منذ إقدام الجهات الأمنية على إبلاغ المسؤولين الكرد قرار القيادة القطرية لحزب البعث والقاضي بحظر نشاط الأحزاب الكردية في سوريا، بات الساسة الكرد يحمدون الله الذي لا يحمد على مكروه سواه ويتعوذون به من شرور مثل هذا(الفرمان)، إذا ما أصرت السلطة على تنفيذه حقا، أما عامة الكرد فلم يحملوا الأمر محمل الجد، بل اخذوا يتندرون به من خلال ما تفتقت به مواهبهم من طرفة هنا مثيرة للسخرية أو فكاهة هناك تبعث على الاشمئزاز،كتلك التي رواها(سلامة موسى) ذات يوم عن الطبقة الحاكمة في الصين قديما،والتي كانت تمارس تقليدا بحق الفتيات من خلال ربط أقدامهن وهن صغيرات بأربطة وثيقة، كي تكون الفتاة مرشحة للزواج مستقبلا، لأن بنات النبلاء ـ على حد تصور الفئة الحاكمة ـ أقدامهن صغيرة، في حين أن بنات الصعاليك والفقراء أقدامهن كبيرة، نتيجة السعي الدائم، وكما نعلم فان ربط القدمين، يؤدي إلى ضغط الأوردة والشرايين، فلا تجد القدمان غذاءهما الكافي، فتضمر كلتاهما وتعيش الفتاة بقية حياتها كسيحة
والقرار العتيد للقيادة القطرية ـ الذي سن كرد فعل سلبي على أحداث 12 آذار المنصرم ـ كان بمثابة تلك الأربطة الصينية السالفة الذكر، وهوـ أي القرار ـ ينم عن بؤس السياسة المنتهجة في حق شعبنا الكردي منذ عقود، وحينما نقول بؤس السياسة، فإننا نعي تماما ما نقول، لأن القيادة القطرية إذا ما صممت على تنفيذ قرارها كم اسلفنا من ذي قبل، فستضطر الحركة الكردية لممارسة العمل السري مكرهة بعد انتفاء الخيارات، حينئذ، من يضمن ألا تحيد بعض فصائلها عن استراتيجية الحركة ونهجها القائم على ضرورة حل القضية الكردية في سوريا حلا سلميا في إطار وحدة البلاد، تلك الاستراتيجية التي تنبذ مبدأ الأستقواء بالخارج؟
هذا من جهة،أما من جهة أخرى، فان القرار ـ كما هو واضح ـ يرتكز على تلك السياسة المنتهجة منذ تولي البعث السلطة، والتي تقضي بإقصاء الآخر و تبخيسه بأي ثمن، ويمكن القول بأنه يفتقر إلى الحد الأدنى من الموضوعية، سيما أن سوريا تمر في ظرف تواجه فيه تحديات على أكثر من صعيد، فمن الطبيعي والحالة هذه أن تكون عواقبه وخيمة، إذا ما ظلت القيادة القطرية تتناول مسألة الوحدة الوطنية بخطابها المتخشب الذي اعتادت عليه، والذي ما زال ـ على ما يبدو ـ حبيس الرؤى الإيديولوجية لغلاة التعصب القومي، من أمثال: ميشيل عفلق وزكي الأرسوزي وساطع الحصري وخلفاء هؤلاء من التلاميذ النجباء.
ما من شك أن مهندسي هذه السياسة، القائمة على التنكر لأبسط حقوق شعبنا الكردي، يتوخون ـ بمفرقعاتهم السياسية هذه ـ العودة إلى أجواء الستينات من القرن المنصرم، ويتسببون بعملهم هذا، في إحداث شرخ جديد في جدار الوحدة الوطنية المنشودة.
وقد سبق ل( أليكس هاليي ) أن عبر في روايته (الجذور/ كونتا كنتي) عن حالة كهذه،فيشير كيف تقدم السيد (كاتس) المنتمي إلى السلالة البيضاء من الزنجي (توم ) الذي كان يمارس الحدادة،وناداه بعجرفته المعهودة: ((هاي، أيها الزنجي، جئني بقليل من الماء )). يتطلع (توم) ناحية سطل الماء القريب، ثم يمعن النظر في وجه (كاتس ) قبل أن يخطو ناحية السطل،يملأ القصعة ويناولها ل (كاتس ) منوها: ((لقد تبدلت الأمور الآن، يا سيد كاتس.السبب الوحيد الذي جعلني أحمل إليك الماء هو أنني أحمله إلى أي رجل ظامئ... أريدك أن تعرف هذا فحسب ))
لكن ( كاتس ) يناوله القصعة ويأمره قائلا: ((جئني بواحدة أخرى، يا زنجي ))، فما كان من (توم) إلى أن ألقى بالقصعة في السطل و أدار ظهره للسيد ( كاتس ) علامة على عدم تفهم الأخير حجم التغيرات التي جرت.
أجل،فالعالم من حولنا قد تغير كثيرا مقارنة بأيام الوحدة السوريةـــ المصرية، حين أقدمت السلطات يومها على إصدار قرار مماثل، لم يستجب له سوى حزب البعث الذي ما لبث أن أنتقد نفسه فيما بعد على ما أقدم عليه
من هنا يمكن القول بأن قرار القيادة القطرية بعجرفتها الشبيهة بعجرفة السيد (كاتس)قد عجزت عن مقاربة الواقع و ستعجز عبر قرارات عقيمة كهذه مواكبة العصر و صيانة الوحدة الوطنية، مثلما عجز القائمون على التقاليد الصينية عن بلوغ مآربهم، فتغييب الآخر عن الساحة السياسية طوال عقود ولد ـ على ما يبدو ـ في ذهن (الكاتسيين )الجدد وهم القدرة على إلغاء الواقع التاريخي لشعبنا الكردي وتعبيراته السياسية ثم أن مثل هذه الترهات،فضلا عن أنها في الحصيلة النهائية تعد تعبيرا عن مأزق إيديولوجي، فهي تتعارض أولا و آخرا مع ما أدلى به لقناة الجزيرة الرئيس بشار الأسد مؤخرا حين قال بالحرف: ((القومية الكردية جزء أساسي من النسيج السوري ومن التاريخ السوري ))
فمثل هذا القول الفصل ينسف مصداقية السياسة التي تمارس في حق الكرد حتى اليوم،و قد آن أوان تقويمها، وقد أصاب (ديستويفسكي )كبد الحقيقة حين قال: ((لا يجوز الاستمرار في العيش بهذا الشكل )).




التعليقات