئا في العراق..وهو أول شخص، ربما، في تاريخ البشرية، حكم في ارض لا يملك فيها شبرا واحدا..
أعاد الى الأذهان، بعلمانية وليدة ،كلمات قرآنية في منهج العفو عن ما سلف من سيرة قاتليه،ليزدادوا إمعانا في البطش، ويكون أول ضحية لتسامحه الشخصي.
إذن فلنسجل أول خطاياه وذنوبه.. تلك الروح العراقية الطافحة بالعفو عند المقدرة..
عرفه أبناء العراق وأنكره العرب لأنه فكّر بعراقه أولا،غير ان الجند يتداولون حديثا صحيحا عن بطولاته في ارض فلسطين، حتى قيل ان منطقة كفر قاسم سميت باسمه تخليدا لمروره الصامد فيها ايام كان يقود فوجا هناك..
غير منتم لإيديولوجية ما،ولا وعد بركام الشعارات، بل قدمت أفعاله لقضايا العروبة المصيرية ما لم يقدمه زجل القوميين وصراخهم لعقود طويلة.
عرف العرب أعداءه وما علموا انه أول رئيس عربي وزعيم أمة يقتل دون ان يملك بيتا او رصيد. ودون ان يقترن بالمرأة التي أحب، ولم يختطفها من زوجها وهو يمرّ مصادفة في زيارة تفقدية له كرئيس دولة لأحد مدارس العراق،بل كان ينحني خجلا كأي عاشق عراقي.
في سنوات حكمه التي يقرنها أهل العراق بسنوات أربع لحكم علي بن أبي طالب مرّت الفتن فيها مرور السحاب في اليوم العاصف، بقي راسخا في حياده الطائفي والقبلي، وما كان يميز بين عربي وكردي إلا في محبة العراق، لينجز لهذا البلد متسعا كبيرا من اقتسام الفرص والتكافؤ الفذ، حدا علمّ فيه الزعيمُ الشعبَ قبل وزرائه نزاهة اليد وحب العراق.
حين اغتيل كشهيد للوطنية العراقية كانت أخر كلمات له "يحيا الشعب العراقي"،وحين دفنه قتلته، اكتشف جثته فقراء معامل الطابوق.لتبدأ أسطورته الكبرى، أسطورة رجل رفعه الله من الحكم الى ان يطبع وجهه في القمر.حتى أمسى قسما تتداوله الأمهات العراقيات"وحق الزعيم الرحيم"،و لم يـُشرك مع حبه أهل العراق من احد تبعه.

قبل أيام أطلعني الدكتور هاشم العقابي على بعض تفاصيل دراسة هامة له عن مفهوم (العروبة العراقية)،يبحث فيها عن الماهية العميقة لوعيٍ عراقي قديم،اتخذه صفوة وطنييه طريقا لهم،و دفعوا خلاله ثمنا غاليا.. لعل أهمهم كان الزعيم عبد الكريم قاسم،كنموذج شعبي عراقي انفتح على العروبة خارج الشعار وكان لممارساته العملية قيمة منجز لم يحققه زيف الشعارات القومية التي ناهضت حضور هذا الزعيم في الضمير العراقي أولا..حضورا نادرا ما سبقه اليه من احد في دلالات اللغة التي كان يخاطبه بها أبناء العراق، فالشارع هتف له بأسلوب ينتبه إليه الدكتور العقابي ويقارنه بخشيتهم من استخدامه مع الآخر السلطوي الذي سبقه او الذي أعقبه، فكانوا يهتفون واضعين اسمه بصيغة التصغير عن كريم(كريّم) قائلين:
عيوني كريّم للأمام
ديموقراطية وسلام..
عراقيا، وحدها الأم حين تدلل ابنها تضع دونما خشية اسمه في محل التصغير، يفعل هذا ايضا الأب على استحياء شفيف والصديق الأقرب في قمة المودة،وهذا ما لا يتداول خارج هذا السياق إلا للإهانة والهمز والمناكفة،وهو ما لم تقله تلك الجموع الصادح ضميرها بالمحبة. كان نداءهم ل(كريّم) مختلفا ومتقاطعا مع دلالة حضور اسم صدام مثلا في سياق الهتاف، فمن يجرؤ ان يقول عنه (صديّم)؟، وهل سيكون من ثيمة عميقة لهذا التصغير غير تكشّف حقيقة المسمى عن وحشة ورعب كبيرين؟.
أحبه شعب العراق وعاتبه في مواقف كثيرة.. خائفا عليه .. فأي زعيم عربي يرسل رسالة عتب وتواد دونما شتيمة مع قميصه الملطخ بدم محاولة الاغتيال الى ارض مصر حيث تحاك عليه الفتن..
اين مثاله هذا فيمن تشاجروا بالصحون وتبادلوا البصاق على الهواء..
أي زعيم عربي يمازح خبازا يضع له صورة كبيرة في واجهة محله قائلا له: حبذا لو تصغر الصورة وتكبر الرغيف..
واي زعيم ينادم من يتحينون به الفرص مستشهدا بقول الرصافي:
انا باق على الوفاء وان كانت بقلبي ممن أحب جراح
فأليهم، ومنهم اليوم أشكو بلغيهم شكايتي يا رياح
حديث المشاعر عن هذا الإنسان العراقي يطول بحجم ما تركه من أثر طيب،ويطول الحديث عن منجزه ومنجز ما أحدثه من انقلاب سياسي واجتماعي وثقافي في العراق، يدعمه بقاء خططه ومشاريعه التي وضعها للاعمار والبناء، والتي لم ينجز منها من تبعه ما يستحق الذكر بالقياس مع تلك السنوات القليلة التي كانت متنفسا لأهل العراق لقطف ثمار خيراتهم، في زمن الزعيم الذي "زوّد العانة فلس" بعد ان كانت هذه العملة العراقية أربعة فلوس بينما هبط نظام البعث في نهاية حكمهم بالدينار العراقي الى نسبة لا تصدق ولا تعقل في حسابات بلد نفطي وزراعي يملك مخزون معادن كأهم بلد في الشرق الأوسط.