مثل أي رواية أدبية، ليس مهما شخوص المحكمة التي تنعقد الآن في العراق، من يجلس في موقع القاضي ومن يقيد الى كرسي الاتهام. وانما الأفكار التي تعبر عنها هذه "المحكمة = الرواية " التي تكتب فصولها الآن. فقد شهد العراق مثل هذه المحاكم على امتداد تاريخه. وهذا ليس غريبا على العراق فهو أول من اخترع المحاكم وصاغ القوانين ونظم العقوبات وسن الشرائع،وحمورابي كان دائما حاضرا في التراث العراقي القديم والحديث. جلس على كرسي الاتهام الذي يجلس عليه الآن صدام مئات من رموز الحضارة العربية الإسلامية : فقهاء وعلماء وكتاب وفلاسفة وزنادقة وقادة وثوار وأبرياء مظلومين وطغاة متجبرين.
لكن المهم لنا نحن منْ يحاكم منْ على صعيد الفكر والسياسة؟. ما يهمنا من محكمة صدام هي القوى والأفكار التي تتصارع في أروقة المحكمة. المحكمة لم تكن يوما للأشخاص فقط. انما هي للنظم والأفكار التي يمثلها أولئك الأشخاص. احدهم يقوم بدور القاضي والآخر يمثل دور المذنب. ولنترك جانبا الجدل حول شرعية وعدم شرعية المحاكمة والمحكمة. وهل سارت الامور في العراق على منحنى الشرعية في العهود السابقة وهل حُبس الخلفاء وقُيدوا بالسلاسل وسُملت عيونهم بالشرعية الدينية التي كانت تحكم آنذاك؟! إذن، لننظر الى جانب آخر من القضية، جانب الحق والباطل.
في العراق كما في الأجزاء الأخرى من الوطن العربي لا ننظر لشرعية المحكمة الشكلية وانما نفهم المحكمة بأنها فصل من فصول الصراع الأزلي بين الحق والباطل وكما ان للباطل فرصه، كذلك للحق جولات وصولات. فهل محاكمة صدام ورموز نظامة جولة للحق على الباطل أو هجمة الباطل على الحق؟ الأيام ستكشف حقيقة المحكمة. لكن الملاحظات الأولية تنبيء عن ان المحكمة لا تملك عنفوان الحق وصلابته وظهوره واستعلائه، فالقاضي ظهر مرتبكا يخفي وجهه، ربما خوفا وهلعا. والمتهم بدا صلبا عنيدا. وجد فرصته ليدافع عن قناعته التي قيدته بالسلاسل. والأصل ان يكون العكس هو السائد. فهل القاضي خجلا من محاكمة الحق لصالح الباطل؟ أم تراه يمثل دورا لا يتقنه؟ وهل هو مقتنع انه يحاكم مجرما؟ أم تطارده أشباح الانتقام والمستقبل المظلم عندما تدور الأيام في العراق وهي لا محالة دوارة دوما؟
الرأي العام العربي يميل الى اعتبار هذه المحاكمة محاكمة أمريكية للرفض العربي. وأمريكيا عمليا هي من تمول المحاكمة ماليا وفنيا وإداريا. وترتب فصولها زمنيا. لكنها تريد ان تنأى بنفسها عن ذلك من خلال ممثلين عراقيين. ولماذا تم مونتاج لوقائع التحقيق مع صدام بإشراف الجيش الأمريكي؟ وحجج صدام كانت منطقية الى حد كبير فكيف يتم محاسبة رئيس دولة على قرارات اتخذها في إطار واجبات الرئاسة التي تقدر الظروف بقدرها من دون الرجوع الى الملفات السياسية في ذلك الوقت واستحقاقاتها؟ ولا يمكننا الإقرار بعدالة المحكمة ما لم تكن محكمة وطنية تنطلق من مصالح الشعب العراقي وتحاسب المسؤولين على أساس المصلحة الوطنية التي تحتاج الى تقدير وتقيم الظرف السياسي الذي اتخذت فيه تلك القرارات وليس ممثلة للاحتلال وسياساته. ومن يدري ربما سنوات قليلة فقط، وينتقل قاضي اليوم " سالم الجلبي " الى متهم الغد؟؟ فليحتفظ بسلاسل صدام فقد يحتاجها يوما ما. وهذا أمر شبه مؤكد ؛ "وعباس فاضل المهداوي " نجم محكمة "المهدواي الشهيرة " في عهد "الزعيم عبدالكريم قاسم " كان احد أربعة اعدموا مع زعيمهم من خلال محاكمة صورية بعد انقلاب "عبد السلام عارف " عام 63. "وطه ياسين رمضان الجزراوي " الجالس الآن في قفص الاتهام كان قاضي محكمة " الثورة الخاصة " طيلة عهد حكم حزب البعث!
كنت قد كتبت هذا المقال وقت عرض صدام على المحكمة. وتوقعت لآل الجلبي سنوات. لكن يبدو أني كنت متفائلا. هاهي بضعة أيام ويتحول القاضي الى متهم. والله وحده يعلم نهاية مسلسل المحاكمات العراقي الى أين ينتهي؟.