تستأثر القضية العراقية؛ وما يتمخض عنها من قضايا فرعية كثيرة على شاكلة اصدار قانون السلامة الوطنية و التمهيد لاعلان حالة الطوارئ وامتثال الدكتاتور امام قاضي التحقيق ...الخ؛ يستأثر كل ذلك باهتمام متزايد من قبل اوساط مختلفة كثيرة. وتتسع دائرة الجدل لتشمل قضايا سياسية و حقوقية مختلفة؛ مما يتيح للكثيرين استثمار ذلك في الحملة الشعواء التي تشن ضد السلطات العراقية الوليدة ورموزها السياسية؛ التي تتقاسم المسؤلية في هذه السلطات. ومن القضايا التي بات محاموا الدكتاتور يتداولونها في الفترة الاخيرة هي تشكيكهم بشرعية المؤسسات العراقية الوليدة ومنها الحكومة المؤقتة بحجة امتلاك بعض المسؤلين فيها لجنسيات بلدان اخرى؛ وكأن العراقيين ملزمون باستحصال موافقة المحامين العرب لبناء دولتهم وتشكيل مؤسساتهم الدستورية؛ بعد ان احالها موكلهم الى مؤسسات للقطاع العائلي الخاص. وبقدر ما يدلل موقف المحامين العرب هذا على شوفينية بغيضة؛ فانه يعبر ايضا عن تشويه رخيص لواحد من المفاهيم الانسانية التي اريد لها ان تكون ملاذا للكثيرين من طغيان الانظمة الشمولية و الحكام الدكتاتوريين على شاكلة المجرم صدام حسين التكريتي.انني ارى ان تحليلا قانونيا لموضوعة ثنائية الجنسية سيكون بالغ الاهمية في الوقت الراهن؛ سيما وان مواطنينا اصبحوا هدفا سهلا لحملات تضليلية مليئة بالخبث؛ يسهم الاعلام العربي فيها بدور خبيث و غير مشرف.

يجمع علماء القانون الدستوري على ادراج موضوعة الجنسية ضمن جملة حالات؛ تؤلف بمجموعها الوضعية القانونية للفرد؛ اي مجموعة الحقوق التي ينبغي على الدولة توفيرها للمواطن؛ ومجموعة الواجبات التي يجب على المواطن القيام بها تجاه دولته. وعلى هذا الاساس يمكننا القول بأن طرفي العلاقة (المواطن و الدولة) يكونان مدينين احدهما للآخر من حيث تأدية الواجبات ونيل الحقوق؛ فبقدر ما تكون الدولة ملتزمة بتنفيذ التزاماتها تجاه مواطنيها؛ يكون المواطن اكثر عطاءا في تأدية واجباته ازاء الدولة التي ينتمي اليها. وقد استند علماء القانون الى ذلك باعتبارهم الجنسية رابطة سياسية- قانونية دائمة وثابتة بين الدولة و الفرد (المواطن). وتستمد هذه الرابطة ديمومتها من طبيعة الدولة ذاتها (الارض؛ السكان؛ والسلطة العامة). اذن فالجنسية تمتلك رابطة وثيقة مع موضوعة الحقوق الفردية للمواطن والتي احتلت حيّزا كبيرا من اعمال الفلاسفة وعلماء القانون؛ حيث تقوم اغلب النظريات على اعتبار الفرد مصدرا للسلطات و اساسا للنظام السياسي؛ ولم تكن السلطة سوى الوسيلة التي يراد منها تحقيق متطلبات الفرد و تلبية حقوقه المشروعة. وقد وجدت تلك النظريات تجلياتها في الكثير من الدساتير و المعاهدات الدولية؛ كالاعلان الفرنسي لحقوق الانسان الصادر عام 1789 و لائحة حقوق الانسان لعام 1948؛ والمعاهدة الدوّلية التي اقرتها الجمعية العامة لهيئة الامم المتحدة في 1957 والخاصة بجنسية المرأة المتزوّجة من اجنبي؛ حيث حرّمت المعاهدة المذكورة اسقاط جنسية المرأة في حال فسخ عقد الزوجية. بالاضافة الى الكثير من المعاهدات و المواثيق الدولية الخاصة بحقوق اللاجئين والدفاع عن الاقليات القومية و الاثنية و غيرها. ولم تتضمن قواعد القانون الدولي اشارة واضحة الى موضوعة ثنائية الجنسية؛ حيث اعتبرتها من الاختصاصات الحصرية للتشريع المحلي. وقد اختلفت تشريعات الدوّل في معالجتها لهذه المسألة؛ ففي الوقت الذي حرمت فيه تشريعات كل من كازاخستان وتركمانيا على مواطنيها الحصول على جنسية دولة اجنبة؛ احال قانون الجنسية في بيلوروسيا هذه القضية الى الاتفاقيات الثنائية مع الدوّل الاخرى. و اجازها التشريع الايرلندي لمواطنيه صراحة. وفيما لم يتضمن التشريع الايطالي و الهولندي قواعدا محددة حول هذا الموضوع دأبت السلطات الى منح جنسية هاتين الدولتين لمواطني الدوّل الاخرى. ويلاحظ ان ضاهرة ثنائية الجنسية واسعة الانتشار في دوّل امريكا اللاتينية؛ اذ تقرّها تشريعات كل من كولومبيا و البرازيل و الارجنتين وبوليفيا؛ فيما لم تعترف دوّل المشرق العربي بهذا المفهوم القانوني وتحرم؛ في اغلب الاحيان؛ على مواطنيها الحصول على جنسية دولة اجنبية اذ تسقط جنسيّتها عن الحاصل على جنسية ثانية؛ وهذا ما يفسر انتشار ضاهرة البدون في الكثير من الدوّل العربية.واذا كانت الجنسية تعرّف؛ كما اسلفنا؛ على انها رابطة سيا – قانونية بين المواطن و الدولة العائد لها؛ فأن ثنائيتها تعني ارتباط الفرد باكثر من دولة؛ مع ما يترتب على ذلك من تعقيدات وآثار قانونية قد تؤدي؛ كما تؤكد الوقائع؛ الى اثارة الخلافات بين الدوّل التي يحمل مواطنوها اكثر من جنسية؛ اذ كثيرا ما يتخذ مواطنوا الدوّلة الام ملاذا لهم على اراضي دولة الجنسية الثانية وخصوصا من الملاحقة السياسية؛ وهذا بالذات ما يدفع الدول الى عقد اتفاقيات ثنائية لمعالجة ما قد ينشأ من خلافات جراء تطبيقات ثنائية الجنسية. لقد ادى انتقال بعض الدوّل الى سياسة الانفتاح الاقتصادي وتطبيق اقتصاد السوق الى ظهور معظلة اخرى؛ ربما لا تقل اهمية عما اوردناه انفا؛ وهي ان يقوم بعض المواطنين باستخدام بلد الجنسية الثانية لما يسمى بغسيل الاموال ؛ ويمكن اعتبار دولة اسرائيل مثالا صارخا لذلك؛ حيث ان قانون العودة لسنة 1950 يمنح الجنسية لأي مهاجر يهودي قدم الى البلاد بصورة مباشرة؛ ولا زال هذا القانون يستثمر بشكل واسع من قبل اليهود الروس. على ان ذلك لا يعني البته خلو هذا المفهوم من الجوانب الانسانية؛ فتجربة الآلاف من العراقيين تثبت؛ وبشكل لا يقبل التأويل؛ المظمون الانساني لمفهوم ثنائية الجنسية؛ حيث وجد العراقيون انفسهم مضطرين لمغادرة وطنهم جراء الارهاب المفرط و الحروب المتتالية التي دفعت الكثيرين الى طرق ابواب؛ ما يسمى بدوّل اللجوء؛ وذلك للحفاظ على ارواحهم وتأمين مستقبل اطفالهم بعد ان عانوا الامرين من التشرد و الغربة؛ وحتى اذلال (مخابرات الاشقاء) في احيان كثيرة.
و ما زلنا بصدد الحديث عن الشروط التي تضعها تشريعات الدوّل لمنح الجنسية لمواطني دولة اخرى؛ والتي يأتي في مقدمتها شرط عدم الأخلال بالنظام الدستوري للدولة المانحة؛ وشرط الاقامة الدائمة على اراضي الدولة ؛ وشرط اداء الخدمة العسكرية؛ لابد من الاشارة الى ان بعض الدوّل تقوم بتسهيل الاجراْآت لمنح الجنسية في حالة وجود صلات قومية او عنصرية متينة بين الدولة و الراغبين في الحصول على جنسيتها. وتشترط دول كثيرة على طالبي الجنسية امتلاك مورد مشروع للرزق. ولغرض تعزيز هذه الرابطة القانونية بالجذر الثقافي و التاريخي للدولة اشترطت بعض التشريعات معرفة لغة الدولة المانحة؛ حيث يكون اجراء الامتحان واحد من الاجراءات الضرورية للحصول على الجنسية.
عند الحديث عن ثنائية الجنسية وتكييفها القانوني؛ لابد من الاشارة الى ان تشريعات اغلب الدوّل ذهبت الى وضع تسهيلات لمنح الجنسية لمواطني الدوّل الاجنبية المتميزين في مجال السياسة العلوم و الاداب؛ باعتبارهم رأسمال حقيقي لتطوّر الدولة و ازدهارها؛ مقابل ذلك تقوم دوّل القمع و الانظمة الشمولية باسقاط الجنسية عن رموز الثقافة والسياسة والعلم لانها (الانظمة) تجد في تلك الرموز تهديدا حقيقيا لوجودها؛ وليس ادل على ذلك من قيام نظام صدام حسين الهمجي؛ وبمرسوم جمهوري رفيع المستوى؛ باسقاط الجنسية عن شاعر العرب الاكبر محمد مهدي الجواهري والبعض من قادة الحركة التحررية الكردية مثل السيد جلال الطالباني.
لقد قام النظام العراقي المقبور بانتهاج سياسة منهجية في اسقاط الجنسية عن المواطنين العراقيين وقد اتخذ ذلك؛ في احيان كثيرة؛ طابعا جماعيا. ولا اعتقد ان هناك ضرورة الآن للتذكير بعمليات التهجير القسرية التي طالت عشرات الالاف من المواطنين الاكراد الفيلية؛ الذين اسقطت عنهم الجنسية العراقية تحت ذريعة العائدية للدولة الايرانية؛ وهي ذريعة تحمل من العنصرية بقدر ما تحمله من استهتار بابسط القيّم الانسانية. انني ارى ان الواجب الانساني يقضي بادراج قضية الاكراد الفيليين العراقيين ضمن قائمة الاتهامات الموّجهة للدكتاتور صدام حسين؛ حيث يتوفر الكثير من الادلة الثبوتية لادانة المتهم بارتكاب تلك الجريمة التي يمكن تصنيفها بالاستناد الى قواعد القانون الدوّلي على انها جريمة ضد الانسانية. ولا اعتقد ان هناك محاميا سيجرؤ على الاستهانة بذاكرة العراقيين؛ لأن لذاكرتنا لسان قادر على ادانة الجلاد ومحاميه.

موسكو / روسيا