نــظـرة قــانــونــيــة:

لم يتبقّ على الموعد المحددلاجراء الانتخابات العامة وتشكيل الحكومة الانتقالية ومن ثم سن الدستور الدائم و الانتقال ببلادنا الى الحياة الدستورية الدائمة سوى مدة قصيرة. وتشير اغلب الدلائل الى ان العراق سيتخذ من البرلمانية شكلا للحكم ومن الفيدرالية الادارية (الجغرافية) شكلا للدولة؛ لذا نرى ان مهمة البحث في البرلمان وبكل ما يتعلق بالحياة النيابية في العراق، تكتسب اهمية استثنائية وتتطلب المزيد من الجهد سواء من قبل الحقوقيين او المهتمين بالشأن الوطني و الحريصين على مستقبل العملية السياسية الجارية في بلادنا في الوقت الراهن. ويبدو ان العراق سيكون الدولة الفيدرالية الرابعة في العالم التي ستمتلك برلمانا احادي المجلس؛ فقد تمّيزت بهذا النظام كل من تنزانيا وجزر القمر و الامارات العربية المتحدة (اذا ما اعتبرنا المجلس الوطني للامارات العربية برلمانا بالمعنى الحقيقي للكلمة)*. وفي جميع الاحوال لم يكن برلمان المجلسين حكرا على الدولة الفيدرالية حيث تميّزت به الكثير من الدوّل البسيطة؛ وحتى الصغيرة منها ؛ فقد عرفت الحياة الدستورية للبلدان العربية هذا النظام منذ نشأتها في بدايات القرن الماضي؛ حيث تميّزت به المملكة المغربية منذ نشأة الحياة البرلمانية في عام 1962؛ وتضمنت الدساتير المغربية (عدا دستور 1972) قواعدا لتنظيم كيفية تشكيل واختصاصات المجلس البرلماني الثاني (مجلس المستشارين)؛ وعرفت مصر برلمان المجلسين وفق دستوري 1923 و 1930؛ ولا زالت المملكة الاردنية الهاشمية تأخذ بهذا النظام سواءا على اساس دستور 1946 او الدستور الحالي للمملكة. وقد كان البرلمان الاول للدولة العراقية مؤلفا من مجلسي النواب والاعيان (الدستور العراقي لعام 1925). ويعتبر بعض فقهاء القانون خطأ˝ اتخاذ نظام المجلس الواحد تأمينا لوحدة البلاد اذ لم نعثر خلال بحثنا على ما يشير الى ان وجود المجلس الثاني للبرلمان يوثر سلبا على النظام السياسي للدولة ووحدة منظومتها السيا- حقوقية.

ان ثنائية التركيبة تعتبر واحدة من المميزات الاساسية لبرلمان الدولة الفيدرالية؛ حيث يضم احد مجلسي البرلمان ممثلين عن جميع سكان الدولة؛ فيما يختص المجلس الثاني٭ بالتعبير عن مصالح سكان الاطراف (اعضاء الفيدرالية) ويكون عدد اعضاءه اقل بكثير من اعضاء مجلس النواب (في الولايات المتدة الامريكية ما يقارب الربع وفي روسيا اقل بمرتين ونصف). اما طريقة اختيار الاعضاء للمجلس الاعلى للبرلمان فمختلفة هيالاخرى ؛ لكن الاسلوب الاكثر انتشارا هو ان يقوم الناخبون في الاقاليم (الاطراف الفيدرالية) بانتخاب ممثليهم الى المجلس الفيدرالي الاعلى؛ وعادة ما تمثل الاطراف باعداد متساوية من الاعضاء (اثنان من كل ولاية في كل من امريكا والمكسيك وروسيا الفيدرالية؛ ثلاثة في البرازيل ونيجيريا؛ اما في المانيا والهند فان عدد ممثلي الاطراف في المجلس الاعلى يرتبط بعدد السكان). وتحقيقا لمبدأ الديمقراطية وشفافية العمل والرقابة الشعبية تمنح بعض الدساتير الناخبين في الاقاليم الحق بانتخاب مساعدي مندوبيهم المجلس ايضا (الدستور البرازيلي لعام 1988). وقد ذهبت بعض الدوّل الى اسلوب التجديد في انتخاب اعضاء المجلس الاعلى للبرلمان حيث يتم تجديد انتخاب ثلث اعضاء مجلس الشيوخ الامريكي كل سنتين؛ ولا يعتبر اسلوب التجديد حكرا على الدولة الفيدرالية؛ فقد اخذت به الكثير من الدوّل البسيطة مثل اليابان وفرنسا والمغرب... وغيرها.
ولم يكن الانتخاب المباشر هو الاسلوب الوحيد في تشكيل المجلس الاعلى لبرلمان الدولة الفيدرالية؛ فقد عمدت بعض الدوّل الى اسلوب الانتخاب غير المباشر؛ ففي باكستان والهند مثلا تقوم المجالس التشريعية للاطراف والمجالس القبلية (باكستان) بانتخاب ممثليها الى المجلس الاعلى للسلطة التشريعية؛ في حين يقوم رئيس الجمهورية في الهند باختيار 12 شخصا من الشخصيات العلمية والسياسية المعروفة لعضوية مجلس الولايات في البرلمان الهندي؛ وتعتبر المانيا وكندا الدولتان الوحيدتان من بين الفيدراليات الاوربية التي يتم فيهما تعيين وعزل اعضاء المجلس الاعلى للبرلمان من قبل السلطات التنفيذية للاطراف. اما في روسيا الاتحادية فقد كان المجلس الفيدرالي لغاية 2000 يتألف من مسؤولي السلطة التشريعية والتنفيذية لكل طرف من اطراف الفيدرالية؛ لكن قانون سنة 2000 منح سلطات الاطراف امكانية اختيار ممثليها الى المجلس المذكور.
ولم نلمس اختلافا كبيرا بين البرلمان في الدولة الفيدرالية و الدولة البسيطة من ناحية شكل الاختصاصات واسلوب عمل المجلسين حيث يقوم البرلمان الفيدرالي بذات الوظائف التي يقوم بها برلمان الدولة البسيطة و الدولة الاقاليمية (اسبانيا وايطاليا) اذ ان كلا المجلسين يقومان بوظائف سياسية متشابهة على شاكلة رسم الاتجاهات الرئيسية للسياسة الداخلية و الخارجية للدولة؛ واخرى تشريعية مثل مناقشة واقرار (او رفض) القوانين المتخذة من قبل المجلس الآخر للبرلمان؛ بالاضافة الى الوظيفة الرقابية على الاجهزة التنفيذية للدولة ؛ وهنا لابد من الاشارة الى ان مهمة الرقابة تلك لا تتم مباشرة وانما من خلال جهاز مستقل في الدولة مثل المجلس الاعلى للحسابات (المغرب) اوغرفة الرقابة (روسيا).
ان الخصوصية الفيدرالية تجد تجلياتها في سن بعض التشريعات وتشكيل البعض من اجهزة الدولة العليا وكذلك في حل الخلافات التي قد تحصل بين هذا الطرف او ذاك من اطراف الفيدرالية؛ ويمكن تلخيص تلك الخصوصيات على الوجه التالي:
1- يقوم مجلس البرلمان بتنفيذ بعض الوضائف بصورة منفردة؛ فدساتير كل من الولايات المتحدة الامريكية وروسيا الاتحادية والبرازيل نصت على الوضائف التي تعتبر من الاختصاصات الحصرية لكل من المجلسين ومن بينها مثلا تعديل الدستور الفيدرالي والموافقة على تعيين الوزراء المرشحين من قبل الرئيس (امريكا) او منح مجلس النواب حق الموافقة على تعيين رئيس الوزراء (روسيا).
2- كما في الدولة البسيطة يمتلك المجلس الاعلى للبرلمان حق النقض (الفيتو) على القوانين المسنة من قبل مجلس النواب؛ الا ان امكانية ازالة هذا النقض من قبل مجلس النواب في الدولة الفيدرالية اصعب بكثير مما هي عليه في الدولة البسيطة؛ اذ ان اغلب دساتير الدوّل الفيدرالية اشترطت توفر اغلبية الثلثين لالغاء النقض. وغالبا ما تستخدم السلطة التنفيذية؛ وخصوصا في الدوّل البسيطة؛ مجلس البرلمان الاعلى لاعاقة التشريعات التي لا تتلائم مع توجهات الحكومة.
3- لا يمكن لبرلمان المجلسين في الدولة البسيطة (وبعض برلمانات الدوّل الفيدرالية) اتخاذ القوانين دون موافقة مجلسي البرلمان ؛ وذلك لأن العملية التشريعية تبدأ في المجلس النيابي (الاسفل) المهدد دائما باستخدام المجلس الاعلى لحقه بالنقض؛ في حين تمنح دساتير بعض الدوّل (الولايات المتحدة و ايطاليا) امكانية البدء لأي من مجلسي البرلمان لتلك العملية مع امكانية المجلس الآخر حق النقض. وتنفرد المانيا بامكانية سن القوانين من قبل المجلس الاعلى للبرلمان دون الرجوع الى مجلس النواب.
اما فيما يخص مسألة تحديد الاتجاهات الرئيسية للسياسة الداخلية و الخارجية للدولة فقد اختلفت دساتير الدوّل الفيدرالية في توزيع هذه المهمة بين مجلسي البرلمان واجهزة الدولة الأخرى؛ ففي حين جعلها الدستور الامريكي متساوية بين مجلسي البرلمان احالها الدستور الالماني الى الاختصاص الحصري لمجلس النواب (البوندستاغ)؛ واعتبرها الدستور الروسي من اختصات رئيس الجمهورية فقط.
لقد سعت دساتير الدوّل الفيدرالية الى اتخاذ مبدأ المحاصصة في توزيع الصلاحيات بين مجلسي البرلمان في مجال تشكيل اجهزة الدولة العليا؛ ويكون شكل الدولة هنا من العوامل المؤثرة على توزيع تلك الصلاحيات؛ ففي الجمهوريات الرئاسية (الولايات المتحدة) ونصف الرئاسية(فرنسا) يتم المصادقة على تعيين اهم الاجهزة في الدولة من قبل المجلس الاعلى للبرلمان؛ ففي الولايات المتحدة مثلا يقوم مجلس الشيوخ بالمصادقة على اعضاء الحكومة والقضاة الفيدراليين والسفراء. اما في روسيا الفيدرالية فيقوم المجلس الفيدرالي بالمصادقة على تعيين مرشحي الرئيس لعضوية المحكمة الدستورية ونصف اعضاء غرفة الرقابة والمدعي العام للدولة. ويعتبر حق اتخاذ القرار النهائي باقالة الرئيس من منصبه من الاختصاصات الحصرية لمجلس البرلمان الاعلى في الفيدراليات ذات الحكم الرئاسي. ويختلف اختلافا جذريا اسلوب تشكيل اجهزة الدولة العليا في الفيدراليات ذات الحكم الملكي (بلجيكا؛ الامارات العربية المتحدة؛ كندا؛ ماليزيا؛ استراليا).
ان من البديهيات المعروفة في علم القانون الدستوري هي مسؤولية ايٍ من اجهزة الدولة؛ من القمة وحتى القاعدة؛ امام الهيئة التي تقوم بتشكيله؛ وقد ذهبت الدساتير والتشريعات الخاصة الى وضع آليات محددة لتحميل تلك المسؤلية في حالة خرق الجهاز المذكور لالتزاماته او تجاوزه للصلاحيات المخوّلة له دستوريا ولا يتعلق الامر هنا بشكل الدولة (فيدرالي ام بسيط) انما بشكل الحكم؛ ففي الجمهوريات الرئاسية عادة ما يتحمل الجهاز التنفيذي للدولة المسؤلية امام رئيس الجمهورية؛ اما في الجمهوريات نصف الرئاسية تكون السلطة التنفيذية مسؤلة امام كل من الرئيس و البرلمان؛ ويكون دور البرلمان شكليا اكثر منه فعليا (خلال عامي 1998 و1999 قام الرئيس الروسي بابدال 6 وؤساء وزارة). ولا اثر للرقابة البرلمانية في الدوّل الفيدرالية ذات الحكم الملكي المطلق (الامارات العربية).
عند الحديث عن خصوصيات البرلمان في الدولة الفيدرالية؛ لابد من الاشارة الى ان اجهزة السلطة التشريعية (البرلمانات) لأطراف الفيدرالية لم تكن خاضعة للبرلمان الفيدرالي وذلك لغياب التنظيم الهرمي بين الاجهزة الفيدرالية واجهزة الأطراف مما يمنح الاخيرة حرية اكثر في مزاولة اختصاصاتها الحصرية؛ هذا بخلاف الاجهزة التنفيذية؛ وخصوصا اجهزة الامن والدفاع والادعاء العام وما شاكلها حيث احالت اغلب الدساتير في الدوّل الفيدرالية الى الاختصاص الحصري للسلطات الفيدرالية.
ان تمثيل مختلف اطياف الشعب العراقي القومية والدينية والأثنية في المجلس الوطني القادم لايلغي امكانية التفكير بضرورة الاخذ بنظام المجلسين في الحياة البرلمانية؛ سيما وان بلدنا سيكون بحاجة ماسة لخبرة الكثير من العلماء والقادة السياسيين والوجوه الوطنية ذات الارث النضالي الثر وذلك لتفعيل الحياة البرلمانية وسن ما نحن بحاجة اليه من القوانين المؤسسة لدولة القانون المرتقبة.


*- يفتقر برلمان الامارات الى اهم صفتين وهما الصفة التمثيلية؛ حيث يتم تشكياه عن طريق التعيين؛ والصفة التشريعية؛ اذيعتبر مجلسا استشاريا لا تمتلك قراراته اية قوّة قانونية.
٭- ذهب علماء القانون الدستوري الى تسمية مجلسي البرلمان بالمجلس الاعلى والمجلس الاسفل او الادنى؛ حيث تناقش مشاريع القوانين و تسن في المجلس الادنى ( الاسفل) وترفع لاقرارها في المجلس الاعلى.