لابد من كشف الحقائق
معادلة صعبة الفهم، لكنها معروفة النتائج. وجدلية الحقيقة والباطل، في غياب تام لكل الحقائق، لتعدد الأوصياء على بلد وشعب، يرفض الجميع ويصر على أن يحكم نفسه بنفسه. شعب يعيش المآسي بكل ما فيها من معنى، وهو يحمل الحق شامخاً رغم ضخامة جراحه، ومع هذا لا يجد من ينصفه أو يقف الى جانبه، وإن وجد، سرعان ما يجد الواقف الى جانبه، ليس حباً به، بل لسرقة جهاده ونضاله وتجييرهما لمصالحه الخاصة. بطريقة أشبه ما تكون بعملية غسيل الأموال.
وايران ذلك البلد الجار للعراق، والمرتبط معه بروابط تأريخية، لاتميز بينهما إلا اللغة التي تداخلت مع بعضها. طُرد منه الشاه واستلم السلطة فيه علماء دين، يشك بشعبية ثورته التي ملأت الآفاق، وأخافت بها أمريكا العالم، وأرعبت المنطقة من تصدير ثورتها. وجيشت الجيوش ضدها، بقيادة رجل أحمق حسب على العرب زوراً، فهب له كل العرب المزورون، حتى وصل الحال بهذه الأمة المزيفة برؤسائها وأمرائها وملوكها، أن يقرروا وقف القضية الفلسطينية، في قمة من قمامتهم النتنة، ليتفرغوا للوقوف بوجه العدو الفارسي لحماية البوابة الشرقية( حسب أحمد جبريل أمين عام الجبهة الشعبية القيادة العامة، في برنامج شاهد على العصر).
ايران احتضنت وقتها التيار الأسلامي العراقي الأصيل، ليس حباً به ولكن سعياً لتجميع حلفاء شيعة يقفون معها ضد جلادهم. ففتحت دكاكين للمعارضة من أشباه المتدينين، وتفننت بتفتيت وحدة التيار الأسلامي العراقي الرصين، الذي اضطر للجلوء اليها باعتبار أن ايران المكان الآمن له، تحميه مرجعيات وقيادات دينية عاشت ودرست وتخرجت، من حوزات النجف الأشرف العلمية. وهذا الحديث طويل يحتاج الى مجلدات للأحاطة به. لكن الغريب أن ايران وبعد توقف الحرب بينها وبين العراق، وانتهاء عملية غزو الكويت ثم تحريرها، أخذت جانب الحياد بين المعارضة الأسلامية والنظام، الذي قاتلها ثمان سنين، بل وكانت السبب الرئيسي بحماية النظام الأيراني من السقوط، خاصة في العمليات الأخيرة. التي سميت بعمليات المرصاد. حتى وصل الحال الى تبادل زيارات بينها وبين النظام العراقي، بل وتبادل مصالح. وتركت الحركة التي وقفت معها بكامل ثقلها، هشيماً تذره المزاجات السياسية للدول المجاورة والعربية.
واليوم جاء العدو التقليدي للعراق فغزاه، بعد أن سعى عبر أكثر من عقد من الزمن لترتيب وضع هذا الغزو. نرى ايران تدخل الى العراق متجاوزة قواه السياسية الأسلامية، جاعلة من نفسها وصياً على شعبه، الذي أنهكته بالأمس وهو يقاتل معها.
سقنا هذه المقدمة لوضع القارئ على الحقيقة، ولنجعل منها أدلة دامغة على تدخلها الفج اليوم في النجف الأشرف.وللقدرة التي تملكها ايران وقيادتها السياسية المتمثلة برفسنجاني الرجل الأول والأقوى فيها، والذي له مواقف مزعجة للعراقيين في ايران ولايزال. أدارت بوصلة التحالف نحو التيار الذي اكتسح الساحة والشارع العراقي، التيار الصدري، الذي بالأمس القريب حرك نفس النظام وبقيادة رفسنجاني أيضاً، جيشاً من المرتزقة لتشويه جهاد مؤسسه وقائده السيد الشهيد محمد صادق الصدر ضد صدام. بدءً بالتشكيك باجتهاده وتأريخه، انتهاءً باتهامه عميلاً للنظام. لكن لسرعة التحول والقابيلة التي يمتلكها هذا النظام، انقلب في اليوم الثاني لأستشهاد السيد الصدر الثاني لتأبينه وإقامة مجالس العزاء، وتنكيساً للأعلام. ويبدو أن النظام بدأ يخطط لأحتواء هذا التيار، الذي بقي دون قيادة بعد أن صفّا النظام كل قياداته، بعد اغتيال الشهيد الصدر الثاني، وهجرة الكثير من أنصاره الى ايران.ايران بلد الأمن والأفخاخ.
اليوم وبعد الجهود المضنية التي بذلتها الحكومة الأيرانية بدعوة مقتدى الصدر الى ايران بمناسبة الذكرى السنوية للأمام الخميني رحمه الله، همشت دور المجلس الأعلى في العراق، خاصة بعد أن تلمست التغيير المفاجئ لطرح السيد السهيد محمد باقر الحكيم رحمهالله، ويبدو هو الآخر كان يمارس عليه الضغط بعزل مقتدى للأستفراد به ايرانياً، وفعلاً ألتفت على السيد مقتدى بعد أن عزلته من محيطه العراقي الشيعي، ودعمته بالمال والسلاح، والرجال المخططين بخبث لجره الى معركة مدمرة، الخاسر الوحيد فيها شيعة العراق. فكانت تعمل بالتزامن مع حركة الحكومة العراقية، ومجلس الحكم قبلها. وبنفس الوتيرة، وهي تسابق الزمن، حتى تمت لها سيطرتها على التيار الصدري. بعد أن كان معارضاً لأيران بعيد سقوط النظام الى حليف ستراتيجي لها.
وعندما أحست بتحرك الحكومة الموقته، وسعيها لاستباب الأمن سارعت الى اختطاف الصحن الحيدري الشريف بواسطة السيد مقتدى، وبادارة رجال من حرس الثورة. فهم خطفوه، ليخطفوا به الصحن الشريف، ولم يتورعوا من هدمه في سبيل تحقيق أهداف ايران الكبرى. وما دعوة آية الله مشكيني الى العراقيين بقاتلوا الأمريكان لأخراجهم وإن بقي منكم عشرة ملايين. فهم يتعذرون بحديث نبوي شريف يرفعوه عند الحاجة، تماماً كما يفعل ابن لادن، وهذا الحديث يقول ( اذا تحصن الكافر بالمسلم، فاقتلوا المسلم والكافر) للأسف أقول هم لايتورعون في تسويغ عمل لمصالحهم القومية وإن كان ليس في محله، والعمل في هذا الحديث دقيق ودقيق جداُ ولا ينطبق على حالة العراق بأي حال من الأحوال. فهو أشبه بمقولة آخر الدواء الكي، والعراق لم يصل بعد الى هذه الحالة.
ومما يؤكد ذلك، الشروط العشر التي تقدم بها مقتدى للحكومة، وأغلبها يتطابق مع أهداف ايران الآنية. وهي مما لايفهم معناها السيد المسكين مقتدى، فكيف صياغتها. وأهمها الطلب لترك المدينة القديمة بادارة المرجعية. حيث جاء هذا الطلب متناغماً مع سعي ايراني نشرته صحيفة اماراتية قبل اسبوع لتدويل النجف، بغية السيطرة على حوزتها. مما يضعف الموقف الشعيي العربي العراقي لجعلهم غرباء بين العرب. وهم كانوا مجوس في زمن صدام وهنود. وذكرت الصحيفة نفسها بأن هذا العمل ارتاحت له أمريكا، فهو لها الطريق الأكثر فاعلية على اضعاف الشيعة في العملية السياسية في الوقت الحاضر، وهو كذلك، يخلق التوازن بين السنة والشيعة في توزيع الأدوار في ادارة الدولة العراقية حتى بممارسة الأنتخابات، مما يتيح للأمريكان سهولة السيطرة على الوضع العراقي الحالي، وعلى العراق في المستقبل واخراجه تماماً من المجتمع العربي وتحويله الى شعب من شعوب أسيا الوسطى.والشرط الثاني موافقة السيد مقتدى بدخول قوات عسكرية أممية مقابل انسحاب قوات الأحتلال.
إجمالاً، كانت الشروط العشرة التي قدمها مقتدى للحكومة، ليس فيها ما يتناغم مع الأهداف الوطنية العراقية، بقدر ما هي مطالب ايرانية ودول الجوار، والتي تتناغم مع الأهداف الأمريكية بل تغازلها. كذلك لو لاحظنا الدعوة التي دعت فيها ايران العراقين بان يهبو للدفاع عن المقدسات، وكأن المقدسات دخلها الأمريكان ليدنسوها، وليس هم الذين أدخلو مقتدى ليجروا الأمريكان وقوات الحكومة العراقية على ضربه داخل الصحن، لأنهم يعرفون الضرر الذي سيحدث بالصحن الشريف وآثاره على الهاب مشاعر شيعة العراق والعالم، مما يربك العملية السياسية، ودور أمريكا في العراق، واضعاف موقف الرئيس الأمريكي في الأنتخابات التي هي على الأبواب.
والمتتبع للموقف العام في النجف، يرى أن السيد المخطوف حشروه في حضرة جده عليه السلام، وهو مقطوع عن العالم، فلا اعلام غير المراسلين المخطوفين معه، ولايسمح بمقابلة أي مسؤول عراقي للحوار معه أيضاً. فهو يستلم الأخبار من خاطفيه. وهذا ما أكده الدكتور الربيعي عندما قال بقينا ثلاثة أيام ولم نستطع من مقابلة السيد مقتدى، وحصل هذا مرات مع وسطاء آخرين من قبل، حيث قال الأستاذ الأديب الناطق الرسمي لحزب الدعوة الأسلامية قبل أكثر من شهر. أننا انتظرنا ستة ساعات، ولم نحصل على مقابلة للسيد مقتدى. لذلك أنا أبرئ السيد المسكين من كل هذه الأفعال.
وهنا لاغرابة من وجود تناقض فاضح بين تصريحات مقتدى الصدر، وتصريحات عدد من خاطفيه العراقيين كالخزعلي الشاب الخبيث، والشيباني الأخبث. فالسيد المسكين لايعرف مطالب الحكومة، لكنه يردد مطالب الخاطفين الذين سيحولون العراق الى جحيم، إن لم تلتفت الحكومة الى هذه التناقضات، التي تجري على ساحة النجف الأشرف، المخطوف فيه صحن الأمام علي عليه السلام، وحفيد ه المسكين مقتدى، البقية الباقية لوالدته المسكينة التي تبكيه دماً دمعاً سجاما. وزوجته بنت السيد الشهيد محمد باقر الصدر رحمه الله، وكأنه مكتوب على عائلة الصدرالموت غيلة، لكن الفرق أن مقتدى ستغتاله أيادي شيعية معممة، الله يساعد والدته المسكينة، إذا علمنا إن أخيه الأكبر مريض فالمصيبة ستكون أكبر.
لذلك يتحتم على الحكومة العراقية أن تتعامل مع قضية النجف بحكمة عالية جداً، لتفويت هذه الفرصة على ايران. وتترك النجف الآن وتتوجه للعملية السياسية، وضرب منابع الأرهاب الحقيقية، التي تصدر السيارات المفخخة، والتي تكثر فيها عصابات الخطف، وبؤر تواجد الأغراب. لتنطلق عملية البناء والأعمار والبدأ باستيعاب الشباب العاطل عن العمل، والذي يمثل ثلاثة أرباع جيش المهدي، لسحب البساط من تحت أرجل المتعاونين مع خط السيد مقتدى وكشف الاعيب رفسنجاني الذي يكره العرب وإن كانوا شيعة.
وعلى الأحزاب والحركات الأسلامية الشيعية، أن تتحرك بسرعة، وتدخل بقوة لحل المشكلة، التي ستأتي علينا بالخطر الداهم. ووقف ايران من تدخلاتها الفجة على حساب شعبنا المسكين الى حد التهديد. فالوضع خطير وايران لاتتوانا من قتل الشعب العراقي لحماية بلدها، فلماذا نسكت نحن ونفرط ببلدنا المسالم الأمين. وسيعلم الذين ظلموا شعبنا أي منقلب ينقلبون. وإنا لله وإنا اليه راجعون.




التعليقات