يعترف ريتشارد بيرل احد منظري الصقور في الادارة الاميركية " ان اميركا توصلت الى الاستنتاج بان دعمها للانظمة الديكتاتورية لعقود طويلة بهدف الحفاظ على مصالحها ادى الى انفجار القنبلة في وجهها ".
لذا تتجه الآن الى الاهتمام بمتطلبات الناس من حريات سياسية وثقافية وتربوية.

ويبرز الصوت الاميركي بعد 11 ايلول مرتفعا مطالبا ومهددا حينا بالاصلاحات والتغيير الديموقراطي في الشرق الاوسط. وخص مصر باهتمام لافت حيث التأثير الكبير لمصر في المنطقة وطبقا للمقولة السائدة ان كل ما يحصل في مصر تتردد اصداؤه في دول المنطقة.

وفي الآونة الاخيرة كثر الحديث عن الشرق الاوسط الكبيرالذي ينبغي ان ينطلق من مصر وليس من العراق، بما ان مصر قادرة ان تكون نموذجا للاصلاح والتغيير في المنطقة العربية حسب وجهة نظر الاميركيين التي عبر عنها مارتن انديك،فكل الانظار متجهة اليها لمعرفة اي نظام حكم ستفرزها في هذه المرحلة.

فهل استقرار مصر السياسي عنوان المرحلة الآتية لمشروع الشرق الاوسط الكبير...؟!
وهل استبدلت البزات العسكرية بسلطة المال في المنطقة...؟!
وهل يرث جمال مبارك اباه في الحكم...؟!

اذا كان العسكر الذي اخذ مكان الانظمة شبه الليبرالية ذات السمة الطبقية والاجتماعية في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي وألغى الحياة الحزبية، وألغى صناديق الاقتراع،فالآن اصبح عبئا على نفسه وعلى المصالح الدولية في المنطقة.
وكانت قرارات الانفتاح السياسي والاقتصادي التي اتخذها الرئيس المصري الراحل انور السادات قد ولدت الانطباع بان مصر تتحول من السلطوية الثورية الناصرية الى التعددية (المقيّدة) لكن أفق التغيير او التطور امام هذا النمط التعددي المقيّد يبشر ان مصر لم تغادر مرحلة الحكم السلطوي، وان ما يجري هو تحول من نموذج تسلطي الى نموذج آخر.

وهذا المثلث السلطوي الحاكم الآن في مصر، والمؤلف من البيروقراطية المركزية للدولة، والمؤسسة العسكرية، والحزب الوطني الحاكم،والذي يستمد قوته من حماية القانون والجيش والشرطة يجذب اليه وكلاء العولمة الاقتصادية والمالية.

وخلال التسعينيات من القرن الماضي،استجد في الواقع العربي نوع جديد من العمليات الاستثمارية لتوجيه الخدمات من خلال " هيئات المساعدة الاميركية " والشركات الاجنبية نحو مكاتب استشارية محلية، وذلك بهدف تكوين طبقة او نخبة من المهنيين الجدد ورجال اعمال ممن يقبلون مسايرة برامج المؤسسات الدولية الهادفة الى نشر برامج الخصخصة ودمج الاقتصاد العربي في شبكة الاقتصاد العالمي.
وفي هذا الاطار تقوم الهيئات المعنية بمنح العقود الاستشارية والتوكيلات لاقارب المسؤولين واصحاب النفوذ السياسي لتسهيل عمل الشركات الاجنبية، دون النظر الى ما تقتضيه مصلحة مشروعات التنمية المحلية. ومع اقتران هذه الظواهر بضعف الرقابة والمساءلة في المجالس التشريعية والنيابية واجهزة الرقابة في دول المنطقة نكون قد دخلنا بما يسمى الفساد الاداري ويعيش هذا الفساد ويتغلغل ويتم توارثه مع تداول السلطة.

رجال اعمال، مستثمرون، رجال بنوك واقتصاد،وكيلو شركات اجنبية، صناعيون،وجوه مالية وتكنوقراط،خرجت بها تشكيلة ( حكومة جمال مبارك الجديدة ) كما يطلقون عليها في مصر برئاسة احمد نظيف. ولو حاولنا الجمع بين ارتفاع صوت الشارع المصري المطالب باصلاح الفساد الاداري وبين اسم رئيس الوزراء الجديد لا نستطيع الحصول على افضل من هذا الاسم... نظيف!

و امام هذه الحكومة ملفات شائكة كثيرة من بينها مواجهة أزمة البطالة وارتفاع سعر الصرف والتكفل بالفئات المحدودة الدخل و تحسين مستوى دخل الفرد و التحكم في التزايد السكاني و توفير التعليم و الخدمات الصحية و زيادة الاستثمار و رفع الصادرات و تحسين اداء الجهاز الاداري لمصالح الدولة فضلا على محاربة الفساد.

واذا كان اختيار نظيف لرئاسة الوزراء تم لمعالجة الاقتصاد المصري واخراجه من أزماته المزمنة،
فالوزارات السابقة برئاسة عبيد والجنزوري تم اختيارها للغرض نفسه، فهم غادروا وبقي الاقتصاد على ما كان عليه.

فهل حاجة مصر حكومة تكنوقراط ورجال اعمال؟ وهل المطلوب هذا الخواء السياسي من حزب الدولة ونقابات ومنظمات تابعة، ومجالس لحقوق الانسان تقام بواسطة الدولة ومن اجلها...؟!

الشارع المصري لم يعد يخفيه انه كباقي الدول العربية الإبن يأخذ مكان أبيه، بانه يجري اعداد جمال مبارك الذي عين امين لجنة السياسات في الحزب الوطني الحاكم ليخلف والده في حكم مصر
برغم النفي الدائم للرئيس المصري حسني مبارك انه لا يخطط لاعداد نجله للخلافة، لكن هذا الموضوع سيبقى قيد التداول الى ان يعين مبارك نائبا للرئيس.

وفي تقرير نشرته مجلة " نيوزويك الامريكية " على صفحتها الاولى تحت عنوان :"مفتاح الشرق الاوسط هو التغيير في القاهرة" بقلم كريستوفر ديكي، يصف جمال مبارك الذي يحمل صورة الغلاف بانه شاب وسيم، يكتسب سمعة طيبة، عاش في لندن اربع سنوات، وعمل في قطاع الاستثمارات المصرفية سابقا، وهو من التكنوقراط المتعاطفين مع قطاع الاعمال، ومهمته الحالية تتمثل في تحديث الحزب الحاكم، وقد ارسى تيارا شبابيا داخل الحزب ضد التيار التقليدي.
هذا التسويق الدولي لاسم جمال مبارك على انه رجل المرحلة القادمة لمصر يطرح اكثر من علامة استفهام، خصوصا انه يمثل والده الرئيس مؤخرا في كافة المنتديات والمؤتمرات ويرافقه في زياراته الدولية لا سيما زيارته الاخيرة الى واشنطن للقاء الرئيس الاميركي جورج بوش واعضاء ادارته.

ومنذ فترة استوقفني خبر مفاده ان شرطة الزقازيق تحتجز مهندسا مصريا بعدما وجهت اليه تهمة الازدراء بنظام الحكم. حيث كتب على احد جدران المدينة عبارة " لا لتوريث الحكم ".
وحاولت الاستقصاء لاحقا عن هذا الموضوع لمعرفة اي حكم سيلقى هذا المواطن المصري فلم اجد له اي اثر في الصحف المصرية والعربية.

ويبدو القلق واضحا في الاوساط المصرية من حصول اي اهتزاز دستوري في حال غياب الرئيس،لا سيما بعد الوعكة الصحية التي المت به وارغمته على اجراء عملية جراحية في المانيا،وفي ظل عدم تعيينه نائبا له رغم بقائه في السلطة منذ اكثر من 23 عاما، وعلى الرغم من انه كان نائبا لسلطة الرئيس الراحل انور السادات الذي كان بدوره نائبا للرئيس الاسبق جمال عبد الناصر.

فهل هناك بديل لسلطة التوارث والعسكر...؟

هناك قناعة لدى النخبة الحاكمة في مصر ان اي انتخابات حرة تجري في البلاد سيفوز فيها التيار الاسلامي والاخوان، واي تطبيق مفاجىء لاصلاحات ديمقراطية عاجلة تحدث هزات اجتماعية تكون في صالح قوى" التطرف والتزمت".
كما ان هناك استنتاج في الشارع المصري ان النخبة الحاكمة التي لا هدف لها سوى البقاء على كرسي السلطة لمدة طويلة لا ترى تهديدا مباشرا لبقائها سوى جماعة الاخوان المسلمين، لذلك تلجأ بشتى الوسائل الى اقصائها.
واشكالية الاخوان انهم يحاولون ان يكونوا اكبر من مجرد حزب سياسي ديني. لكن عدم الوضوح بين المرجعيات الاسلامية المتعددة على الساحة،وتعدد التوجهات السياسية يخلق صعوبة في اعتماد مرجعية واحدة موجهة للشارع المصري،وضاغطة باتجاه النظام السياسي لتحسين الشروط المعيشية ولحصد المزيد من الاصوات في الانتخابات النيابية السنة القادمة التي تليها انتخاب رئيس للجمهورية.

واذا فاز الحزب الوطني الحاكم في الانتخابات البرلمانية السنة القادمة، واعيد انتخاب الرئيس مبارك الذي" لم يؤكد بعد ترشيحه لفترة رئاسية تالية" يبقى لديه 7 سنوات من الوقت كي يفكر من سيخلفه في حكم مصر.

فبين العسكر والدين.. وسلطة المال، والنموذج الاميركي للاصلاح.
اي مستقبل يرسم لمصر وللمنطقة...؟!.


مونتريال