ليس للرد على الأستاذ فالح الحمرانى.. و انما دعوة للتوقف عن الخلط بين ما هو وطنى و ما هو أجتماعى فى الصراع الدائر!
اصاب بالدهشة عندما يحدثنى البعض عن منطق السياسة العملى الذى يفرض التعامل مع الأحتلال الأمريكى فى العراق بأعتبار أن هذا الأحتلال أمر واقع،وضرورة التعامل والتعاون معه لتحصيل أكبر قدر من المكاسب لصالح الشعب والوطن!!!؟؟
ولا أدرى هل يعتقد هؤلاء أنهم يستغفلونى أم أنهم يحاولون أقناع أنفسهم بمنطق التعاون مع المحتل،الذى أصبح يعتبر خيانة وفق منطق ثوابت الوطنية،التى بلورتها نضالات الشعوب العربية منذ اربعينيات القرن الماضى،ومازالت تحكم منطق العمل الوطنى الفلسطينى فى الصراع الدائر داخل الأراضى الفلسطينية.
وفى البداية لابد أن اقول أن محاولة المقارنة بين الوضع الروسى والوضع العراقى،هى مقارنة تعسفية وتبدو أنها تمييع للحوار(يعنى هى سمك،لبن،تمر هندى والمهم رص الكلام)،بل وتطرح تساؤل حول علاقة رأى الكاتب بما يحدث فى الواقع! لانه لا يوجد أى تشابه بين الوضع العراقى وملابساته ومعطياته والوضع الروسى،ولان الذى حدث فى روسيا كان صراعا داخليا وأجتماعيا بين قوى و اتجاهات سياسية روسية فى بلاد مترامية الأطراف يبلغ تعداد سكانها أكثر من 140 مليون نسمة، بينما الصراع فى العراق مع قوى خارجية،تغيب فيه قدرة العامل الداخلى على الفعل و التأثير.
مزاعم البعض الساذجة والتى تنطلق فى دعمها للحكومة العراقية وللأجراءات التى تتخذها،عادة ما تستند إلى منطق العمل على تحصيل المكاسب من المحتل طالما أن الأحتلال أمر واقع،ويروج هؤلاء إلى الأنتخابات التى ترسم ملامحها واشنطن،باعتبار أنها السبيل لظهور قوة سياسية، ستقدم للعراق الخلاص!!!ويبدو أن هؤلاء يتعمدون تناسى حقيقة غاية فى البساطة هى أن الأحتلال العسكرى هو أعلى مراحل السيطرة المطلقة التعسفية على مصير وثروات بلد ما،والتعامل معه على أنه امر واقع يمنح كافة أجراءاته فى هذه البلد مصداقية ما،ويضفى عليها شرعية يستفيد منها المحتل وان كانت لاتشكل أهمية كبيرة له،بأعتبار أن المحتل منذ البداية ضرب بعرض الحائط بكافة المواثيق والأعراف الدولية،وارسل قواته– بصرف النظر عن اسبابه- لسلب حرية بلد.والتعامل مع الأحتلال يختلف شكلا ومضمونا عن التعامل مع قوى سياسية عراقية مرتبطة بالغرب أو ذات توجهات ما،حيث يحكم منطق التحالف والصراع فى أطار التحالف لتحصيل مكاسب وطنية العلاقة مع القوى العراقية الأخرى،اى أنتماء كافة الأطراف لوحدة او مجتمع واحد،ويبرز بينهم تباين فى وجهات النظر حول أدارة شؤون هذا المجتمع،أى أن منطق التحالف والصراع فى أطار التحالف يقوم على أرضية الخلاف على توزيع الثروة فى المجتمع الواحد وتباين الأراء حول مصالح المجتمع بين قوى تنتمى لنفس المجتمع،اما الأحتلال الأجنبى-الذى كنا نعتقد أنه انتهى عمليا فى مسيرة الحضارة البشرية،واستبدل بأشكال الهيمنة الأقتصادية – فهو عامل خارجى جاء ليسلب الجميع ثرواتهم ومصالحهم،او على أقل تقدير ليدير أمور البلاد بما يتناسب مع مصالحه بصرف النظر عن مصالح أهل البلد!بعد أن فشل فى اجبار قيادة هذه البلد على مراعاة أو خدمة المصالح الأمريكية بالوسائل السياسية.وهذا بالضبط يثير تساؤلا حول المنطق العراقى العبقرى الجديد،الذى قبل بمشروع الأفغنة، ويتحدث عن أهمية المؤتمر الوطنى العراقى..اللوجيرجا العراقية!!لقد أصبح العراق..صانع الحضارات..بلد حضارات بابل واشور..والشعب العراقى الذى قدم عشرات وربما مئات الأف من الكوادر العلمية، يتساوى مستوى وعيه وقدراته الحضارية مع المجتمع الأفغانى،الذى لم تتشكل فيه الدولة سوى فى أوائل القرن الماضى،وعلى مدار قرن من الزمن لم تتمكن أى دولة من أحلال الأستقرار فيه وبناء مجتمع متطور.
أعتقد أن هذا الخلط المتعمد لا يخدع أحد،لاننى أولا لست مغفلا حتى أقبله،ولان المحتل غاصب أينما وجد،ولا بد من مقاومته،ولان أعضاء الحكومة العراقية وأعضاء المؤتمر الوطنى العراقى،ومن قبلهما اعضاء مجلس الحكم الأنتقالى، جميعهم اختارتهم القوات الأمريكية..اى قوات الأحتلال،وبالتأكيد هى لم تختارهم لكى يضروا بمصالح واشنطن فى العراق؟ مما يعنى بالضرورة أنهم سيضرون بمصالح العراق،الذى يجب أن يستعيد سيادته المهدورة،والذى يجب أن يتحكم شعبه فى ثرواته الوطنية.ولابد من الأشارة إلى أن دعوتى للتصدى للأحتلال لا يمكن أن تعنى مساندة لأعمال الأختطاف والقتل التى تروج لها وسائل الأعلام،وربما لانها أعمال بعيدة عن منطق الكفاح الوطنى تلقى ترويجا أعلاميا بأعتبار أنها مبرر منطقى وواقعى لبقاء القوات الأمريكية فى العراق!!!!!
ولابد أن يدرك المحللون الجدد أن مقتدى الصدر سيصبح أحد الشخصيات هامة فى تاريخ العراق ليس لأنه قائد حقيقى..أو زعيم سياسي،وإنما بسبب غياب البديل الوطنى القادر على تقديم التوجه والبرنامج السياسي الوطنى الذى يعبر عن مصالح العراق وشعبه،والذى اصبح يتقمصه اليوم مقتدى الصدر بصرف النظر عن دوافع الصدر لمواجهة الأمريكيين، تماما كما كان الحال مع صدام عندما قرر الأمريكان ازاحته ووجد الكثيرون فيه البطل القومى لمجرد أن بوش أعتبره عدو للولايات المتحدة،والمثير للسخرية أن المحللين الجدد بمنطقهم التبريرى لقبول واقع الأحتلال الأمريكى،يدفعون بأعداء أحتلال العراق للسير خلف الصدر،لانه الجناح الوحيد اليوم الذى يشتبك على الأرض مع القوات الأمريكية،التى تبين أنها اسوأ من صدام فهى لم تمارس القمع والقهر والأعتقال فقط،وانما تسببت فى إفقار وتجويع أغلبية المواطنين.وبدلا من أن تسعى النخبة المثقفة فى العراق لصياغة مشروع عمل وطنى ضاعت بين مقاعد المنصة،ولا اقصد منصة السادات..وانما منصة السلطة العراقية.
وبقيت لى ملاحظة أخيرة وهى الاتهام الذى يوجهه العديد من المحللين العراقيين الجدد حول تدخل العرب السلبى فى شؤون بلادهم،ومما لاشك فيه نحن مع أحترام سيادة العراق(طالما شعبها يحترمها ويكافح لاستردادها)ولكن لابد أن اقول ردا على هذا المنطق..طالما يتم تقنين الوجود الأمريكى بكافة اشكاله بالقرب من حدود البلاد العربية،وتمنح سياسة الهجمات العسكرية الأمريكية صكوك الشرعية بشكل مباشر أو غير مباشر،لا يحق الحديث عن أي شأن داخلى للعراق،المسألة خرجت عن هذا الأطار واصبحت تمس امن ومصالح سوريا والاردن ومصر...الخ،ولن أكون مبتذلا واذكر العراقيين بمرحلة صدام عندما كانت قوى المعارضة بمختلف أتجاهاتها تطالب العرب بدعمها لأسقاط صدام،أى التدخل فى شؤون العراق الداخلية لحسابها!!!
صحفى مصرى مقيم فى موسكو




التعليقات