لغة غريبة، لم يحسن صدام حسين إستعمالها. لغة نطق بها رئيس الحكومة العراقية المؤقتة إياد علاوي. ففي مؤتمر صحفي عقده أبان أحداث النجف الأشرف الدامية التي نفذتها قوات الإحتلال بإسم الحكومة العراقية المؤقتة. وبمزاج الديمقراطية المعلن وجه أحد الصحفيين ومن الإذاعة العراقية سؤالا منطقيا وإستفساريا لرئيس الوزراء ( المؤقت ) فأجابه بنبرة قاسية ( أقلب السؤال وأنا أجيبك عليه) ثم وجه صحفيا آخر سؤالا لرئيس الوزراء المؤقت فكان يستمع إلى السؤال ولكن عينيه شاخصتان نحو الصحفي الأول وبطريقة توحي بالتهديد وكأنه يريد أن يتأكد من شخصه لمعاقبته.

من المؤسف جدا أن يتصرف رئيس وزراء مثل هذا التصرف غير المتحضر وغير الديمقراطي والذي يدعي أنه ترك العراق لمعارضته النظام الدكتاتوري، ولكن سلوك رئيس الوزراء وكذلك طاقم حكومته في كل المؤتمرات الصحفية توحي بأن الخلاف مع الدكتاتور صدام حسين لم يكن بسبب التفرد في القرار وقمع الناس إنما بسبب تهاونه مع الناس لأن قمعه لم يكن شديدا بما فيه الكفاية! لأن قمع الأخوة في الحكومة المؤقتة أقسى بكثير من مؤتمرات طارق عزير وطه الجزراوي، ويبدو لي أن الصورة تتطابق تماما مع المثل العراقي الذي يقول ( هذا الخبز من ذاك العجين ) ومع أن الطبع يغلب التطبع، ولكن لا بد من نصيحة لرموز الحكومة المؤقتة أن يتعلموا لغة السياسة وأن يحترموا الصحافة والقلم والفكر والثقافة وأن لا يعتمدوا العنجهية العربية (السيف أصدق أنباء من الكتب ) فهم الخاسرون، وصدام حسين أمامهم مثال صارخ، ذاك الذي تمرن مبدأ الرشوة ومارس مبدأ السيف وعاش في ظروف عربية ودولية سرت لصالحه حتى النهاية، في حين أن الظروف الراهنة وإنفلاش حاجز الخوف لا يسمحان بمرور اللعبة مرة ثانية.

اليوم الحكومة المؤقتة في العراق ورئيس وزرائها يريدون إثبات قدرتهم في إدارة شؤون البلاد بالقوة والقمع لكي يضمنوا تحول حكومتهم إلى حكومة دائمة والبقاء خمسة وثلاثين عاما أخرى وهم لذلك عمدوا إلى تزوير إنتخاب المجلس الوطني لكي يضمنوا بقاءهم. وهذه لعبة كانت مفضوحة وصرح بها أكثر من مشارك في ما يسمى بالمؤتمر الوطني. كما أن الأحزاب المشاركة تلعب هي الأخرى ذات اللعبة غير النظيفة التي مارستها مع الطاغية صدام حسين من خلال ما يسمى بالجبهة الوطنية التي ساهمت في ترسيخ كيان الدكتاتور.

العراقيون النبلاء الذي عانوا من الحيف مطالبون بعدم التنازل وأن لا تكون البداية تحت ذريعة الإستقرار وليس الإستقلال، لأن ذلك سيكون كما جرهم صدام حسين إلى ما يسمى بالجبهة الوطنية ثم عمل على تصفيتهم. ولذلك عليهم عقد مؤتمرهم الوطني بدون سلطة ولا مقاعد مهداة مسبقا لأعضاء مجلس الحكم فذاك شرع لا قانوني ولا ديمقراطي. فمن خول من إهداء مقاعد من حقوق الشعب العراقي صاحب الحق الأوحد في البرلمان وتشكيل الحكومة وإنتخاب الرئيس.

العراقيون الآن عليهم المطالبة بإنتخابات حرة نزيهة وتحت إشراف دولي وبعكسه فإننا سنعود إلى الدرس الأول ( زيزي وزيران ) في القراءة الخلدونية.

لا نريد حكومة مؤقتة ولا دستور مؤقت ولا دولة مؤقتة.. نريد العراق، كامل العراق يسوده المنطق والقانون والديمقراطية الحقة ويسقط فيه التزوير وإلى الأبد، وتحترم فيه الكلمة ويحترم فيه السؤال ويحترم فيه الصحفي والكاتب والمبدع ولا ينظر إليه بإزدراء كما نظر إليه رئيس الوزراء الديمقراطي مؤقتا.. إذكر رئيس الوزراء وإذكر الحكومة المؤقتة وإذكر المجلس الوطني بأن الذي لعب الدور الرئيس في إسقاط نظام صدام حسين لم تكن بندقية المعارضة ( الفشنك ) وإنما قلم ( الرصاص ) للمثقف العراقي.

نزار سرحان

صحفي عراقي – تورنتو