أصبحت خُطب الجمعة محورا للخلاف بين الحكومات العربية والتيارات الإسلامية، فالحكومات تُريد خُطبا علمانية وعظية تفصل الدين عن السياسة، وتقتصر على البديهيات العامة التي لا تضر ولا تنفع 0 والتيارات الإسلامية تريد خُطبا تحقق رؤيتهم لدور الدين في المجتمع الاسلامي0 وتحقق الدور القيادي الذين يطمحون له، أما المسلم فهو يريد خُطب تلامس همومه الاجتماعية والنفسية وهي هموم مثقلة بالهم السياسي الوطني والقومي،يريد خُطب ينفس بها عن مكبوتة من خلال تقمص شخصية الخطيب، فالخطيب ليس معلما للدين وانما زعيما يمثل دورا أمام المصلين 0 فالخُطبة في الإسلام أو لنقل في تحليلها النفسي في عصور القمع والاضطهاد الداخلي والخارجي شكل من أشكال المسرح السياسي 0
وإذا استعرضنا تاريخ الخُطبة منذ عهد الإسلام الأول، نجدها قد مرت في مراحل متباينة ومختلفة المضمون، فعندما كان الحاكم هو رجل الدين كانت خُطبة الجمعة تمثل الوسيلة الوحيدة لإعلان البرامج والبيانات السياسة للنظام الجديد من خلال المنبر وخاصة خُطب الجمعة حيث تتلى البيانات السياسية وتعلن المواقف، وبهذا المعنى كانت خُطب الرسول عليه السلام وخلفائه الأربعة، فكان الخليفة يُعلن عن برامجه السياسية وخططه وطموحاته، ولما تطور المجتمع الاسلامي باتجاه فئة تحكم وأخرى تعارض منذ العهد الأموي أصبحت الخُطب وسيلة لكل منهما، ثم عندما استحدثت وسائل الإعلام الجديدة من صحافة وإذاعات وتلفاز تملك ناصيتها الحكومات، لم تعد الحكومات بحاجة الى خُطب الجمعة لشرح السياسات وإعلان المواقف، وحاليا نجد إيران هي التي ما يزال زعمائها يستخدمون خُطبة الجمعة كمنبر سياسي 0
امتلاك الحكومات وسيطرتها على وسائل الإعلام 0 لم يترك لفئات المعارضة وخاصة الإسلامية منها الا خُطب الجامعة كمدخل لطرح البرامج السياسية 0 ان مجتمعنا العربي المثقل بالقمع يصعب عليه الرضا بخطب تقليدية حيث انه يمل الوعظ والإعادة والتكرار لمفاهيم وأفكار بديهية في مجتمع متعلم مثقف 0 فالكل يعرف مشروعية الصيام وأحكامه وحكمه، وهكذا جميع أحكام الدين 0
الخُطبة ( والخطبُ أي الحدث الجلل والأمر الخطير ) تعود الى جذر واحد وبالتالي فمعانيهما متقاربة، لهذا لا بد نميز بين خُطبة الجمعة وبين الدروس الدينية التعليمية 0 والحكومات حاليا تريد ان تستبدل الخُطبة بالدرس الديني 0 فالخطبة يجب ان تتناول حدثا مهما وتمثل بذاتها موقفا مهما وليس درسا دينيا فالخطبة حدث بذاتها كالخطب0
الخطيب المُحرض للناس حاليا لا يمتلك التأثير الحقيقي الذي يوجب الخشية من خُطبه، لكنه يملك وسيلة نفسية تُساعد الناس في التخلص من توترهم النفسي من خلال تهديده ووعيده وجراءته اللفظية، وفي الواقع ان الناس ترتاح لهؤلاء الخُطباء من منطلق الإحساس المسرحي، أو إرضاء العواطف 0 وليس الانقياد والتبعية، والكل يدرك استحالة التغير بالكلام لوحده 0
ويمكن تطوير الخُطبة باعتبارها منتديات سياسية، ولكن هذا يتطلب ان نغير من فهمنا لخُطبة الجمعة من درس ديني تعليمي وعظي الى إعلانات سياسية وبرامج وطنية وقومية 0 قيمكن لأي زعيم حزب أو وزير أو حتى رئيس الوزراء نفسه ان يُلقي خُطبة الجمعة، يتحدث عن افكاره وخططه 0 وهل يعقل ان رئيس الوزراء يستمع للخُطبة حتى يتفقه في الدين؟! وهل الطبقة السياسية تجهل أحكام الدين بينما العامة تعرفها؟!
البعض يعارض مثل هذا التوجه من منطلق الحفاظ على وحدة المسلمين والابتعاد عن الفرقة والخلاف وبالتالي إبقاء الخُطبة في إطار نقاط الاتفاق وهي فقط بديهيات العبادات العامة 0 لكن تطور المجتمع الديمقراطي يعني إمكانية ذلك ومن المؤكد اننا كنا نطبق الديمقراطية في المسجد قبل قرون 0 ولا تكون خُطبة الجمعة مصدر قلق للحكومات أو منبر خلاف بين الناس الا في زمن غياب الديمقراطية 0
- آخر تحديث :




التعليقات