ذهبت لماليزيا للمشاركة في مؤتمر عالمي عن الإسلام والمسلمين في القرن الواحد والعشرين نظمته الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا وقد شاركت في المؤتمر وفود من دول عديدة من جميع أنحاء العالم كما مثل فيها ممثلين عن دبلوماسيين عن أمريكا وكندا بريطانيا كما حضر سفيري استراليا وفرنسا جلسات مناقشة وخصوصا للإجابة عن سؤال لماذا يكرهوننا؟ وكانت المناقاشات عميقة وصريحة تحدث فيها كل طرف بوضوح عما في نفسه وهي خطوة مهمة في قضية حوار الحضارات والصراع بين الغرب والإسلام وسوء الفهم المتراكم من قبل كل طرف تجاه الآخر.
والحقيقة أنني كنت أتوق لزيارة ماليزيا منذ وقت طويل للوقوف على تجربتها في التنمية تحت قيادة رئيس وزرائها السابق مهاتير محمد الرجل الذي تسلم بلدا فقيرا ممزقا بين عرقيات ومذاهب وأديان مختلفة لكنه استطاع في حدود عشر سنوات أن يضعها في مصاف النمور الأسيوية الناهضة كسنغافورة وتايلاند والصين والهند وأندونسيا وحينما انهارت البورصات العالمية في عام 1997 بفعل المضاربات الأمريكية التي قام بها رجل الأعمال الأمريكي والمضارب الشهير جورج سورس لضرب الاقتصاد في تلك المنطقة المهمة من العالم والتي تعد تحديا حقيقيا لأمريكا وأوربا رفض مهاتير محمد أن ينصاع لنصائح البنك الدولي كما رفض الاقتراض منه حتى لا يقع تحت رحمة الضغوط والوصفات الأمريكية التي تئن من جرائها كل دولة اعتادت على القروض من البنك الدولي ووجدت نفسها مدينة بعشرات المليارات من الدولارات مما جعلها تدور في فلك القرار الاقتصادي والسياسي الأمريكي رغبة أو رهبة ونجح في تخطي كبوة الأزمة الاقتصادية ونهض الاقتصاد الماليزي بقوة من جديد وهو ما تشهد به النهضة الواضحة في جميع أنحاء البلاد التي يدركها كل زائر من أول وهلة بالعين المجردة.
وماليزيا دولة تتكون من مجموعة أعراق لدرجة أنك لو جمعت عشرة أشخاص ماليزيين في حجرة واحدة كان من الصعب تصديق أنهم ينتمون لبلد واحد ويتحدثون لغة واحدة ويجمعهم هدف واحد فماليزيا تتكون من ثلاثة أعراق أهمها وأكبرها هي المالاوية وهم أهل البلاد الأصليين وهم منتشرون في تايلاند وأندونسيا وجزيرة بروناي وغيرها من المناطق المجاورة كما توجد جالية صينية كبيرة وجالية هندية لكنهم اجتمعوا تحت قيادة رجل مثل مهاتير محمد للخروج من كونها دولة فقيرة تقوم على جمع المطاط وتصديره لواحدة من الدول الصناعية الناهضة ويقوم اقتصاد ماليزيا أساسا على السياحة والتصدير فجوها استوائي معتدل طوال العام فدرجة الحرارة تتراوح في حدود 33درجة مئوية وجوها ممطر خصوصا في فصل الصيف مما يكسبها خضرة وحيوية وتجدد وهو ما تلاحظه لمجرد وصولك ودخولك المجال الجوي قبل هبوط الطائرة أرض المطار.
وتجربة ماليزيا تستحق التقدير والإعجاب لأنها نموذج للإرادة والتحدي يجب أن تعمم وتدرس في العالم الإسلامي الذي يعاني إفلاسا وتراجعا تنمويا ملحوظا في معظم بلدانه كما تعاني كثير من دوله من عجز شديد في الميزانية ومديونيات تثقل كاهلها لعشرات السنين القادمة مما يهدد الأمل في تنمية حقيقية تساعد على الخروج من حالة العجز والهوان الذي يسيطر عليها وجعلها أشبه بالأيتام على موائد اللئام يترصدها القاصي والداني ويعتبرها حقل تجارب يمارس فيها تجاربه في السلاح والعلاج وغيرها وكأننا مجموعة من فئران التجارب وهو ما يدعو للأسى والأسف.
وتسعى ماليزيا لأن تقوم بحالة من الاكتفاء الذاتي في مجال الصناعات فعلى سبيل المثال كانت السيارة الماليزية صناعة ماليزية خالصة ماعدا الموتور ولكنهم نجحوا أخيرا في صناعة موتور محلي مما يجعلهم قادرين على صناعة سيارة كاملة ودخول باب التصدير في هذا المجال الهام بعد سد الحاجة في السوق المحلية.
والغريب في الأمر حينما يتحدث الغربيين عن أزمة العالم العربي والإسلامي المعاصر يتجاهلون تجربة ماليزيا كدولة إسلامية ناجحة استطاعت أن تخرج من عنق الزجاجة وتفلت من رقابة وسيف الغرب المسلط على رقاب معظم بلادنا العربية والإسلامية وخصوصا السيف الأمريكي الذي يريد تحويلنا لمجموعة من الدول التابعة تدور في فلكه وتنفذ أوامره دون مناقشة ومن يخرج عن ذلك فالويل والثبور وعظائم الأمور وربما لقي مصير صدام وما حدث له ليس عنا ببعيد.
فعلى سبيل المثال فبرنارد لويس الذي يعد المنظر الفكري الأول في الغرب والذي يعتبر موجها للساسة وصناع القرار في الولايات المتحدة الأمريكية فقد دعي لويس للعاصمة الأمريكية واشنطن بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م في فترة وجيزة 6 مرات لاستطلاع رأيه ومعرفة رؤيته للتعامل مع العالم العربي والإسلامي في مرحلة جديدة من الصراع كانت أحداث سبتمبر فرصة ذهبية لتنفيذها وإخراجها من مجال التخطيط والتنظير لمجال العمل والممارسة وهي مرحلة جديدة من الصراع بين الغرب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وأتباعه كبريطانيا وإيطاليا وبولندا وغيرهم يمكن ان طلق عليها الموجة الثالثة من الصراع بين الشرق ممثلا في العالم الإسلامي وبين الغرب وكانت الموجة الأولى ممثلة في الحروب الصليبية التي فرضت علينا فرضا واكتوينا بنيرانها على مدى قرابة ثلاثة قرون وبعد ان اضطرت قوات الغرب المسيحي للانسحاب مقهورة مهزومة في حطين عادت من جديد في موجة ثانية وهي مرحلة الاستعمار الغربي الحديث في منذ القرن السادس عشر والذي بدأ بتأسيس الشركة الشرقية في الهند وبعدها بفترة وجيزة تم اختراق قلب العالم الإسلامي باحتلال مصر بحملة نابليون بونابرت الشهيرة على مصر والذي يعتبرها بعض كتابنا بكل أسف بداية النهضة والتجديد في العالم العربي الحديث والمعاصر وأخيرا كانت الموجة الثالة الممثلة بالعولمة التي تريد ان تخنقنا خنقا وتفرض علينا قوانين السوق وقيم المجتمع الغربي الليبرالي رغبة ورهبة وتحاول أمريكا تحويل العولمة لنوع من الأمركة تصب فيه العالم في قالب ليبرالي غربي مطيع تكون لها فيه وحدها الكلمة الوحيدة وفصل الخطاب.
إن تجربة ماليزيا توضح قدرة العالم الإسلامي على النهوض الذاتي وتحديث نظامه الاقتصادي والسياسي وقيام نهضة واعدة يتنفس فيها حرية أن يكون بعيدا عن التبعية السياسية والاقتصادية الغربية وما تستتبعه من اضطرابه في الديون وفشل تجربته التنموية كما هو الحال في كثير من بلاد العالم العربي والإسلامي من أقصاه إلى أقصاه التي تئن تحت وطئة الديون الخارجية وفشل تجربته للتنمية مما يعوق حدوث إصلاح وتغيير حقيقي تحتاجه شعوبنا المتعطشة للحظة الخلاص إننا فعلا بحاجة لرجال في شجاعة مهاتير محمد قادر على مواجهة التحديات والاعتماد على الذات للخروج من العثرات الكثيرة التي تواجهنا وتجعل من الإصلاح حلما بعيد المنال لأنه لا أمل في إصلاح بدون تنمية حقيقة واستقلال اقتصادي يتعبه استقلال للقرار السياسي لأن من لا يملك قوته لا يملك قراره.
وقد تحدث برنارد لويس في كتابيه الأخيرين عن ( أين الخطأ) و( أزمة الإسلام) عن أن أزمة العالم الإسلامي تقوم في فشله في إحداث تنمية حقيقة لنه يؤمن بدين يعادي الحاثة وأنه لا أمل للمسلمين في نهضة حقيقة مثل نهضة الغرب ولهذا تحول هذا الفشل المتردي لدى المسلمين في جميع المجالات لنوع من الحقد المكبوت على الغرب وأمريكا لنجاهم على حين فشل المسلمون ويضيف لويس ان المل الوحيد لنهضة حقيقية في العالم الإسلامي تقوم على ضرورة اتباع النظم الغربية والقيم الغربية وخصوصا قيم الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وهي قيم تتناقض مع طبيعة الإسلام حسب زعمه ويرى ان على المسلمين اتباع النموذج التركي في علمنة الدولة والخذ بالقيم والأفكار الغربية في الثقافة والاقتصاد والسياسة والنظم الاجتماعية وإلا لن يجنو سوى مزيد من التخلف والرجعية وهي مغالطة واضحة لا تخلو من خبث ومكر فتركيا التي أخذت النموذج العلماني الغربي منذ اكثر من خمسة وسبعين عاما لم تحقق نهضة اقتصادية ولا سياسية بل على العكس عادت من جديد قيم الإسلام تكتسح الشارع التركي بعد أن خاصموها طويلا ووجدوا انهم لم يجنوا سوى الفشل في بعدهم عن الإسلام وقيمه ونظامه بينما ماليزيا التي تفتخر بقيمها الإسلامية استطاعت تحقيق نموذج مشرف يقتدى به في مجال التنمية الشاملة والنهوض في مجال الاقتصاد والسياسة والتعليم وغيرها إن تجربة ماليزيا تستحق ان تدرس بعناية وان نقف أمامها طويلا في عالمنا العربي والإسلامي حتى نتأسى بها ونستطيع تحقيق إصلاح حقيقي يلبي أشواق الشعوب المكبوتة للخروج من حالة الركود والثبات التي تكتنف بلادنا.
كاتب مصري/ جامعة الإمارات
[email protected]




التعليقات