العراق:خيار دولة الميليشيات والطوائف والامارات الظلامية ام خيار الدولة الدستورية الديمقراطية العصرية؟

الالم يعتصر قلوب العراقيين وهم يتابعون الأحداث الدامية في بعض المدن العراقية وبالاخص مدينة النجف الاشرف. إن الجميع يطرحون السؤال التالي:الى متى تستمر عملية النزف والتدمير ولمصلحة من؟ إن جانب مما يحدث يرتبط اساساً بتلك الثقافة التي زرعها النظام المنهار في المجتمع، أي ثقافة التدمير والعنف والكلاشنكوف والحرب والنهب والتنكر لروحالمواطنة بدلاً عن زرع ثقافة الحوار والقيم الديمقراطية خلال عقود من الحكم الاستبدادي. وإنتقلت هذه الثقافة بدورها حتى الى بعض من عارض النظام، وشرع بعد الاطاحة بالنظام بجمع السلاح وتنظيم الميليشيات المسلحة والسطو على البنوك لتمويل مشاريع قائمة على احتكار العمل السياسي بدلاً من الركون الى لغة الحوار والمنافسة الديمقراطية ونبذ أي شكل من أشكال العنف التي لم تجلب الامان حتى لمن يمارسها، وهذه هي تجربة العقود المنصرمة.
إننا أمام منعطف خطير، فأما أن تبنى في العراق دولة العنف والميليشيات والطوائف والامارات والعودة الى عهود الاستبداد وبتلاوين متنوعة، وأما بناء دولة عصرية ديمقراطية ينعم مواطنيها بالمساواة ودون تمييز عرقي او ديني وبحرية ممارسة حياتهم دون وصاية وفتاوى من أحد. ومن هنا ينبغي أن ننظر الى ما يحدث من تصاعد للأحداث المؤسفة التي تضع علامات استفهام حول مثيري هذه الاحداث المروعة من العراقيين دون تجاهل دور الجهات الخارجية التي لها مصلحة في استمرار نزيف الدم. ومما يثير الانتباه هنا هو توقيت هذه الاحداث الدموية وتصعيدها. إذ انها ارتبطت بتصاعد وتيرة التوجه نحو بناء الكيان الدستوري الديمقراطي مما يعيد الاستقرار واعادة البناء ويمهد تدريجياً نحو خروج القوات الاجنبية من البلاد.
ويبدو ان الجهات التي تتجه نحو التصعيد لا تريد للقوات الاجنبية ان تخرج من المدن ثم التوجه نحو مغادرة الاراضي العراقية كلياً بعد استقرار الاطر الشرعية المنتخبة للدولة العراقية الجديدة. إن المشاركة مفتوحة للجميع في هذه العملية الدستورية، واذا لم تتوفر الظروف للبعض بالمشاركة في العملية التحضيرية، فإن الانتخابات التي ستجري في العام القادم ستوفر الامكانية للجميع بالمشاركة. ولذا ليس هناك ما يبرر مقاطعة اطراف بعينها للعملية الدستورية الا اذا كانت تريد عرقلة بناء دولة القانون والمساواة والديمقراطية. إن الإستعدادات التي تجري الآن لإستكمال العملية الدستورية هي ليست مناورة سياسية سواء من قبل جهات عراقية او اجنبية بل هي تمثل ارادة غالبية العراقيين التي شاركت في التحضير لها، وهي عملية أقرها مجلس الامن الدولي وتجري بإشراف الامم المتحدة وامينها العام كوفي عنان. هذه العملية التي لم تشهدها اي من البلدان العربية او الاسلامية.
ولكن هناك أطراف في العراق،عراقية كانت ام غير عراقية، وبدعم خارجي تفضل جمع الاسلحة والقيام بالتفجيرات وعرقلة العملية الدستورية واعادة بناء البلاد ظناً منها إن ذلك سيؤدي الى استسلام الشعب العراقي امام هذا الموجة المدمرة. ويقف على رأس هذه الموجة،اضافة الى فلول النظام السابق التي تسعى الى ارجاع البلاد الى حضيرته من جديد، جهات دينية متطرفة سنية او شيعية، قل طالبان العراق. إن هذه القوى الظلامية لا تهمها قضية الاحتلال وإزالته بقدر ما يهمها فرض نمط ادراتها الظلامية وتسلطها على العراق وإحتكار السلطة حيث تعتقد ان الوقت الراهن يمثل فرصتها الوحيدة الذهبية لاخضاع العراق لها وبقوة السلاح. وقد شاهد العراقيون بأم أعينهم ممارسات هؤلاء في الفلوجة حيث إنتشرت المحاكم الظلامية لمعاقبة الناس بعيداً عن المؤسسات القضائية العراقية واللجوء الى قطع الرؤوس وجمع المال الحرام وخطف المواطنين العراقيين وغير العراقيين وقتلهم تحت عين وبصر جهات دينية معروفة، خاصة هيئة علماء المسلمين وهي الواجهة العلنية لهذه الفلول، دون ان تردعها بل وتشجعها تحت لافتة ما يسمى بالمقاومة. ولا ندري أين كان هؤلاء عندما دخل المحتل الى البلاد ولم يرموا حجراً عليه وهو يسير في طول البلاد وعرضها.
ونفس الامر ينطبق على ما يسمى بجيش المهدي. ولو رجعنا الى تصريحات مقتدى الصدر بعيد انهيار النظام لوجدناه مفعمة بالغزل للامريكان ظناً منه ان ذلك سيفتح الطريق امامه لتولي "إمارة" العراق. ولكنه دشن نشاطه السياسي بتلك المجزرة التي ارتكبها ضد رجل الدين عبد المجيد الخوئي وآخرون. وبعد توجيه أصابع الاتهام ضده اندفع بشكل طائش وشرع بعملية خطيرة تمثلت بلملمة فلول "شيعية" من اجهزة القمع السابقة ومخبريها وانتابتهم حمى جمع الاسلحة والقيام بتنظيم الميليشيات والمحاكم ومطاردة الناس والشخصيات والمنظمات التي لا تنسجم معهم. وهكذا تحولت هذه المجموعة الى لملوم غريب يجمع التطرف الديني وفلول النظام السابق و"الحواسم" من اصحاب السوابق الذين اطلق سراحهم قبيل الغزو الامريكي، بحيث غدى هذا اللملوم هدفاً سهلاً للاختراق من جهات متعددة مما يتعذر السيطرة على تصرفاتها حتى من قبل مقتدى الصدر نفسه.
إن هدف هذه المنظمات العبثية لا تكمن في مواجهة الاحتلال، والدليل على ذلك اصبح واضحاً للعيان ولكل مواطن عراقي بسيط. فمع كل خطوة تتم بإتجاه تقليص نفوذ المحتلين في إدارة البلاد واقامة المؤسسات الدستورية واشغال العراقيين مواقعهم في ادارة البلاد وتكوين الاجهزة التي تحمي امن المواطن، نرى هؤلاء يصابون بالجنون ويستهدفون القوى العراقية الحديثة التكوين واشاعة التدمير في المؤسسات لاقتصادية وخلق الرعب في المجتمع. ان هؤلاء لو كان لديهم ذرة من الحرص على العراق وشعبه لما فجروا المواقع الدينية والاقتصادية والادارية العراقية. وبدلاً من ان يصرفوا الاموال الطائلة على اليتامى والمعوزين وترميم مؤسسات الدولة والقيام بحملات جمع القمامة في مدن العراق، فإننا نراهم يبذروا تلك الاموال على التفجيرات والتفخيخات ومختلف اوجه تدمير البلد. إنه حقاً لامر يثير التساؤل والشكوك حول اهداف هؤلاء ومن هي القوى الخارجية التي تغذي عملية نزف الدم العراقي، هذه القوى التي يعلن أحد رموزها وهو رجل الدين الايراني المتشدد "مشكيني" انه ينبغي التضحية بنصف الشعب العراقي لسواد عيون مقتدى الصدر!!، هكذا وببساطة يتبرع هذا الرجل بنصف دماء العراقيين.
لقد اضحت صورة الصراع في العراق الآن اكثر وضوحاً وبدأت الغشاوة تزال عن عيون البعض حول حقيقة تلك القوى المحسوبة على الشعب العراقي والتي تسعى الى زعزعة الاستقرار واستمرار الوضع المتأزم. فالصراع، مهما كانت الصورة ملبدة وغير واضحة للبعض، هو صراع بين نهجين: نهج ظلامي رجعي متخلف لقوى قد تبدو متنافرة في مصالحها من ناحية، ومن ناحية قوى تسعى الى عصرنة الدولة العراقية وإحترام حقوق المواطن وتأمين حرياته. إن القوة الظلامية التي تسيطر بقوة السلاح الارهاب على مدن مثل الفلوجة مدعومة بفلول العهد البربري السابق وقوى ارهابية خارجية، تريد إقامة أمارات في بعض المدن لا تختلف عن امارات اقرانهم في افغانستان واليمن والجزائر وتسد الابواب امام العراق لبنائه وازدهاره وتعزله عن العالم الخارجي. وتقوم مجموعات أخرى بنفس المسعى في مدن أخرى كالنجف مدعومة بأوساط متخلفة متنفذة ومتشددة في أقطار مجاورة وخاصة في إيران. ويتبارى هذان الطرفان في عملية التدمير ويتناغمون في نشاطهم في شهر عسلهم المؤقت من أجل وقف بناء الدولة العراقية الحديثة. ولكن لو تسنى لهذين الطرفين السيطرة على زمام الامور في مناطقهم فإنهم سرعان ما يتحولوا الى اعداء الداء ويحولوا العراق الى بحر من الدماء. وليتذكر العراقيون كيف حول امثال هؤلاء افغانستان الى ركام وخراب. وعلاوة على ذلك فسوف يمتد شررهم ايضاً الى الدول المجاورة التي تبدي بعضها تعاطفاً مع ما يسمى بالمقاومة للاجنبي في العراق بما يشبه العمى السياسي وضيق التفكير والافق.
ومن هنا فعلى العراقيين ان يتبصروا بالخطر المحدق بالبلاد ولا ينخدعوا بشعارات زائفة حول المقاومة ودعوات اخراج الاجنبي من قبل هذه الزمر أو دعوات طائفية وعرقية مدمرة. كما ان على العراقيين الطيبيين ان لا ينخدعوا بدعوات "دينية" قائمة على هدر الدم والقتل والتدمير والذي اصبح بضاعة رائجة لمثل هذه الزمر سواء في العراق او في عدد من الدول الاسلامية والعربية.
[email protected]