يقال انه اذا اردت التعرف على مجتمع ما، فيمكنك ذلك عن طريق التعرف على مثقفيه ومفكريه. لأنهم يعتبرون الشريحة المثلى للنهوض بالمجتمع وايصاله الى بر الامان عن طريق ما يحملونه من أراء وأفكار نيّرة ومختلفة بعض الشيء من فرد الى آخر.
ولكن بالنظر الى واقع مجتمعنا العراقي فقلة قليلة هي الشريحة المثقفة والواعية التي عملت الى تنوير المجتمع واخراجه من براثن التسلط البعثي الديكتاتوري. لأن (معظم) المثقفين الذين كانوا داخل الوطن راحوا يطبلون ويزمرون للقائد الضرورة وتمجيده وحتى وصل بهم الامر الى تأليهه وجعله في مصاف الرب الذي يجب على المجتمع بكل اصنافه ان يعبده ويسجد له، ويبكي لبكاء القائد ويضحك لضحكته وهكذا تحول المجتمع العراقي من مجتمع منتج الى مجتمع مستهلك لا قيمة له وليس له محل من الإعراب.
وكانت هناك الشريحة الاخرى التي هربت من طاغوت الديكتاتور وفرّت بجلدها الى المنفى أو خارج الوطن على ان الوطن والمجتمع كان مستبداً لا يسمح لهم بكتابة كل افكارهم وآراءهم، فمنهم من ذهب الى دول الجوار وراح يكتب ضد الدكتاتورية البعثية والتسلط الصدامي ولكنه بنفس الوقت اصبح بوقاً لتمجيد الانظمة التي احتضنته وفسحت له المجال لكتابة ما يريد ضد صدام ولكن بتوجيه من استخبارت تلك الدول، والبعض الاخر الذي وصل الى دول الرفاه والحريو والديمقراطية كما يدعون غرقوا في مستنقع (الأنا) ونسوا مجتمعهم وذاتهم وراحوا يبحثون عن اشباع غرائزهم المكبوتة.
ومع تحرر العراق من جبروت الطاغية الصدامية وجلاوزته العفلقيين، راح المجتمع يتنفس الصعداء بعض الشيء علّه يتذوق طعم الحرية التي طالما تغنّى بها وحلم بها في سراديب السجون وتحت سياط التعذيب وقهر التشريد. وبين هذا وذاك ظهرت الاحزاب من جهة أخرى وأخذوا يسمون ذلك بالتعددية الحزبية وأن ذلك يعتبر الخطوة الاولى في طريق الديمقراطية والتعبير عن الرأي. هنا ينبغي علينا التوقف للحظة ودراسة ما ظهر من كثرة أحزاب وهل ذلك حالة ايجابية نحن بحاجة اليها ام ان ذلك لا يتعدى سيناريو جديد من سيناريوهات التخبط في المجهول واللهث وراء الشعارات التي يتم من خلالها خداع الشعب ثانية لوصول تلك الاحزب الى كرسي السلطة والتفرد بالكعكة العراقية التي لم يبقَ منها شيء سوى الفتات بالأصل.
وكما هو معروف أن الحزب هو وسيلة لتفعيل المجتمع المتردي وايصاله الى حالة من الانتاج وان تفاوتت النسب من وقت لآخر، أو اخراج المجتمع من حالة متردية من كافة النواحي ومن تحت ظلم مستعمر ما والوصول به الى ركب الحضارة والانسانية، هذا من الناحية النظرية وعليه يكون التطبيق العملي ايضاً. ولكن ما يلاحظ في الواقع العملي هو العكس بعض الشيء، وأن المسرح العراقي هو أكبر دليل على ذلك. إذ بالرغم من كثرة الاحزاب المتواجدة في الساحة نرى القليل منها يعمل من أجل ايصال المجتمع الى حالة من الوعي الاجتماعي والثقافي والسياسي، والاغلبية منها تعمل من أجل مصلحتها السلطوية وكرسي العرش الذي هو هدفها الاول والاخير. وبذلك تتحول مراكز تلك الاحزاب من مراكز للتوعية والعمل الفكري الى اسطبلات للغوغائيين والسفسطائيين والمنافقين الذين يدفعون الشعب نحو الحروب تحت مسميات وشعارات براقة ويبقى الهدف حبيس واسير قاعة المؤتمرات والمحاضرات التي باتت تشبه الى حد بعيد المقابر التي لا حركة فيها.
والمشكلة الكبرى هي في كثرة الاحزاب ومسمياتها التي لم يعد على المواطن العراقي المغلوب على امره ان يحفظها او ان يتعرف عليها وعلى برنامجا ونظام عملها الداخلي والخارجي. فياحبذا لو كان هناك عدة احزاب قليلة تعمل وفق مضمون حقيقي وواقعي ويكون هدفها الاول والاخير هو الشعب وليس شيء آخر. حينها كنا سنصفق لها من كل قلبنا ونعمل لها من عظامنا سلم للوصول الى اعلى درجات الرقي والازدهار. ولكن الذي نشاهده في الساحة الان لا يمكن تسميته بصراع حزبي، إنما هو صراع وحشي لا يمت الى الانسانية بأية صلة وحتى ان التاريخ منها براءة.
واخيرا نقول ألا يكفي ما ذاقه الشعب العراقي من ويلات وظلم وتشرد وقبور جماعية من يد الطاغية صدام، حتى يصطدم ثانية باحزاب لا تختلف عنه باي شيء سوى بالاسم والشعارات الحزبية. فخلصنا من تسلط الحزب الواحد ودخلنا تحت تسلط وديكتاتورية تعددية الاحزاب.
صحفي عراقي




التعليقات